القرارات العشوائية تضع تخصصات جامعية حساسة تحت الخطر !
06 تشرين1 2018 489

بعدما ميعتها في وقت سابق وتخلت عن خريجيها، فاعلون:

القرارات العشوائية تضع تخصصات جامعية حساسة تحت الخطر !

·        الوظيفة العمومية تحتاج التحيين المستمر بعيدا عن "ضغوطات الكتلة"

انتقد فاعلون بالحقل الأكاديمي تصريحات الطاهر حجار الأخيرة حول السير في اتجاه إلغاء تخصصات معينة، على رأسها البيطرة والعلوم السياسية، حيث اتهموا الحكومة بإلقاء خريجي التخصص وسط حلقة مفرغة بعدما تم تمييع التخصص عبر تعميمه على كل الجامعات ثم التخلي عن الخريجين عبر الغلق عليه من طرف الوظيفة العمومية بحسب عيسى بن عقون، في حين رد بوزيان مهماه على ربط حجار للقرار بحاجيات سوق العمل بأن بأن "فشل السوق" لا ينبغي أن يكون دافعا لـ "كسر الدور الحيوي للجامعة، داعين الوزارة الأولى إلى إعادة الاعتبار لتلك التخصصات.


أثار إعلان وزير التعليم العالي الطاهر حجار الأخير، بمراوحة عدد من التخصصات بين الإلغاء والتقليص على ٍأسها البيطرة والعلوم السياسية، موجة من الردود الرافضة وسط خريجي التخصصات المعنية، ورغم تقديم حجار للتبريرات بلغة الأرقام في ظل تراجع عدد الناجحين في البكالوريا المقبلين على التخصصات المعنية وهو 20 طالبا ما أدى إلى إلغائها من تلك الجامعات وتحويل الطلبة إلى جامعات أخرى، بحسب توضيح حجار، إلا أن المعنيين اعتبروا تبريرات المسؤول الأول على قطاع التعليم العالي بأنها حق أريد به باطل، مستشهدين بأن تجنبها من طرف الناجحين في البكالوريا لم يأت وليد الصدفة أو توفر تخصصات أحسن، بل نتيجة حتمية لوأد تلك التخصصات من الوظيفة العمومية وهو ما دفع بالدفعات الجديدة بالجامعة إلى اختيار التخصصات المتوفرة بسوق الشغل، مطالبين الوزارة الأولى بالتحرك على مستوى الوظيفة العمومية لإعادة الاعتبار لتلك التخصصات وفقما كان عليه الوضع سابقا وهو ما سيدفع قوافل الطلبة إليها من جديد.

بن عقون: الوزارة الأولى مطالبة بالتدخل لدى الوظيفة العمومية


احتل شعار "حجار يوقع حكم الإعدام على تخصص العلوم السياسية"، صفحات الكلية ومجموعات التخصص بمواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما سانده تصريح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3 عيسى بن عقون لـ"الوسط"، موضحا بأن تبريرات وزير التعليم العالي بتقليص أو السير باتجاه إلغاء التخصص بعدة جامعات نظرا لضعف إقبال الطلبة عليه حقيقة لكنها مبنية على الواجهة فقط، ذلك أن التخصص تعرض لضربتين قاسمتين الأول عندما تم تمييعه وإبعاده عن تخصص النخبة كما هو سائد بالدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا من خلال تمييعه وتعميمه على كل الجامعات، والثانية هي الضربة التي وجهت له عبر الوظيفة العمومية بإلغائه من مختلف الإدارات وهو ما جعل المرشدين والأولياء يبعدونه عن خيارات الناجحين الجدد بالبكالوريا، ليأتي الدور حاليا على تجهيز التبرير على أرض الواقع وهو إلغاؤه أو على الأقل تقليصه لضعف الإقبال عليه.

