أدوار مهمشة و أصوات مغيبة  تنتظر الإفراج عنها 
29 كانون2 2019 966

الطالب الجزائري : تحديات و طموحات في خبر كان

 أدوار مهمشة و أصوات مغيبة  تنتظر الإفراج عنها 

العايب مفيدة

تعد الجامعة المحطة الأخيرة التي يعرج عليها الطالب قبل ولوجه عالم الشغل وتعد هذه المرحلة من أهم مراحل حياته و أشدها تعقيدا، لكن معظم الطلبة الجزائريين ينهمكون في انشغالات أخرى تؤثر سلبا على مردودهم العلمي و تجعل أدوارهم في المجتمع مغيبة تماما ، إذ أصبح شغلهم الشاغل تحصيل النقاط و ضمان النجاح للانتقال للمستوى الموالي دون المبالاة بما يمكنهم فعلا تقديمه من أنشطة فعالة و ذات محتوى .

تحتضن الجامعة الجزائرية اليوم أكثر من مليون وثلاثمائة ألف طالب في مختلف التخصصات و المستويات موزعين تقريبا على كافة التراب الوطني ، فتجاوز عتبة البكالوريا بغض النظر عن التقدير و الالتحاق بالحرم الجامعي يعد من أسمى الأحلام التي تراود طالب العلم  منذ وطأته الثانوية فتجده يبذل المستحيل وبشتى الطرق و الأساليب  بغض النظر عن مشروعيتها أم لا  ليحجز مكانا له ضمن قائمة الناجحين، عام كامل من المراجعة و الاعتكاف مدجج  بالدعوات و التأملات ينخرط فيه الطالب الجزائري في مهمة واحدة كي   يتوج  باقتناص تأشيرة الالتحاق بالجامعة  "شهادة البكالوريا " ، هذه المرحلة  التي  تعد فترة انتقالية في حياة الطالب الجزائري و التي من شأنها نحت معالم مستقبله و التي تجعله يخوض غمار تحد آخر يتأرجح فيه بين البيئة الجامعية الغريبة و مدى قدرته على التأقلم مع الأوضاع و التحديات الجديدة  من جهة و مدى استمراريته في بذل مجهودات في أطوار الجامعة الثلاث و إن  لم   تضاهي التي بذلها خلال استعداداته للبكالوريا

مقبرة الطموحات

من جهة أخرى فالجامعة الجزائرية  و بغض النظر عن تذيلها لقوائم التصنيفات و بالرغم من الميزانية الهائلة التي تخصصها الدولة سنويا للوقوف بهذا القطاع قصد توفير الجو المناسب للطالب و ضمان مستقبل الأمة ككل، إلا أنها اليوم أضحت لدى العديد من الطلبة مقبرة الطموحات فالمنظومة التعليمية الجامعية التي تشجع عليها  الحكومة والتي تطرأ للعديد من  الإصلاحات طمعا في الارتقاء بالمستوى الطلابي  إلا أنها لم تنجح في خلق روح المنافسة و الإبداع  لدى الطالب ناهيك عن تلاشي الأهداف و  فتور تلك الرغبة الجامعية و  السعي لتحقيق الطموحات، إذ تقتصر طموحات  الأغلبية على  تفادي الإقصاء و  تحصيل النقاط التي من شأنها ضمان الانتقال الى مستوى أعلى في نهاية العام الجامعي وتفادي ما يسمى بالدورات الاستدراكية خاصة و أنها أصبحت تتزامن مع شهر رمضان المعظم في الآونة الأخيرة ،كما أن لانتشار لغة الاحتجاجات و الإضرابات التي انتهجها طلبة  بعض التخصصات في كافة التراب الوطني الأثر الواضح و البالغ على تذبذب مستواهم  وضعف مردودهم وتردي  الأوضاع من سيء إلى أسوء خصوصا و أنها تتم بصورة عشوائية و تتأتي أحيانا استجابة لرغبات و مطالب لا تتوافق مع تحديات طالب العلم و هذا من شأنه تشويه صورة الطالب و تعكير الجو الذي يسمح له بمزاولة دراسته الجامعية في الظروف العادية كأقصى تقدير

