زهور ونيسي ترصد عوالم "كاليدونيا أو النفي بلا رجعة"
17 تشرين2 2018 305

الصادر حديثا عن منشورات ألفا بدعم من أوندا في دراما تاريخية مشوقة:

زهور ونيسي ترصد عوالم "كاليدونيا أو النفي بلا رجعة"

حكيم مالك

صدر للكاتبة زهور ونيسي  كتاب جديد يحمل عنوان " كاليدونيا أو النفي بلا رجعة ...دراما تاريخية "  الصادر حديثا عن منشورات ألفا بالجزائر حيث طبع هذا الكتاب بدعم من الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة "أوندا " والذي شاركت به في صالون الجزائر الدولي للكتاب سيلا 23  حيث رصدت من خلالها الوزيرة السابقة والمجاهدة مرحلة تاريخية مهمة وهي النفي بلا رجعة إلى كاليدونيا الجديدة في منتصف القرن 19 للمقاومين والمجاهدين الجزائريين و معاناتهم من النفي والغربة والحنين إلى الوطن حيث ترجمت فيها المؤلفة الظلم والاضطهاد الذي كان يمارسه المستعمر الفرنسي ضد هؤلاء الأبطال الجزائريين الذين تم نفيهم إلى كاليدونيا الجديدة.

وصف مرارة النفي من طرف المستعمر الفرنسي

ولقد وصفت  الكاتبة زهور ونيسي مشهد النفي بالقول  رصيف الميناء لم يكن عريضا جدا لكن الباخرة توقفت  فيه جيدا دون صعوبة ، وكأنها متعودة على كل الموانئ الشمس تبدو كأنها تميل نحو الغروب والجو أصبح باردا بغياب الشمس ، يوم كامل على الرصيف وأربعمائة سجين مقيدين ليس سهلا نقلهم إلى مكان آخر بنفس سهولة نقل المسافرين الأحرار إنهم ليسوا مسافرين كل واحد له مكان يقصده ... إنهم سجناء في انتظار نقلهم إلى مكان لا يعرفونه ... وحتى حراسهم يبدون مبهورين بالمكان ، تغمرهم حالة من الخوف والتعب والإرهاق ....ينزلون من سلم الباخرة في حركة ثقيلة ، كانوا مربوطين في أيدي بعضهم البعض كأنهم خراف تساق  إلى الذبح والحراس من العسكر الفرنسي غلاظ شداد يدفعونهم دفعها للنزول .... يسقط بعضهم على الأرض ليركله الحارس القريب منه بحذائه حتى ينهض لكنه لا يستطيع فيقوم بعض رفاقه من السجناء بمساعدته تحت وابل من السب والشتم من طرف الحراس ... وفي الرصيف تجمع ناس كثيرون ، فيهم من يحركه أحد وفيهم من ينتظره الفضول والرغبة في الاطلاع بعضهم ذو بشرة بيضاء كالفرنسيين والبعض الآخر ذو بشرة سمراء من الكاناك السكان الأصليين لكاليدونيا.

الانتفاضة الشعبية للمقراني والشيخ الحداد عام (1870 -1871)

ولقد حاولت المؤلفة من خلال هذا الكتاب القيم والهادف تسليط الضوء على المعاناة التي كان يعيشها الجزائريون في منفاهم بكاليدونيا الجديدة الواقعة في أقصى شرق المحيط الهادي وبالضبط بعد اثنين وعشرين ألف كيلومتر من الجزائر ، موضحة  ونيسي أن الاستعمار الفرنسي قرر كإجراء انتقامي نفي كل من شاركوا في الانتفاضة الشعبية عام (1870 - 1871)  التي قادها الشيخ المقراني رفقة الشيخ الحداد حيث تم نفيهم إلى كاليدونيا الجديدة.