وأضاف بن عقون أن معدل القبول بالتخصص يتراوح بين 11 و12 وهو معدل قبول قوي بالنسبة للأدبيين، وبالتالي يعتبر طلبته فعلا نخبة، ومع ذلك تم تهميشهم عند التخرج من خلال حرمانهم من التوظيف، أي التخلي عن خريجي العلوم السياسية وظيفيا، في حين أنه في وقت سابق كانت الإدارة العامة والخاصة مفتوحة أمامهم عبر مختلف المجالات الاقتصادية كذلك: الخدمات، الضرائب، التأمينات، البنوك، وكلها أغلقت الآن، متسائلا كيف يتوقعون استمرار الاقبال على التخصص أمام كل هذا الغلق عليه، مضيفا أن المتفقون الآن يركزون على المدارس العليا للتوجه للتعليم والمعدلات الأدنى ما بين الحقوق والصحافة على اعتبار أنها التخصصات الأكثر توفيرا لمناصب الشغل إلى حد ما.
أما بخصوص أساتذة التخصص والتي قال حجار أنه يمكن توزيعهم عبر التخصصات المشابهة، فاعتبر بن عقون أن إعادة تأقلمهم بتخصصات مغايرة سيستغرق وقتا إلى حد ما، إضافة إلى بعد التنقلات من جامعة إلى أخرى، بالمقابل يطفو للسطح إشكالية مآل الجهد المبذول والدراسات العليا في المجالات السياسية من طرف الأستاذ المحول.

أما بخصوص الحلول فطالب الوزارة الأولى بإلزام الوظيفة العمومية على إعادة الإعتبار لهذه التخصصات وفتح التوظيف أمامهم، مع تحويل التخصص إلى أقطاب جهوية بحوالي 6 معاهد على المستوى الوطني وكل 500 طالب لكل معهد، وفتح باب التوظيف أمام خريجيها.

بوزيان مهماه: لو كان الفصل لسوق العمل لأغلقنا تخصصات الفيزياء والأدب العربي ..  

من جهته الباحث والخبير الاقتصادي مهماه بوزيان حذّر في تصريح لـ"الوسط"، من الرهانات العشوائية للتعليم العالي والتي تتجسد في إلغاء تخصصات حساسة، على رأسها البيطرة والعلوم السياسية، متسائلا كيف يمكن الربط بين المساس بتخصص البيطرة وبين رهان الحكومة على بعث شعبة الفلاحة، معتبرا أن الصورة تكشف عن تناقض مفضوح، مضيفا أنه عندما نتحدث عن تحقيق الأمن الغذائي وتطوير شعبة تربية المواشي واللحوم الحمراء نكون بحاجة ماسة إلى شعبة البيطرة، ولما نتحدث عن الأمن الصحي يتبادر إلى ذهننا الحاجة إلى مهنة البيطري، يكفي التذكير فقط أن شعيرة عيد الأضحى المبارك اقتضت منا في سنة 2018 ذبح ما يقارب الأربعة (4) ملايين أضحية، ونفس الأمر بالنسبة إلى تخصص العلوم السياسية فإذا تحدثنا عن التحولات الهامة التي يمر بها العالم يبرز عندها حاجة البلد إلى نخبة أكاديمية، ليس فقط لمرافقة هذا التحول لصالح تنمية البلد، بل للمساهمة الفاعلة في صناعة هذه التحولات وتأمين المجال السياسي للجزائر نحن أحوج ما نكون إلى تخصص "العلوم السياسية".

