تحييد اللوبي الفرنسي يقتضي عقلنة الشراكات الجزائرية
15 أيار 2019 283

بعدما هيمن على مفاصل الدولة، فاعلون يؤكدون:

تحييد اللوبي الفرنسي يقتضي عقلنة الشراكات الجزائرية

·        السيادة الشعبية هي التي تقر تغييرا فعليا

تثير طبيعة العلاقات الجزائرية الفرنسية الجدل في كل مرة، في ظل حجم الارتباط وحتى التبعية وهو ما يتجسد في عدة ملفات على رأسها الثقافية والاقتصادية، في حين عاد مؤخرا التلويح بسعي النظام لوقف تلك العلاقة غير المتوازنة، فنجد قراءات في طبيعة ملفات الفساد التي وصفت بالثقيلة وأنها جاءت لتكبيل أيادي فرنسا بالجزائر، وربط أيضا التبعية وتحميل مسؤوليتها لما وصف بالقوى غير الدستورية، وهو ما يحتاج لقراءات لتوضيح الصورة، فبداية نجد أن الحراك الشعبي سبق وأن أعرب عن رفضه للارتباط الجزائري بفرنسا عبر عدة شعارات على رأسها "ماكانش الخامسة يا أولاد فرنسا" أو " و"لاتفرح يا ماكرون الجزائريون صامدون"، ناهيك عن الردود الرافضة لأي تدخل فرنسي في الحراك.

في هذا الإطار كشف العقيد المتقاعد العربي شريف أن أهمية الجزائر بالنسبة لفرنسا يعكسها حجم خلايا الأزمة التي وضعت بداية من وزارة الخارجية ثم وزارة الدفاع فالرئاسة بعد استقالة بوتفليقة، مؤكدا أن خروج الجزائر من العباءة الفرنسية سيفتح الباب أمام باقي مستعمراتها السابقة بإفريقيا.

جيدور: السلطة تحاول استرضاء الحراك عبر الترويج بالضغط على فرنسا  

قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة غرداية جيدورحاج بشير في تصريح لـ"الوسط" أنه للحكم على توجه النظام الجزائري نحو تغيير طبيعة العلاقات الخارجية، ينبغي تتبع الإجراءات والعائدات والدوافع من هكذا قرارات والفائدة المرجوة، موضحا أن التركيز على صورة من مدخل وزارة الدفاع فيها العربية والانجليزية، والتلميح بصدور قانون في الساعات القادمة لوأد الفرنسية لا يعتبران جانبا إجرائيا، مضيفا أن معالجة القضية في حد ذاتها لا تتعلق بالمجال الاجرائي، كون فكرة الارتباط باللغة الفرنسية لم تتأسس بقانون حتى ننتظر قانونا لفك الارتباط بها، فالدستور ينص على أن اللغة الرسمية هي اللغة العربية، بالإضافة إلى اللغة الأمازيغية، بالمقابل نجد أن الدوائر الوزارية والمسؤولين وأشباه المثقفين لا زالوا يستعملونها عبر الوسائط الرسمية وغير الرسمية، موضحا أن ذلك يدلل على أن لا شيئا على الصعيد الاجرائي يكون قد اتخذ.

أما بخصوص مصالح الأطراف المستفيدة من العملية فيتعلق بمحاولة مجاراة الحراك لربح مساحة خالية تقرب السلطة من موعد 04 جويلية القادم، على اعتبار أن السلطة لديها مجسات استشعار لتوجه الحراك، وتكون قد لاحظت أن عموم الشعب يشعر بالحنق الشديد تجاه فرنسا منذ زمن ويحملها مسؤولية كل ما يحدث له سلبيا، وتندرج في هذا الإطار إشاعة أن السيارات التي سيسمح بإدخالها ستكون ألمانية "كأن الحكومة تقول للشعب أنا معك في كره فرنسا ونكاية فيها لن ندخل سياراتها"، في حين أنه على أرض الواقع نجد أنه لا فك ارتباط بشكل غير رسمي ولا حتى إقرار بوجود ارتباط رسمي، على اعتبار أن هذه المسائل لا تؤطرها النصوص ولا يتعامل معها بالشق الرسمي.

قلالة: نحتاج لعقلنة العلاقات الجزائرية بالشركاء الأجانب

أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3 سليم قلالة، في تصريح لـ"الوسط"، أن الوقت مبكر لإطلاق الحكم على طبيعة الردود والإجراءات، فلابد من ظهور تلك الإجراءات ونتائجها، فالعلاقات الجزائرية الفرنسية ليست بالبساطة التي نتصور، فبها بعد تاريخي واقتصادي وثقافي وبعد بشري في ظل حجم الجالية الجزائرية بفرنسا، لذلك لا يمكن الجزم بهذه البساطة،  مضيفا أنه يبدو أن هناك محاولة لإعطاء بعد أن هناك صراع مع فرنسا، معتبرا أنه خطاب موجه للرأي العام أكثر منه لأصحاب القرار الفرنسيين، فهي مؤشرات أولى ولكن ليست كافية أو قاطعة بوجود استراتيجية بخصوص تغيير مسار العلاقات.

