متحف في فلسطين رغم أنف العدو الإسرائيلي المستمر في تقتيل شعبها الأعزل!
05 نيسان 2018 149

متحف في فلسطين رغم أنف العدو الإسرائيلي المستمر في تقتيل شعبها الأعزل!

بوعلام رمضاني

يكتبها بوعلام رمضاني

لأن الحلم مجاني وممكن وحق مشروع في كل الحالات، لماذا لا يحلم الأستاذ إلياس صنبر سفير فلسطين في اليونسكو بباريس والسفير المناوب الأستاذ منير انستاز بتشجيع من الطموح والعنيد و الحالم الآخر جاك لانغ بمتحف في فلسطين رغم انف ترامب واتباعه من بعض الحكام العرب والمسلمين الذين يخصغون اليوم جهرا للعدو الإسرائيلي باسم محاربة الإرهاب الإسلامي!

سؤال أنتابني وعبر ذهني أثناء تجولي في الطابق السفلي الواقع يسار مدخل معهد العالم العربي الذي مازال يحقق نجاحات معتبرة بمراهنته أكثر من أي وقت مضى على معارض تحمل أهمية مبدئية تزداد شموخا من يوم لأخر بعد أن أضحت تشكل حدثا ثقافيا يفرض على جهات عربية المساهمة في رعايته ماليا ويضمن جمهور ا فرنسيا وأجنبيا في حاجة إلى مقاربة عالم عربي وإسلامي حضاري ومعرفي وفني يقطر رونقا وسحرا وسلاما بعيدا عن وطأة إعلام مغرض حوله إلى بؤرة إرهاب غير مسبوق.

غاني العلاني وسحر الخط العربي

هذه المرة تمتع جمهور المعارض بمعرض الخطاط والشاعر والباحث القانوني العراقي الكبير غاني العلاني قبل ان يعمق متعته بمعرض"متحف من أجل فلسطين "المستمر حتى غاية 13 ماي الأمر الذي يضع المسؤولين العربيين في اليونسكو إلياس صنبر ومنير انستاز امام تحدي العدو الإسرائيلي الماضي في جبروته (كما يثبت هذه الأيام عدد ضحايا ه من الفلسطينيين العزل) وفي محوه لذاكرة وتاريخ وهوية الشعب الفلسطيني الأبي، و هو المعرض الذي يذكر بخيانة الكثير من ابناء الجلدة القومية والدينية الواحدة، و الذين أداروا ظهورهم لعدو تاريخي يستهدفهم جميعا بالإحتواء التدريجي الخبيث! . في مرحلة اولى اكتشف الجمهور الفرنسي والاجنبي غير المطلع بالقدر الكافي على الحضارة العربية الفنان العراقي المبدع ابن الكرخ الأشم غاني علاني البالغ من العمر 82 من خلال لوحاته الساحرة الكاشفة عن اسرار وسحرالخط العربي العربي الإسلامي المجسد لمدرسة بغداد للخط العربي .

وخلافا للصورة الإعلامية التي أصبحت تروج عالميا عن الفلسطينيين والعراقيين والعرب والمسلمين بوجه عام ،فإن غاني لم يمثل في معرضه( الذي أسدل ستاره قبل يوم أمس) المذهبية القاتلة التي مزقت بلدا عربيا عظيما وأصبحت تربط بتقاتل الأخوة الأعداء، بل عكس عبر لوحاته الآسرة حضارة عربية بديعة تتجاوز كافة انواع الايديولوجية الهوياتية المميتة (على حد تعبير أمين معلوف) لتعانق كل عشاق الجمال الفني من كافة أصقاع الدنيا وتغمرهم سعادة بصرية شاملة .