التقليد الأعمى

يقع   اليوم العديد من الشباب الجامعي- من كلا الجنسين- ضحية التقليد الأعمى نتيجة اصطدامه  بواقع جديد لم يعهد له مثيل ، فيضطر لبذل مجهودات مبالغ فيها للتكيف مع البيئة الجديدة سعيا لمواكبة العصرنة و اكتساب شعبية وسط الطلبة ومن هذا المنطلق تظهر فئات غريبة الأطوار تتسم بأفكار مشتتة عبارة عن خليط بين الضياع  والتشبه بالحضارات الغربية، يتبعون طرق لبس غريبة عجيبة بعيدة كل البعد عن المألوف تجسد انغماسهم في التقليد الأعمى لإرضاء الأذواق، كما أن  طرق حديثهم و تصرفاتهم هي الأخرى لم تسلم من عملية التهجين التي تعرض لها عقل الشاب الجزائري فناهييك عن معاملتهم للأستاذ الجامعي التي تتسم بالفتور و قلة الاحترام من طرف بعضهم والتي يبررها البعض على أنها نوع من الشجاعة الأدبية او طريقة للمطالبة بالحقوق إلا أنها تصف مدى تقهقر سلوك الطالب ومدى تناسيه للجانب الأخلاقي للعلم ،

تغييب الطالب

التمعن في ساحة  الأحداث الحالية يجعلك تتساءل وللوهلة الأولى  عن السبب وراء تغييب دور الطالب الجزائري في بلد تعد الفئة الفتية فيه  من ابرز  ثرواته مما يجعلك تلح لإدراك ما إذا كان هذا الواقع مقصودا  فعلا  أم مجرد  تحصيل حاصل لسياسة تم حياكتها منذ زمن بعيد، فاليوم تقتصر مشاركته و التي تعد بصورة جد محتشمة  في تنظيمات و نقابات  طلابية ربما تقتصر  الغاية منها  في تأطير الطلبة و تنظيم شؤونهم والدفاع عن حقوقهم  أو هذا ما يروج له البعض فبالرغم من قانون الجمعيات  في الجزائر  الذي يقتضي بمنع موالاة المنظمات و الجمعيات غير السياسية و انضمامها  إلى الأحزاب السياسية و ممارستها لهذا النوع من  الأنشطة بشكل مباشر إلا أن الطالب يجد نفسه مجندا في قذارة  بعض  الأعمال السياسية و مدافعا عنها رغما عنه وما يتمخض عنها  من صراعات دون علم منه في أغلب الأحيان، ولذلك أضحى الهدف من الانضمام لمثل هذه التنظيمات استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلبة لفائدة  تغذية مشاريع سياسية أو بلوغ مناصب غامرة نتيجة الاحتكاك بالوسط السياسي في حين يشتكي آخرون من غياب أصوات تغرد بحقوقهم البيداغوجية و الاجتماعية و عدم وجود أذان صاغية لمطالبهم نتيجة حياد و انحراف هذه التنظيمات عن السبب الرئيسي وراء ظهورها، كما انه لوحظ تراجع كبير في انضمام الطلبة الجزائريين للأحزاب السياسية في حد ذاتها نتيجة فقدانهم الثقة في الطبقة السياسية وعدم اهتمامهم بهذا النوع من النضال بما يكتسيه من تغليط و فساد- حسب رأيهم- معتبرين ان انصياعهم وراء هذه التيارات الهشة  قد يورطهم في متاعب لا تحمد عقباها، وهنا يتجلى تردد الشاب الجزائري في التعبير عن موقفه السياسي أحيانا  وعدم الاكتراث أحيانا أخرى ناهيك عن  فقدان الرغبة في محاولة تغيير الأوضاع و صناعة  الفارق، و لعل ابرز دليل على ذلك إقبالهم المحتشم على أداء واجب  التصويت في مختلف المحافل والانتخابات سواء كانت محلية أو رئاسية معبرين عن اضطرارهم لذلك كونهم ملزمين بتقديم  بطاقة الناخب في ملفات بعض امتحانات التوظيف

