شبح "سوق الفلاح" يلقي بظلاله على الجزائريين
شبح "سوق الفلاح" يلقي بظلاله على الجزائريين ص: أرشيف
16 كانون1 2017 1089

الحليب يباع بشروط وبطرق مستفزة منذ 20 يوما:

شبح "سوق الفلاح" يلقي بظلاله على الجزائريين

علي عزازقة

يسير بمفرده قاصدا إحدى المحال الموجودة في بلدية الجزائر الوسطى، من أجل أن يظفر بأربعة أكياس حليب، لكنه سرعان ما تفاجأ بجحافل المستهلكين الذين سبقوه، فعمر لم يكن يعلم أنه سيواجه الوقت وطابور المستهلكين معا، أربعة أكياس لا يمكن أن يحصل عليها إلا إذا خسر ساعتين كاملتين أو أكثر بقليل، وكأنه سيجلب الخيرات لبيته هكذا قال، فعاد ليتنهد ويقول: " ملزومة واش راح ندير"، ( يجب أن أنتظر لأنه واجب عليا).


كل شيء تغير في الجزائر يقول عمر باستثناء مثل هكذا تصرفات التي قد تكون مفتعلة من قبل جهات مجهولة،  فالمستهلكين الذين ينتظرون أن يظفروا بأكياس الحليب، بدأ هرمون الملل والكسل يترصد بهم، لأن مدة 20 يوما على هذه الحالة لا يمكن لأي كان أن يصبر عليها، فسمعنا محمد يصيح بأعلى صوته: " بزاف والله غير بزاف، شحال نقعدو على هذه الحالة"، ( كثير والله كثير، كم سنصبر على هذه المشكلة).

بعض الأكياس لكن بشروط

الجزائر الوسطى ليست البلدية الوحيدة التي تعرف هذه الظاهرة داخل ولاية الجزائر، فحتى بئر خادم مل مواطنوها من الانتظار وقتا طويلا في محال البلدية ليتحصلوا على أكياس الحليب، رغم أن مصنع الحليب قريب منهم ولكن وكأنه غير موجود... وبين محل ومحل تجد طرقا في بيع الحليب الذي يعد مادة أساسية بالنسبة للمواطنين، فسليم القاطن في "لا كوت" يجب عليه أن يشتري 4 أكياس حليب مقننة مع كيس حليب البقر الذي يبلغ سعره 80 دج، فما كان يحصل في سوق الفلاح سنوات التسعينات أصبح التجار يمارسونه بشكل علني الان، دون أن يحاسبهم أحد يردد سليم، الذي لم يعد يطيق مثل هكذا تصرفات من قبل التجار، الذين استغلوا أزمة الحليب التي تمر بها الجزائر من أجل أن يسوقوا بعض المواد التي لا يقتنيها المواطنون.

تجاوزات عدة والجهات الوصية مسؤولة عن الأزمة

البيع بشروط لم يقتصر فقط على بلدية أو بلديتين، لكون العديد من البلديات شهدت هذه الظاهرة المتجددة، "الوسط" كان لها اتصال مع رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلكين الجزائريين مصطفى زبدي، أين كشف عن تلقي المنظمة لشكاوي عدة متعلقة بهذا الموضوع، موضحا :"نحن نتلقى يوميا شكاوي عديدة من قبل المواطنين، حيث أصبح الحليب يباع بطرق تستفز المستهلكين"، ولأن هنالك طرق عديدة لبيع هذا المنتوج الأساسي للمواطنين كان لرئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلكين الجزائريين هذا التأكيد:" نجد من يبيع عدد معين من أكياس الحليب، وهذا من كيسين إلى أربعة أكياس للمستهلك الواحد، ولكن نجد كذلك من يبيع الحليب بشرط أن يقتني المستهلك كيس لبن، أو حليب البقرة، وهذه كارثة، يجب على السلطات الوصية التحرك من أجل إيقافها".