صورة درويش كرمزية صمود:

مادام معرض "متحف من أجل فلسطين " يحيلنا حتما على محمود درويش من منظور سياسي وادبي رمزي ابدي ،كان لابد من الإشارة بيداغوجيا و سميولوجيا، أن " استقباله" للجمهور عند مدخل المعرض مجسدا في صورة فوتوغرافية ، يعني أن الرمزية الشاملة والمتعددة المستويات والمعاني التي يعكسها المعرض، لا يمكن إلا أن تكون مرادفة لاسم شاعر فلسطيني دخل ذاكرة النضال الإنساني وليس الفلسطيني فقط من باب يستعصى تجاوزه وغلقه ،وحضر درويش بشعره الخالد المعلق امام صورته التي التقطها مارك ترفييه ونصه(نحن نحب أيضا الحياة )، وبزيارته إلى سراييفو الشهيدة مثل فلسطين، والتي حركت مشاعر وقلمي الكاتبين خوان غايتسيلو وجان جينيه اللذين جاورا درويش عبر صور بالأبيض والأسود ، وهي الصور التي شدت جمهور ا توقف مطولا عند صور ولوحات تشكيلية أهداها أصحابها من العرب وغير العرب الى فلسطين الصامدة والماضية في تضحياتها اليومية رغم وحشية العدو الغاصب . الجمهور الذي مازال يتردد بكثرة على المعرض الذي يحمل كلمة فلسطين و- رغم المنافسة التي سيفرضها المعرض الحدث حول قناة السويس - ، جسدته الزائر ة الفرنسية الشابة التي تأملت وتفحصت كل لوحات المعرض مدة حوالي ساعة بشكل لافت ، ووقوف الشابة مطولا عند لوحات الفنان الجزائري الكبير رشيد قريشي الغارقة في تراث فكري وحضاري وفني عربي واسلامي عريق هي حقيقة اخرى تعبر على تعطش غرب لكل ما هو اصيل وابداعي عند خير امة حولها معظم حكامها إلى شر اخرجوه للناس بقوة الحديد والنار .صور فوتوغرافية كثيرة أخرى بالأبيض والأسود وبالألوان شكلت محطات تاريخية واجتماعية وسياسية ودينية فلسطينية خاصة وإنسانية حضارية هامة وعامة مثل صور برونو فير التي تمثل دير الشيخ وكفر إيمان وحوشة وصبرا وشاتيلا لفارنيديز جاك ورام الله لمولار مارك وقلندية المسيجة لفليير ان ماري ماري المعبرة عن حصار مضروب على فلسطينيين يعيشون في سجن اسرائيلي أبدي حتى اشعار جديد ، ومفتوح على تاريخ عذاب غير محدود عكسته لوحة نواش أحمد التجريدية.

الثورة الفلسطينية المجهضة عربيا ودوليا (والتي نتمنى أن تجسد أكثر مستقبلا في لوحات وصور ترقى إلى مستوى المأساة الفلسطينية )،حضرت مجددا مشكلة بأحرف كلمة ثورة من خلال الراحل حامد عبد الله (1917 -1975)،ورغم هذه الاضاءات والومضات التي عبرت عنها الصور واللوحات المذكورة ،يبقى التضامن العالمي والعربي سياسيا كان أو فنيا كما عبرت عنه اللوحات المذكورة في غير مستوى بطش اسرائيلي مستمر لم يعد يشكل حدثا امام ما يعرفه عالم عربي واسلامي غارق في مستنقع مأساوي غير مسبوق . ولأن اللوحات المعروضة ليست خاصة فقط بتاريخ مأساة الشعب الفلسطيني كما تم في جنوب إفريقيا مع متحف المنفى ،لم يكن الجزء الغالب من اللوحات يتعلق بتاريخ المأساة الفلسطينية، ولعل المقاربة غير الضيقة سياسيا وإنسانيا وفنيا هي التي تفسر مشروع متحف فلسطيني فني حديث ومعاصر باركه الرئيس محمود عباس و أعطى تعليمات للمضي في إنجازه، وهو الأمر الذي يحرص عليه المسؤولون الديبلوماسيون والثقافيون في اليونسكو بباريس، ومنهم إلياس صنبر السفير الحالي لفلسطين في اليونسكو والسفير المناوب منير انستاس، وقبلهما الراحل عزالدين قلق الذي أخرج من قبره ثقافيا ونضاليا على لسان المسؤول الثاني في حديث هاتفي "للوسط ".