النفي بلا رجعة في منتصف القرن 19 للمقاومين إلى كاليدونيا الجديدة

فيما اعتبرت الكاتبة إن هذا النفي بلا رجعة للمقاومين والمجاهدين  والذي بدأ في منتصف القرن التاسع عشر ، لم يتوقف بل استمر في ثورة الأوراس عام 1916   بل وحتى خلال الحرب العالمية الأولى ، وتستذكر زهور ونيسي الفترة الزمنية لهذا النص والتي تعود إلى سنة 1874  بعد أن مضى على الاحتلال الفرنسي الاستيطاني 44 سنة في أحد الدواوير و الهضاب العليا الجزائرية ، إنها منطقة تابعة لسلطة أحد شيوخ القبائل ، والمتمثل في الشيخ أحمد رئيس القبيلة ، فهذا الأخير يحظى بالاحترام  والتقدير والمحبة من طرف الجميع لحكمته وصرامته وهيبته التي يخشاها الجميع فهو معروف عن دفاعه المستميت عن كرامة أهل قبيلته ، إنه يقود قومه وعشيرته مثلما كان يقودها أبوه وجده من قبل بحكمة وعدل ، ولقد توقفت الكاتبة  عند الأوضاع السائدة آنذاك والتي تتميز بالقساوة الشديدة والتي تزداد شدتها يوما بعد يوم حيث تتعاقب القوانين الزجرية وتزداد المضايقات ليتعاقب الظلم والقمع من طرف الحاكم والمعمر ضد السكان ، فلقد صودرت منهم أخصب الأراضي  وأعطيت للمعمرين الكولون وفرضت عليه الضرائب الجائرة ، المتمثلة في ضريبة على كل رأس ماشية ، وحرموا من حرية المراعي ومنعوا حتى من استغلال أخشاب الغابة لتجبر في النهاية عدة قبائل على الهجرة إلى مناطق أخرى ربما تكون الحياة فيها أقل ظلما، وكل ذلك وغيره من التعسف والظلم .كان في الحقيقة مناورات وسياسة تهدد إلى تمزيق أواصر الأسر والقبائل  والعشائر ، وهذا كله لتشتيت الشعب وكسر قوته ووحدته وتفقيره وإفلاسه وإبادته ، لتضاف إلى كل ذلك قساوة الطبيعة والجفاف لعدة سنوات مما أدى إلى المجاعات والأوبئة الفتاكة ، لقد اغتصب المعمرون أراضي قبيلة الشيخ أحمد وتحت ذرائع ومبررات مختلفة ، و ما هذه القبيلة حسب زهور ونيسي إلا صورة من صور كثيرة حصلت ونتيجة لذلك كان الشعب ينتفض ويثور كل مرة عبر أجيال عديدة لتستمر المقاومات والانتفاضات  وتستشهد الأجيال إلى أن استرجعنا السيادة الوطنية وكرامة وحرية الإنسان ، بعد ثورة تحريرية كبرى دفع الشعب الجزائري خلالها مليون ونصف المليون من الشهداء ، لتضاف إلى الملايين الأخرى من الشهداء عبر قرن وثلث القرن من زمن الاستعمار البغيض.

تحية لسعيد عولمي صاحب فكرة الدراما التاريخية والدكتور الراحل صديق تاوتي

فيما نوهت زهور ونيسي أن  كتابها "كاليدونيا أو النفي بلا رجعة  الصادر حديثا عن منشورات ألفا بدعم من "أوندا" كان الفضل الأول بالاهتمام بهذه الحقيقة التاريخية  الإنسانية يرجع أولا وقبل كل شيء إلى الراحل الدكتور صديق تاوتي ، في كتابه المهم الذي يحمل عنوان مأساة هوية منفية  والصادر في شهر سبتمبر عام 2000 عن دار الأمة بعد صدوره قبل ذلك باللغة الأجنبية ، مشيرة ونيسي أن الفضل الثاني لكتابة كتابها عن كاليدونيا الجديدة  يرجع للمخرج التلفزيوني سعيد عولمي والذي قام بتحقيق حي حول هذا الموضوع الهام والذي قام بإجراء مقابلات ميدانية مع أحفاد هؤلاء المجاهدين المنفيين ، مؤكدة ذات المتحدثة أن فكرة  كتابة وإعداد هذا النص حول هذا الموضوع التاريخي الهام كانت للأستاذ سعيد عولمي والمنتجة فتيحة بلحاج لتشاركهما فيما بعد ونيسي بطلب منهما ، بوضع هذه الفكرة موضع التنفيذ بكتابة هذه الدراما التاريخية.

