طباعة
3 لعنات تلاحق جزائريي 2017
27 حزيران 2017 1775

اللامبالاة، الركود والفردانية تتراكم

3 لعنات تلاحق جزائريي 2017

بديع بغدادي

تشهد جزائر 2017 هيمنة مريبة للعنات اللامبالاة والركود والفردانية التي باتت تلاحق الكثير من مكوّنات الشارع، وسط تراكم كوابيس "اللاَمبالاة" وتدني الوعي الاجتماعي، ويعزو متخصصو علم الاجتماع ما يحدث إلى تخبط الطبقة الوسطى من الجزائريين في مستنقع المعيشة اللاهبة، وتراجع الإحساس بالوعي والمسؤولية، ما يقفز بجدلية الجزائري بين تموقعه كضحية الحرمان من جملة حقوق مشروعة، وتكرسه كطرف في معادلة الحرمان.


في تصريحات خاصة بـ "الوسط"، رأى الخبير الاجتماعي د/"محمد بن مخلوف" أنّ الجزائريين يتفاعلون مع الأحداث المختلفة على الصعيد الوطني والدولي، إلاَ أنّ التفاعل يتم بصور بينية غير منظمة، فالتحضر الذي عرفه المجتمع الجزائري لم يرافقه تأطير اجتماعي من خلال الجمعيات والرابطات واللجان.

وبسبب ضعف هياكل المجتمع، تكون التفاعلات مع المتغيرات الحاصلة تلقائية مناسباتية وغير مستمرة، وتكون في إطار ضيق يقتصر على روابط اجتماعية تقليدية، وأحيانا تكون عبارة عن فورات شعبية سرعان ما تخمُد أو يتم إخمادها. ولذلك لا تعتبر تفاعلات بناءة تسجل في أرشيف الذاكرة الجزائرية وإنما مجرد انفعالات عابرة.

من جانبه، يعزو الأكاديمي د/عمار يزلي، ما يقع في الجزائر إلى تغييب العقل لصالح "شهوانية سياسية وإدارية وأمنية"، ما أدى إلى ابتعاد المثقفين والمفكرين المستقلين، ويقول أستاذ علم الاجتماع الثقافي بجامعة وهران: "لم نعد نفكر بما قد تكون عليه الجزائر بعد 50 سنة أو حتى 30 سنة أو 10 سنوات! صرنا نفكر فقط في "العهدة" وما قد يليها! وهذا ما جعل العقل الفكري ينحصر لصالح "عقل مصلحي" نفعي مرحلي! أدى هذا بالتالي إلى دخول المثقف (ليس الكل) مجال السياسة والارتزاق فيما غيب المثقفون والمفكرون المستقلون عن الساحة وأبعدوا وهمشوا لأنهم لم يرغبوا في أن يتحولوا إلى دمى وكتاب دواوين في الوزارات والهيئات العمومية والسياسية. هذه هي مشكلتنا!".

ويلفت د/يزلي أنّ الجزائر تشهد في الراهن تحولا ولو ثقيلا، بينما لا يزال الفعل النخبوي بعيدا عن المساهمة في التطور والارتقاء بالمنظومة الاجتماعية وسط طغيان المهرجاناتية واستقالة العقل.

ويشدّد أساتذة علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2 على عامل التربية، حيث يتصور الدكتور "بن مخلوف" إنّ الأسرة الجزائرية تعوِّد أبناءها على الاتكال وعدم الاعتماد على الذات ابتداء من سن مبكرة، وهذا الأسلوب في التنشئة يصاحب الطفل إلى أن يصبح شابا، مما يصعب عليه التعاطي مع متطلبات الحياة. وهذه التراكمات التربوية التي كرستها الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي بصفة عامة، أصبحت عبارة عن مورثات تربوية أنتجت جيلا تخلو منه روح المبادرة والاعتماد على الذات، وشيوع الاتكال والانتظار بدل ذلك، حتى إن طالت المدة إلى عشرات السنين.

ويعتقد "بن مخلوف" أنّ الجزائريين يعانون لونا من "الحرمان" الذي يعتبر سببا ونتيجة في آن واحد، ويضيف أنَ الحرمان يكون حتى في بعض الجوانب التي يمكن إغفالها، كظاهرة العنوسة التي تعاني منها الكثيرات في صمت بسبب الطابع المحافظ للمجتمع الجزائري.

ويقدّر سوسيولوجيون أن ظاهرة "اللامبالاة" إزاء ما يحدث لها خلفيات تاريخية، وأنّ ضعف الهيكلة الاجتماعية هو نتاج تراكمات تاريخية، ثقافية، اقتصادية، سياسية يطول الخوض فيها. تتمثل في حداثة الاستقلال وفترة بناء الدولة ثم العشرية السوداء التي لا تزال تلقي بتبعاتها على نفسية الجزائريين. ويرى "بن مخلوف" انّ الجزائريين منهكون بسبب دوامة المشاكل الاجتماعية، على سبيل السعي الحثيث وراء متطلبات الحياة المتزايدة، والتعقيدات البيروقراطية وما يتبعها من طوابير انتظار، وحتى الازدحام المروري الذي يستهلك اغلب ساعات اليوم.

وتذهب تحليلات إلى كون "سوء التسيير المؤسساتي" هدم عامل الثقة لدى الجزائريين، مما غيّب الإتقان والتفاني في العمل، بالإضافة إلى أنّ الكثير من الجزائريين لا يستشعرون الثقة في أنفسهم بسبب عدم تكافؤ فرص الحصول على الحقوق.