إلياس صنبر :المشروع غير" الواقعي" يتقدم مع مرور الأيام.

المقاربة الفنية والإنسانية الواسعة والشاملة ، ستوصل إلى فلسطين اصوات وحساسيات تشكيلية عربية وفرنسية واوروبية واجنبية عديدة من منطلق حداثي ومعاصر ، تبررها تسمية متحف فلسطين للفن الحديث والمعاصر )، والذي سيؤكد للعالم أن الشعب الفلسطيني لا يحب الموت فقط كما يقول عنه العدو الإسرائيلي بخطابه التشويهي والتضليلي ، ويحب الحياة والفن تجسيدا لشعر الإبن البار والخالد درويش ، واللوحات التشخيصية والتجريدية والانطباعية والصور والأشرطة المرسومة لغير العرب ... كانت كلها علامات تعببرية مختلفة ومتنوعة بخصوصيانها الفنية ،ونقلها إلى فلسطين باسم فرنسيين واجانب اخرين سيلتحقون بركب التضامن والتبرع الإنسانيين يعد تحديا غير مسبوق للإحتلال الإسرائيلي على حد تعبير منير اناستاز "للوسط " وربما "غير واقعي في نظر الذين شككوا في فعالية مشروع متحف فلسطين على حد تعبير إلياس صنبر سفير فلسطين في اليونسكو في منشور بيان جمعية فرنسا فلسطين للتضامن ، والذي أردف مضيفا مثل اناناستاز أن "المشروع الحلم وغير الواقعي قد أصبح حقيقة تفوز مع مرور الأيام بتضامن واقبال كبيرين ".

بعد المعرض الأول الذي نظم العام الماضي (من 25 فبراير إلى 23 أفريل )بتنسيق بين جمعيتي فرنسا فلسطين للتضامن ومتحف فلسطين للفن الحديث والمعاصر وتحت إشراف ورعاية سفارة فلسطين في باريس وبالتعاون مع معهد العالم العربي ،يأتي المعرض الثاني الحالي بوهج فني وتضامن انسانيين جديدين عبرت عنهما لوحة هنري كويكو الذي رحل العام الماضي وحضر بروحه المكرمة في المعرض الذي أهدي له ، ولوحته "كلاب تجري "واحدة من اللوحات المجموعة إلى حد الساعة (أكثر من 140) التي تزين مسيرة مشروع متحف من أجل فلسطين إلى جانب كلود فيالا وروبير كومبا وارفيه دي روزا وروبير سكملا و انكيه بلال وجوس ذراع وروبير لابوجاد وكلود منالا وآخرين كثر تبرعوا باعمالهم حتى لا تبقى فلسطين ضحية دعاية إسرائيلية تشوه المكان والزمان الفلسطينين وتقضي على حقه في انتزاع الحرية والجمال والتواصل مع انسانية تؤمن بنضاله وبمستقبله.

منير اناستاز : الإحتلال الإسرائيلي هو التحدي الوحيد

"الإحتلال الإسرائيلي هو التحدي الوحيد" ، جملة رد منير انستاس السفير المناوب في اليونسكو ردا على سؤال "الوسط " الذي استوحناه من قراءتنا لبيان جمعية "فرنسا فلسطين تضامن: " سنة بعد إطلاق مشروع متحف في فلسطين ، ورغم تبعات الظرف في فلسطين وفي البلدان المجاورة،يعرف المشروع تقدما يوما بعد يوم " .

رفع التحدي في نظر أنستاز اصبح حقيقة دامغة في الواقع العملي لمشروع يقوى ويزحف بفضل التبرعات والدعم المختلف الأشكال و المكاسب المحققة ،ومن بينها إغناء مجموعة اللوحات التشكيلية التي ستكون متحف فلسطين على أرض تقع في القدس الشرقية واستعداد العديد من المعماريين للمشاركة في تصميمه على حد قوله .