مشروع سينمائي يترجم ظلم المستعمر ومعاناة النفي والغربة والحنين إلى الوطن

وفي ذات السياق أكدت المجاهدة زهور ونيسي أن هذا النص كتب خصيصا كمشروع لعمل سينمائي حيث أخذت فيه كل الاعتبارات المطلوبة لهذا النوع من الأعمال الإبداعية من تغطية وصفية دقيقة وتصوير للأشخاص والمكان والزمان والوقائع بشكل عام، بما في ذلك التداعيات الزمنية التي عاشها المنفيون والمحيطون بهم من خلال واقعهم الزمني والعودة بأخيلتهم إلى ماضيهم هروبا من حاضرهم يعيشونه أحلاما وكوابيس شعورا بالظلم والاضطهاد أو حيننا واشتياقا للأهل والوطن أو شعورا مريرا بالنفي والغربة وبالتالي فهذا النص في الحقيقة ليس سفرا في الخيال بل هو سفر إلى الماضي على حد قولها فهو سفر في واقع هذا الماضي  والذي لك يحظ منا بقراءة متروية ومتأهلة وباحثة ، مضيفة أنه لقد كان حلم المخرج سعيد عولمي كبيرا أن يجعل من هذا النص فيلم عمره ، كما قال وهو المتخصص في هذا المجال لكن الظروف لم تكن مواتية له لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها ، وربما تحسنت الظروف في يوم ما ، ليتحقق هذا الحلم الكبير ليس لسعيد عولمي لوحده ولكن لكل جزائري وطني اهتم بتاريخ هذا الوطن وتضحيات شعبه.

إهداء للشهيد عبر الأجيال

ولقد أهدت الأديبة والوزيرة السابقة والمجاهدة ونيسي هذا الكتاب إلى الشهيد عبر الأجيال قائلة اغفر لنا جهلنا بالتاريخ ولا تلمنا كثيرا، لقد نهب الاستعمار منا كل شيء حتى التاريخ ...وما هذه الجريمة المأساة إلا جزء ضئيل مما عاناه شعبنا من ويلات المستعمر الفرنسي البغيض عام 1874، مؤكدة المؤلفة أنها رصدت من خلال هذا الكتاب الدراما التاريخية للذكرى والتاريخ.

الكاتبة زهور ونيسي في سطور ...

و للكاتبة زهور ونيسي العديد من الأعمال الإبداعية والمتمثلة في  مجموعة قصصية "الرصيف النائم" سنة 1967 بالقاهرة بمصر ، ومجموعة قصصية أخرى على الشاطئ الآخر سنة 1974 بالجزائر، ورواية "من يوميات مدرسة حرة "سنة 1978 بالجزائر، ولها مجموعة قصصية "الظلال الممتدة "التي صدرت سنة 1982 بالجزائر ، ورواية "لونجة والغول "  التي صدرت سنة 1994 بدمشق بسوريا و اختير هذا العمل الروائي من أحسن 100 رواية عربية في القرن العشرين، ولها مجموعة قصصية بعنوان "عجائز القمر" صدرت في 1996 بالجزائر ولها مجموعة قصصية أخرى تحت عنوان " روسيكادا" ، 1999 بالجزائر ، وصدرت لها "نقاط مضيئة "مقالات في الأدب والسياسة والمجتمع سنة 1999 بالجزائر ،  ومسرحية "دعاء الحمام " التي عرضت على خشبة المسارح ، 2005 ، ورواية "جسر للبوح وآخر الحنين " 2007 بالجزائر عاصمة الثقافة العربية ،و مجموعة قصصية "الساكنة الجديدة " الصادرة عن منشورات ألفا سنة 2010 بالجزائر، ويوميات" بين الزهور والأشواك " الصادرة عن دار القصبة سنة 2012 بالجزائر و"عبد الحميد بن باديس ونهضة أمة "عن منشورات ألفا سنة 2015 بالجزائر  ورواية" تغريدة المساء" الصادرة عن المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار "أناب" بالجزائر ، كما حولت بعض أعمالها إلى إبداعات إذاعية وتلفزيونية وسينمائية منها مسلسل" فاطمة " في إذاعة "صوت العرب" عام 1967 ومسلسل عبد الحميد بن باديس سنة 2017 .

حكيم مالك

اقرأ أيضا..