في هذا الصدد، تقول "خولة" أنها تلمس عدم الثقة لدى تلاميذها في الطور المتوسط، إلى درجة أنّ أحدهم وصف إشارة المرور "قف" بأنّ لها قيمة أكثر منه!!، وهو ما يعبر حسب أخصائيين نفسانيين عن سوء تقدير الذات، وهو مؤشر خطير يوصل إلى حد الاكتئاب المزمن خاصة عند شاب في مقتبل العمر.

ويجد بعض الطلبة الجامعيين في أسماء الجزائريين من باحثين وإعلاميين وفنانين ورياضيين الذين سطع نجمهم مع دول أخرى، في حين لم تتح لهم فرصة البروز في الجزائر، دليلا على عدم تكافؤ الفرص، وتعدّ هذه الأمثلة محبطة لكثيرين، مما يشجعهم على عدم بذل جهد في العمل أو عدم البحث عن عمل من أساسه. حيث يقول "هشام" أنّ الجزائري يملك من الإمكانات الكثير إلاّ أنّ الوضع لا يمكِّنه من تفجير طاقاته خاصة إن كان يمارس عملا خارج تخصصه أو لا يتماشى مع طموحاته. ويرى باحثون أن هذا الأمر يقتل الإنتاجيّة ويقضي على روح الإبداع في كل المجالات.

وتشير الخبيرة الاجتماعية "ثريا التيجاني" أنّ التراكمات التاريخية والسياسية والمآسي التي تخبط فيها الجزائريون لعدة عقود، أنتجت خوفا وخللا وكبتا نفسيا، وهو ما يفسر انتشار الأمراض النفسية، وهذا عنصر هدّام للمجتمع، حيث أنّ الفرد الذي يعاني اضطرابات نفسية لا يمكنه المشاركة في ترقية المجتمع، بل أكثر من ذلك فان هؤلاء الأفراد الذين يعتبرون ضحايا لسوء معاملة أو لتنشئة غير سوية، لم تعد حالات شاذة بسبب الأوضاع التي مر بها المجتمع الجزائري، وإنما أصبح هؤلاء يمثلون جماعات لها وزنها، تدخل في إطارها جماعات الأشرار والمخربين والإرهابيين. إلاّ أنهم لا يعبرون صراحة عن اتجاهاتهم بسبب النوايا السيئة التي يضمرونها اتجاه الآخرين، وإن عبّروا فان الأمر يكون بـ "نفاق"!

وتضيف محدثتنا أنّ بعض السلبيات المتوارثة عن الأساليب التربوية والتأثر بالثقافة الغربية المادية أنتجت نزعة فردانية إلى جانب انتشار الحقد والحسد. كما ترى أن وسائل الإعلام الحديثة وخاصة الانترنت أدت إلى انقطاع الاتصال المباشر بين الجزائريين وفتور الحميمية حتى بين أطراف العائلة الواحدة.

ويُجمع مراقبون أن الوضع الحالي يعرف ركودا من حيث التفاعلات الاجتماعية، رغم تجسّد مطالب طرحها الشارع كزيادة الأجور أو تخفيض أسعار بعض المواد الأساسية، لكن اللافت أنّ ما إن تتم معالجة مطالب فئة ما حتى تنسحب بهدوء ولا تعاود الالتفاف مع فئة محرومة أخرى، وهو ما يكرس المذهب الفرداني والبحث عن الخلاص الفردي.

ويصف البعض تلك الحركات الاحتجاجية بمسلسل الأخرس والأصم. باعتبار أنّ أغلبها يفتقر إلى أدنى درجات التنظيم ولم تعبر عن نفسها بالبيانات، في حين أن الأصم هي السلطات التي ترفض الإنصات إلى حركة الشارع. كما يرى محللون أن سياسة التخدير المعتمدة من طرف الحكومة للفئات المحتجة، تركز على عامل الوقت وهو ما يكسبها عنصر التهدئة، إضافة إلى لعب ورقة التخويف ببعبع التسعينات.وان ضجيج المشاريع الإصلاحية لا يرقى إلى تطلعات الشباب.وهنا تقول "أسماء"، طالبة جامعية، أنّ مشاريع دعم وتشغيل الشباب لا تعد سوى متنفسات ضيقة الأفق وغير مدروسة جاءت لإلهاء جيل الشباب عن المطالبة بحقوقهم.

ويسجّل فريق من المراقبين أنّ النظام السياسي لعب دورا في "الحدّ من إمكانات الجزائريين"، على حسب تعبيرهم، ويسوّغون ذلك بما يسمونه "عدم إشراك المواطنين في مختلف القرارات"، وهذا الأسلوب في "فرض" القرارات الداخلية والخارجية وإصدارها في سرية عن المواطنين، لا يعي حجم تأثير ''خسائر الصمت"، والأصح وفق هؤلاء هو إطلاع الرأي العام بحقيقة الرهانات ومخاطر الإنزلاقات التي يمكن أن تحدث، بدل التعتيم الإعلامي الذي يطبع كل الأعمال الحكومية بل الذي يصاحب توقيعات كل المسؤولين الجزائريين وهو ما يفتح المجال أمام التأويلات المختلفة من مختلف الأطراف.

ويخلص خبراء علم الاجتماع أنّ الجزائري بطبعه لا يعاني "بلادة فكرية"، فحتى المواطن البسيط يملك أدق التفاصيل حول الأحداث الوطنية والعالمية غير أن صدى هذه التدخلات لا يصل بسبب قلة قنوات الاتصال كما أنّه يتم بطريقة تقليدية غير مؤسسة وغير علمية.

ويرجع مراقبون "السبات" الاجتماعي الحالي إلى عدم اهتمام الشباب بالعمل الجمعوي المنظم وعزوفهم عن الخوض في القضايا السياسية، وهزال القوى الحزبية، إضافة إلى الاحتكار السائد تحت شعاراتية "الشرعية الثورية".