زبدي لم يقتصر حديثه  عند هذا الحد، وراح يبين الجهات التي تتحمل مسؤولية ما يحصل للمستهلك الذي بات يتخبط بمفرده في هذه الأزمة، خاصة وأن مادة الحليب ضرورية، وحضورها ضروري جدا في بيت كل مواطن جزائري، مؤكدا أن الهيئات المسؤولة عن تسيير هذه المادة هي المسؤولة الوحيدة عن ما يحصل، قائلا:" الدولة وضعت أجهزة ومؤسسات لتسيير مثل هكذا مواد"، متابعا:" حاليا تقنية ضبط المنتجات من أجل الحفاظ على الكمية المناسبة للمستهلكين، يديرها الديوان الوطني للحليب، أما المراقبة فهي من مهمة وزارة التجارة، ولكن المؤسستين وكأنهما غير موجودتين"، مشددا في الأخير على أن الهيئات هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الأزمة  التي تشتد قوتها يوم بعد يوم.

تجاوزات التجار محدودة والأجانب يتغزلون بسياسة الدعم المطبقة

رئيس جمعية التجار والحرفيين الجزائريين، الطاهر بولنوار لم ينف وجود بعض التجار الذين يبيعون الحليب في ظل الأزمة الحالية بشروط، مؤكدا بأنهم قلة، والسلطات يجب أن تعاقبهم لكونهم تجاوزو القانون، لكنه عاد ليقول:" لكن تصرف هذه القلة من التجار لم يأتي صدف، لأنهم تعرضوا لضغوطات من قبل الموزعين الذين يعطوهم الحليب بمقابل بعض مشتقاته، من "لبن" أو "رايب" ليتم بيعه مع الحليب، ما يجعل التاجر يبيع المنتوج بتلك الطريقة للمستهلك"، ممثل التجار وفي تصريحات "للوسط" انتقد بشدة سياسة الدعم التي تعتمدها الحكومة فيما يخص بودرة الحليب، والذي قال عنها تخدم الأجانب الذين يتمنون أن تستمر الحكومة فيها.

وفي السياق نفسه أعاب رئيس جمعية التجار والحرفيين الجزائريين، الثقافة الاستهلاكية للمواطنين، التي وصفها بالكارثية وغير متوازنة، موضحا:" نجد من العائلات من يرسل كل أبنائه لشراء أربعة أكياس حليب، ما يجعل التاجر يجد نفسه أمام معضلة حقيقية"، مضيفا:" باختصار التاجر لا يتحمل مسؤولية ما يحصل بمفرده"، وهذا في ظل تبادل التهم بين الجهات المسؤولة عن تسيير مادة الحليب، متهما في الأخير بعض الجهات التي قال عنها تعمل على تحويل بودرة الحليب المدعمة إلى جبن و ياغورت.

الجهات الوصية تتقاذف المسؤولية فيما بينها

تبادل التهم بين الجهات الوصية على تسيير حليب الأكياس، أصبحت ظاهرة متجددة في الجزائر، تصريحات الخبير الفلاحي عيسى منصور صبت في هذا المنطلق، قائلا "للوسط":" أصحاب الملبنات يرجعون نقص مادة الحليب الى الديوان الوطني المهني للحليب الذي لجأ مؤخرا إلى تقليص كميات المسحوق التي يستفيدون منها لأجل انتاج الحليب المبستر"، لكن يضيف ذات الخبير:"  فيما يؤكد مسؤول الديوان أن حصص الملبنات من مسحوق الحليب لم يتغير و أكد أن كميات مسحوق الحليب المخزنة تكفي لتموين السوق الى غاية أفريل 2018"، وبالعودة لتصريحات مسؤول الديوان الوطني المهني للحليب، فإنه كان قد اتهم الموزعين بالقول أنهم سبب هذه الندرة المفتعلة لأنهم يوزعون هذه المادة على بعض التجار، كالمقاهي و فضاءات الراحة.

عيسى منصور تعجب من نوعية التبريرات المقدمة من طرف الجهات الوصية على هذه الأزمة التي أنهكت المواطن البسيط، الذي بات يصارع وجوده مع بقية البسطاء مثله، حيث أكد متحدث "الوسط" أن ما يحصل مهزلة حقيقية موضحا:" شيء غريب و غير مفهوم في اعطاء تبريرات مختلفة في كل مرة تقع فيها ندرة في مادة الحليب و في كل مرة يلجأ هؤلاء المسؤولون إلى الحلول السهلة التي لا تتطلب أي مجهود و لا أي شجاعة ، و يقومون بمعاقبة المستهلكين بدل مواجهة و معاقبة المتسببين الحقيقيين في هذه الأزمة المتكررة باستمرار".

اقرأ أيضا..