وأوضح قلالة أنه ينبغي العودة للواقعية السياسية في العلاقات، فلا معاداة لأي دولة لكن عقلنة العلاقات بلا محاباة وإدخال الجوانب غير الموضوعية في الشراكة مع البلدان الأجنبية، مضيفا أن هناك فساد مع فرنسا وشركاء أجانب آخرين، في حين ينبغي أن تكون الصفقات نظيفة كون المسألة لا ترتبط بدولة بعينها بل بطبيعة العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية، معتبرا أن الاجراء الذي ينبغي أن يتم هو عقلنة العلاقات مع البلدان الشريكة، والتحلي بالموضوعية والندية وعدم التضحية بالمصالح الوطنية مقابل مصالح شخصية لوجوه في في النظام ومنح الصفقات مقابل عمولات.

بلغيث: اللوبي الفرنسي موجود على مستوى مفاصل الدولة

الباحث التاريخي والأستاذ الجامعي محمد الأمين بلغيث، أوضح أن المقصود باللوبي الفرنسي في الجزائر أنها: "الخدم الأوفياء لفرنسا الإستعمارية"، قائلا أنهم بقايا الإدارة الفرنسية السابقة، في حين تم توريث نفس العقلية بصيغة "حنين العبد لسيده"، وهم من ساندوا الاحتلال منذ بداية الاستعمار كفئة، وكذلك من بقوا أوفياء لها وراهنت عليها لتشكيل "القوة الثالثة"، وهو ما يحنون لفرنسا الاستعمارية رغم أنهم يعيشون بيننا إلا أنهم كارهون للاستقلال. كما أضاف أنه تم الاستثمار مع أطراف عنصرية، ومحاولة التلاعب بناء على العرق، وهي أساليب الفرنكوفيلية.

واعتبر محدثنا أن الحراك في أقصى مداه يطالب بالخروج من الهيمنة والوصاية الفرنسية، بداية من اللغة كون اللغة تمثل ثقافة وهو ما تركز عليه فرنسا، وبناء عليه يتم نعت كل من يتكلم ولو بصفة علمية على بروز نجم الإنجليزية بأنها رجعي وعروبي وما شابه من أوصاف نظرا لتركيز الطرف الفرنسي وأتباعه على الجانب الثقافي واستمرار الهيمنة عليه. وربط بلغيث بين اللوبي الفرنسي والقوى غير الدستورية، مضيفا أنهم موجودون بمفاصل الدولة وكذا بالإعلام، مؤكدا أنهم لم يتم تحييده ومن تم ابعادهم عليهم لا يتجاوز نسبة جد بسيطة من البارزين في العلن.

لونيسي: استرجاع الشعب لسيادته هو حل تحييد اللوبيات الأجنبية

أكد أستاذ التاريخ بجامعة وهران رابح لونيسي لـ"الوسط" أنه ينبغي العودة لـ1962، بعدما تمكنت هيئة الأركان المتحالفة مع بن بلة من الحكم لتعمد عقبها على اتهام معارضيها بأنهم عملاء لفرنسا، وهذا ما مثله خطاب بومدين من خلال الإذاعة المنشأة بتونس، واتهام أن الحكومة المؤقتة باعت الثورة عبر اتفاقيات إيفيان، كما لعبوا على الوتر الجهوي بعدما رفضت الولايات 2 و3 و4 للخضوع، فتم اتهام تلك المناطق وتحديدها لاحقا بأنهم ينحدرون من منطقة تريد الانفصال، فنجد: كريم بلقاسم، آيت أحمد، بوضياف وحتى شعباني بتهمة فصل الصحراء، في حين أن النظام أخذ السلطة وحتى بدعم فرنسي.

كما أضاف التطرق لملف العسكريين الفارين من الجيش الفرنسي عشية الاستقلال، مؤكدا أن اللوبي الفرنسي ليس بالمعارضة وإنما بداخل النظام، في حين أنه تم العودة اليوم لنفس الخطاب، داعيا لعدم السير وراء ذلك رغم أنه لا يمكن نفي وجود أن هناك من يخدمون مصلحة فرنسا لكن لا ننسى أن تمركزهم داخل النظام. كما رفض منح الصراع طابعا لغويا، واتهام المتحدث بالفرنسية بأنه فرنكوفيلي رغم أنه يتعلق بلغة وخاصة بالعودة لظروف الاستعمار، داعيا لرفض هذا الغرق في البعد الأيديولوجي الذي يريدون عن طريقه إفشال الحراك الشعبي وإشاعة التهم بين أطرافه بحجج أيديولوجية ولغوية، مؤكدا أن الحل الوحيد هو وحدة الحراك الشعبي وإيصال الشعب لمركز القرار السيادي وهو ما من شأنه تحييد اللوبي الفرنسي فالشعب فعلا يكره التواجد الفرنسي.

من جهة ثانية اعتبر أن القراءات الخاصة بمحاربة اللوبي الفرنسية أو القوى غير الدستورية بأنه صراع عصب، قائلا أن النظام الجزائري على طول مساره كان مبنيا على عصب وتكتلات حول مصالح، وأحيانا يصل لدرجة يخرج للسطح، ولا علاقة له بتغيير فعلي في طبيعة التوجه الدولي.

سارة بومعزة

اقرأ أيضا..