تحجيم المبادرات

فيما يخص مبادرتهم في النشاطات الثقافية العلمية و  الرياضية فالطالب الجزائري لم يصل بعد إلى مستوى  المشاركات الفعالة التي تعكس طاقاته الإبداعية المميزة ، كون العديد منهم لم يع بعد أن الجامعة تعد فضاء الطالب الذي يمارس فيه هواياته (كالمسرح الجامعي ، الموسيقي والرسم ، الأدب و الشعر و غيرها ) زيادة على كونها ركنا للتلقي و التعلم ، أما البعض الآخر فيشتكي اكتظاظ الجداول الزمنية و عدم انتظامها  مما يحول بينهم وبين ايجاد فرص  لتحقيق ذلك و بالتالي ينحصر يومه بين الذهاب إلى الجامعة والعودة إلى البيت وبالتالي نجد أن إدارة الوقت أصبحت  معضلة أخرى تضاف إلى مشاكل الطالب الجزائري خاصة لدى طلبة السنة الأولى الذي يجد نفسه مجبرا على العيش تحت ضغط هائل يضطر فيه أحيانا للتضحية بها أو يحبذ ممارسة هواياته بعيدا عن الوسط الجامعي  مما يجعله يشعر سريعا بالملل و عدم الفاعلية في المجتمع و بالتالي يزيد من رغبته التهكمية في التعبير عن ما يحيط به من افكار قد تكون  بطرق لا أخلاقية أحيانا خاصة بعد أن وجد في وسائل التواصل الاجتماعي المتنفس الوحيد عن تلك الانطباعات السلبية فيضيع وقته في التسكع والإبحار  فيها بدل تحويل تلك الأفكار وبلورتها لمشاريع قد تعود يوما ما بالفائدة على المجتمع،  و للوقوف على ذلك جولة صغيرة في النوادي العلمية للجامعات تمنحك نظرة شاملة على الوضع الذي آلت إليه جامعاتنا اليوم فالتحضيرات للفعاليات الجامعية من ملتقيات، مؤتمرات و مناقشات إضافة إلى إحياء المناسبات الوطنية و غيرها يقتصر على مشاركة فئة قليلة من الطلبة المتطوعين الذين تختلف غاياتهم وراء الانضمام لهذه النوادي- خاصة أنها تضمن لهم العديد من المزايا أهمها التقرب من الأساتذة و الاستفادة من الغيابات المبررة إضافة إلى تفعيل دورهم في الساحة الثقافية للجامعة  -  كما أن حضور الطلبة لهذه الفعاليات يعد جد محتشم و لا يتجاوز  الدقائق المعدودة مما يضطر القائمون على هذه الفعاليات  أحيانا على إقرار إجبارية الحضور لحثهم على ذلك لكن دون جدوى، فبالرغم من أهميتها كونها تعالج مواضيع حساسة أو يتم فيها طرح انشغالات تتعلق بمستقبل الطالب الجزائري إلا انه لا حياة لمن تنادي.

حراك أدبي

ففي عالم الأدب والروايات ،صحيح أن الآونة الأخيرة تشهد تحركا أدبيا في فئة الطلبة الجامعيين خاصة مع لجوء البعض لوسائل التواصل لاجتماعي للترويج لأعمالهم الأدبية لكن هذه الاعداد لا تزال ضئيلة مقارنة مع ما يستطيع فعلا الطالب الجزائري تقديمه للعالم من اعمال ادبية تحاكي او قد تفوق ما  قدمه اخرون إذا ما تم احتضانهم و مرافقتهم في قصص نجاحهم حتى يتسنى لهم تفعيل دورهم كبذور صالحة في هذا المجتمع . نفس الملاحظة يمكن قولها عن الأنشطة المسرحية التي تتسم معظمها بالبهتان و خلوها من المحتوى و الأسلوب النقدي  و بعدها كل البعد عن رفع انشغالات المجتمع و التعبير عن ألامه و الأوضاع التي آل إليها اذ أضحت العديد من المشاركات لأجل المشاركة فقط ، أما الأنشطة الرياضية  و المشاركة في فعاليتها فيعد  هذا الميدان حلقة مفقودة أخرى تضاف إلى ما يقصر فيه طلاب الجامعة متناسيين فعلا مدى أهمية الصحة الجسمية ومدى تأثيرها على الصحة النفسية و العقلية ،

كل هذاالتقصير في تفعيل الأنشطة  الطلابية في كافة الميادين و هذه المشاركات الباهتة التي تكتسي دور طالب اليوم تعكس مدى فشل كافة منظومات الجامعة الجزائرية التي عجزت  في بلورة صورة الطالب الجزائري الذي يقف اليوم عاجزا أمام هدف النجاح في الجامعة و طموح الحصول على منصب شغل  الذي أضحى لمن استطاع إليه سبيلا .

اقرأ أيضا..