جانب من مسرح قالمة
جانب من مسرح قالمة ص: أرشيف
23 نيسان 2017 2523

جوبتر.. فينوس.. لاقورقون ميدوس

آلهة تحاكي القرون الأولى لمدينة الاساطير قالمة

ربورتاج: سارة بومعزة
يحاكي المسرح الروماني الواقع بوسط مدينة قالمة (شمال شرق الجزائر) تاريخ الحقبة الرومانية بنوميديا، هذا الصرح الأثري الذي يؤدي حاليا-وفق المرشدة نور تواهمية- التي رافقتنا في اعداد هذا الربورتاج، دور "متحف" تُعرض فيه تماثيل وأنصاب وأواني جنائزية وأيضا أدوات ممارسة الرومان الذين سكنوا (ملاكا) حياتهم اليومية.

هذا المسرح الذي شيد في الفترة ما بين 193 إلى 211 ميلادي، وإن كان ما يعادل 60 في المائة من جسمه أعيد بناؤه بعدما كان مردوما تحت التراب في عملية مسح للأراضي عام 1842 من طرف الإحتلال الفرنسي، ورغم فقدانه بعض ميزاته العمرانية الأصلية جراء إعادة البناء والترميم على شاكلة مسارح إيطاليا فهو يشكل بامتياز الولاية.

معلم يحاكي عراقة مدينة

الجولة والمرشدة عادت بالصورة للفترة الرومانية وإن كان المسرح عرف عدة ترميمات، بعدما تم اكتشافه 1842، أين تم العثور عليه تحت الأرض، أثناء مسح الأراضي لتحديد الخريطة الجغرافية لـ"مالاكا" (قالمة في عهد الرومان)، تم اكتشاف بقايا آثار رومانية، وتم القيام بدراسات وإجراءات قانونية أشرف على الترميم شارل ألبرت جولي، واستشهد بطريقة بناء المسارح الرومانية على مستوى ايطاليا، وأعاد بناء وليس ترميم بحوالي 60 بالمائة من المسرح، الجدار الخلفي والأعمدة كلها ليست أصلية، في حين أن التماثيل المتواجدة أصلية، أما الأصلي من المسرح القائم حاليا فهي المناطق القاتمة أو المائلة للسواد المقابلة للداخل على مستوى المدرج، وكذا النفق الصغير المار من هناك أو بالأصح النفقان المتقابلان على يمين وشمال المسرح، والمخصصة لبعض الآثار حاليا التي تعرض على مستواها.في حين أن الترميمات انطلقت من 1901 إلى غاية 1918.

4 طبقات للمتفرجين

الآثار متنوعة رغم أن تسميته المسرح الروماني كونه مع الوقت استعمل كمسرح ثم كمتحف، أي كل ما يخص الآثار تم محاولة جمعه هنا، لتسهيل المهمة على السياح، فهناك آثار لحقبة الاحتلال الفرنسي، قبلها آثار الفينيقيين والنوميديين.
أما بالعودة للمتحف أو المسرح فهو يتكون من 3 أقسام، بداية من خشبة المسرح، ثم الاركسترا عبارة عن نصف دائرة وهي خاصة بمكان الفرقة، ثم المدرج الخاص باستقبال المتفرجين، ومقسم لأقسام تكشف أن المتفرجين كانوا يركزون على الطبقية، المقدمة للنبلاء والفرسان والجنود، كطبقة لها سلطة في المجتمع، الثانية: مخصصة للبورجوازيين المالكين للمال، في حين تبقى الرتبة الـ3 للعامة.
ما يميز مسرح قالمة، هو الطبقة الـ4 والتي كانت تخصص للعبيد.

لاقورقون.. الجميلة التي تقطع يد الكاذب

المسرح بني في عهد الامبراطور سبتين سيفار، وهو الامبراطور الأول من  ذوي الأصول الإفريقية، بني المسرح بالتحديد ما بين 193 و211 ميلادي، حيث تعود أصول الامبراطور من لبدا "طرابلس" حاليا.
على يمين الداخل للمسرح يجد متحف التماثيل، يكمن عند المدخل النافورة العمومية، وهناك تفسير آخر تدعى  "رأس الحقيقة"، في وقت الرومان يقال أنه يضع يدك في فم التمثال وتحكي القصة إذا كنت تروي الحقيقة ستخرج يدك سليمة، وإن كان العكس تقطع يدك، لأن "الرأس"، ترجع في الأصل لامرأة كانت راهبة في معبد إلهة الحرب والحكمة أثينا، وكذا صديقة لها، تسمى "لا قورقون ميدوس"، فائقة الجمال، بمرور الوقت حدثت حساسيات مع أثينا، رغم أن الأولى هي بشرية، فألقت عليها اللعنة، وتحولت إلى وحش وشعرها الطويل على شكل ثعابين متجهة للأعلى، وأصبح كل من يرى وجهها يتحول إلى حجر، ومنها تم نحتها على دروع الأباطرة كخنثى، قلادة تحميهم من العدو، كون من يراها يتحول إلى حجر أثناء المعركة، ويتحجر قبل قتل حامل الدرع. أثينا بدورها أخذت شكل رأسها واستخدمت منه قلادة، تستعملها في الدرع بصفتها إلهة للحرب.