خلافا لما كنا نعتقد تحت وطأة واقع عربي و إسلامي غارق في مساومة الفلسطينين شعبا وقيادة ،اكد اناستاز أن مشروع متحف من اجل فلسطين لا يعرف اي تباطؤ من شأنه ان يعرقل مسار ه ومصير ه وكل المؤشرات خضراء و تسمح بالعبور إلى شاطىء الحلم الممكن والواقعي .

عن تاريخ المشروع الذي يجهله الكثيرون قال انستاز :" تمت محاولات أولى بباريس في نهاية الستينيات على أيدي فلسطينيين مثل الراحل عزالدين قلق الذي جمع حوالي 250 قطعة فنية ، وللأسف لم يكتب لها الدوام اثر اجتياح إسرائيل لبيروت عام 1982 وضياع الكثير منها وبذلك تم طي المشروع .في مطلع عام 2000 ،- أضاف يقول السفير الفلسطيني المناوب :" بفضل الفنان الفرنسي جيرار فوازان تم احياء المشروع وجمعت حوالي 70 قطعة خلال 10 سنوات تكريسا وامتداد ا للمجهودات التي بذلتها مع سمير سلامة ،ونضج المشروع أكثر بعد عام 2006 ، واضحى امر تجسيده ممكنا عام 2015 في شكل متحف على طريقة متحف المنفى الذي انجز في جنوب إفريقيا والأرجنتين ،وبذلنا يومها ما نستطيع من مجهودات بفضل الفنان ارنست بينو صاحب الخبرة الكبيرة في هذا المجال ".

أ صبح المشروع سياسيا على أعلى مستوى حينما باركه الرئيس محمود عباس على حد تعبير انستاز وبعد تبنيه ثقافيا في اليونسكو على يد إلياس صنبر وعلى يدي ونستطيع القول -اضاف يقول -ان التجسيد الواقعي والملموس المشروع الحلم هو ثمرة إرهاصات تاريخية وسياسية وفنية تمت في الظل وتكللت بتضامن كبير يفسره التجاوب المطلق من طرف المتبرعين والفنانين الذين يزدادون من يوم لاخر ايمانا منهم بفلسطين، والحلم الذي كان أقرب الى الوهم في نظر البعض تحول إلى مكسب على الأرض، ولا ادل على ذلك تبرع حوالي 105 فنان تشكيلي عربي وفرنسي واجنبي بلوحات مختلفة ومتنوعة ،و

أمل تعزيز مجموعة اللوحات المقتناة بلوحات أخرى وارد حسب انستاز بالحصول على أخرى من فنانين بلجيكيين وبرتغاليين والبانيين وأجانب آخرين .

أخيرا تكلم المسؤول الديبلوماسي الثاني في اليونسكو بروح حماسية وتفاؤلية مطلقة رغم عدم تحديده نسبة التبرعات وأهميتها المالية والفنية، ولعل استعداد عدد من المعماريين لتقديم خبراتهم مجانا خير مبرر لتفاؤله الصحي والواقعي فضلا عن معاينة الأرض التي ستقام عليها بناية المتحف. وكما كان منتظرا ... كرم اناستاز جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي الذي يحتضن بحرارة مجموعة اللوحات في انتظار بناء المتحف في القدس الشرقية مشيدا بدعمه المطلق واللامشروط ، ومذكرا بهجومه على الرئيس ترامب إثر إعلانه عن نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس، وهو التصريح الذي لم يتجرأ على التفوه به أي مسؤول عربي كما قلنا له الأمر الذي مكننا من تبادل ضحكة هاتفية عادت بالخير النفسي والطريف على الإثنين بعد حوار ا غرق المستجوب والمستجوب في جدية كاملة !.

اقرأ أيضا..