القرارات العشوائية أطاحت بشعبة الهندسة

من جهة ثانية عاد محدث "الوسط"، بالصورة إلى تخصص الهندسة، والتي اعتبر أنها أهم رافعة للتنمية إلا أنه تم القضاء عليها، ليأتي الدور حاليا على شعبتين من أهم الشعب في جامعات العالم وهما البيطرة والعلوم السياسية، موضحا أنه في حالة ما إذا كنا على قناعة عميقة بأننا أمام التحدي التكنولوجي ورهانات إعادة بعث النسيج الصناعي الوطني نحن ليس أمامنا إلا خيار إعادة بعث شعب الهندسة والتكوين في طور المهندس وتثمين موقعه في هرم المهن، مؤكدا أنه لا يمكننا بناء منظومات منتجة للبحث العلمي أو التطوير الصناعي والتحكم التكنولوجي دون منتوج جامعي مؤهل وكاف في شعبة الهندسة.
كما عمد مهماه بوزيان على الرد على تبريرات الوصاية بالتماشي مع السوق بأنه لا ينبغي لنا توظيف عناصر الإجابات الجاهزة أو التصورات المغلقة التي تحتمي بإطار منظومي هو محل انتقادات جوهرية من قبل كل الأسرة الجامعية ألا وهو الـ (ل.م.د)، أو بتسويق التصورات المسطحة التي تغترف من أدبيات متداولة، هي بحاجة إلى مراجعات معرفية جادة وأصيلة بحسبه، مضيفا أن استخدام  مبررات الإنفتاح على المحيط الإقتصادي والإجتماعي والإستجابة لحاجة سوق العمل، غير مبرر، كون سوق العمل بحد ذاتها تلفها عدة علامات استفهام "أعتقد جازما بأن "فشل السوق" لا ينبغي أن يكون دافعا لـ "كسر الدور الحيوي للجامعة" وهو " ﺇﻨﺘﺎج اﻠﻤﻌﺭﻓﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﻤﺨﺘﻠﻑ ﺍﻟﻤﺠﺎﻻﺕ"، فلو كانت السوق هي الفيصل في بقاء التعليم الجامعي لأغلقنا منذ زمن بعيد العديد من التخصصات كالفيزياء النظرية والأدب العربي والفلسفة وعلم الآثار وغيرها وكم هي كثيرة.

وبالعودة لعزوف الطلبة عن التوجه نحو فروع جامعية إلى حدّ الإقتراب من التعداد الصفري، فقال أنه يحتاج منا إلى عمل متبصر يستحضر أدوات التحليل المنهجي، فالإشكالية تقبع في مناطق ظل أخرى، كعدم تثمين هذه التخصصات على مستوى الوظيفة العمومية، هذه "الوظيفة العمومية" التي تحتاج إلى تحيين مستمر ومنهجي ومتبصر بعيدا عن "ضغوطات الكتلة" التي تمارسها النقابات المهنية، في حين أن التوجيه الجامعي يصنعه بدءً التصور الذهني الذي ينطبع لدى حامل البكالوريا من خلال التقييمات الإجتماعية لمن حوله بخصوص أهمية التخصصات الجامعية والتي هي في الغالب خلاصات لتجارب خاصة وآراء محدودة يغيب عنها الرأي المتبصر المستشرف للواقع المنظور (بعد ثلاثة أو خمس سنوات) لواقع البلد وما هو بحاجة إليه من موارد بشرية متخصصة وكوادر مؤهلة، وهذا هو دور الجامعة، بالمقابل تأسف لوضع الجامعة الجزائرية حالي، حيث أنها أصبحت بحسبه وللأسف تعنى أساسا بتصريف التدفقات الطلابية، وتغيب عن قيادة المجتمع في المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية. كما ركز مهماه بوزيان على ضرورة التكفل بإستشراف وضع البلد بعد 5 و10 سنوات هي من المهام المستعجلة التي ينبغي أن تضطلع بها الجامعة، كما أن دراسة إشكالية "أثر التحويلات الجامعية في صناعة مستقبل أفضل للبلد" هي الإشكالية الأساس التي ينبغي أن تعنى بها الجامعة ومخابر البحث فيها. كما أن الجامعة الجزائرية هي مدعوة للإضطلاع بقيادة "التحول"، و"حين نجيب بوضوح عن قدرتها على ذلك، ستعود لشعب البيطرة والعلوم السياسية والهندسة مكانتها الراقية في خارطة التكوين الجامعي"، مضيفا أن "أمن البلد" بمفهومه الشامل يحتاج منا كلنا إلى تثمين العديد من الشعب والتخصصات الجامعية وتعزيزها ومنها خصوصا "العلوم السياسية". وللتذكير فإن كلمة "سياسة" في جذورها اليونانية تعني "من أجل المواطنين أو ما يتعلق بهم" و"أعتقد أن هذا من المهام الأساسية للدولة وليس متروكا للسوق".