"إيكو" الحورية التي كانت تعطل زوجة "جوبتر"

تمثال إله الآلهة "جوبتر"، عند الرومان وإله الأمطار والصواعق والرعود، أيضا موجود، يكشف أن بعض الآلهة متخصصة في أمر محدد في حين أخرى تمنح لها أكثر من وظيفة، منها جوبتر، بصفته كبير الآلهة، حيث يعتبر مرجعا لها، أساطيره كثيرة، منها "إيكو"، تترجم بكلمة "الصدى"، إلا أنها في الحقيقة حورية من حواري الجبل، تعرف بصوتها الشجي، وظيفتها كانت تعطيل زوجة جوبتر "جونو" والهائها عن اكتشاف نزواته، لكن بطول المدة أدركت جونو اللعبة، فلعنتها وأصبح صوتها يعود لها عندما تحاول الكلام، قبل أن يصل لجونو، أي تسمح صوتها دون أن يصل إلى مسامع جونو، وبالتالي لا يمكنها إلهاؤها، ولليوم عند الوقوف عند نقطة "الايكو" يرجع صوت المتكلم في شكل صدى.
إلهة الزراعة "سيراط" أيضا، ومن بين رموزها أنها تمسك فسيلة قمح أو بصل، وهي من بين الآلهة التي نجد تماثيلها دائما محتشمة، لأن الثقافة السائدة كانت أن الآلهة عراة أو نصف عراة، يعتبرون أن تجسيدهم على تلك الهيئة يدل على القوة، يمعنون في نحت العضلات، ويقولون ان الإله لا يملك عيوبا يستحي بها لتغطيتها، على خلاف البشر، على رأسها فينوس الهة الحب والجمال، من بين الرموز التابعة لها وردة أو حمامة  أو مرآة، وهو ما يتبع له حاليا تسمية ماركات مواد التجميل، "فينوس أو دوف: أي الحمامة وهو الرمز التابع لها".

تمثال هرقل: نصف الإله، إبن الإله جوبتر ووالدة من البشر، إلى جانبه يقبع تمثال القديس أوغسطين أصله من مادور، ويمثل مكانة لدى الكنيسة لليوم.


أنصاب الرخام  تكشف مكانة موتاها بعد 19 قرنا

كما يحوي المتحف مجموعة من الأنصاب والأواني، بداية من الأنصاب الجنائزية، والتي يتبين أنها تختلف من حيث الشكل والنوع، فيما يتعلق بالمادة المصنوع منها تبعا لمكانة الشخصية الاجتماعية، النصب الجنائزي من الرخام الجيد يكشف عن شخصية مرموقة، والنصب كبير الحجم، ويكون النصب مقسما لـ3 أجزاء، الجزء الأعلى صورة تجسد المتوفي، فمثلا يتضح من خلال بعض الأنصاب المتواجدة صورتين بأعلى النصب الأولى واضحة المعالم والثانية لا، وهو ما يعني أن النصب حمل الصور في حياة الشخصين في الصورة حيث يكونان قريبين، مثلا زوج وزوجته، المتوفى يتم إكمال صورته والاسم واللقب، DMS، هو المختصر المكتوب على النصب الذي مررنا به وهو مختصر "لأرواح الأجداد المقدسة"، مع تحديد عمرها، بالسنين والأشهر والأيام.
وبالجهة المقابلة للنصب يتم تخصيصها للقرابين، ومنها يفهم أن صاحبة النصب الذي تفحصناه كانت تتقرب للآلهة أيام حياتها، كما يجسد صورة للملاك الحامي للشخص في شكل شعلة موجهة للأسفل وهو دلالة على الموت. الجهة الرابعة تخصص للأبواب والتي تمثل أبواب الجنة والنار، وهي الخاصة باعتقادات الأرواح، حيث يقولون أن الروح الخيرة تتجه للباب المفتوح الممثل للجنة، أما إن كانت روحا شريرة فستجد الأبواب موصدة وتبقى معلقة -على حد توضيحات المرشدة-.
في سياق تقديم القرابين، يوجد مربع يمثل مذبحا للعائلة الأونستينسية، وهي عائلة بين قالمة وقسنطينة "واعنونة حاليا"، يحتوي المتحف تماثيل لأعضاء في مجلس الشيوخ، تبرز الفرق بين العضو من الأصول الأوروبية والآخر من الأصول الإفريقية، بناء على ملامح الوجه جبهة عريضة وشعر قصير، واختلاف في الأنف، في حين تسريحة الأوروبيين مختلفة، بخاصة اللحى التي كانوا معروفين بها.
وإلى جانب مذبح الإله أطلس الذي عاقبه جوبتر بتقليص رتبته ومعاقبته بحمل قبة السماء، كان يخصص لتقديم القرابين للآلهة، عبارة عن أواني توضع فيها القرابين المقدمة، يجاوره إله التجارة ماركور بجوار قدمه اليمنى ديك دلالة على النهوض باكرا، وكذا صرة النقود، والأجنحة كدلالة على السفر الملازم للتجار دائما.
ومن الأدوات نجد الساعة الشمسية لمعرفة الوقت، توضع في مكان ثابت ويتم الاعتماد على موقع الظل، حيث تتميز بخطين كل واحد منهما يمثل نصف ساعة، لاستكمال مدار الساعة وأداة لطحن الحبوب "مهراس".

اقرأ أيضا..