"سدنة الاغتراب".. صداقة جوهرها الثقافة
02 أيار 2018 204

للكاتبة غادة اليوسف

"سدنة الاغتراب".. صداقة جوهرها الثقافة

يُوثّق كتاب «سدنة الاغتراب.. رسائل يوسف سامي اليوسف- غادة اليوسف» الذي أعدته الأديبة السوريّة غادة اليوسف لـ«53 رسالة وجوابها» بينها وبين الأديب الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، ابتدأت بتاريخ 15-6-2006 .

وانتهت بتاريخ التاسع من أبريل 2011. تعكس هذه الرسائل علاقة إنسانيّة مليئة بالمحبة الصادقة، والوفاء النادر، ومفعمة بالوجدانيات الشخصيّة والوطنيّة.

ومعجونة بنبض حياة وأحداث عاشتها سوريا والوطن العربي، خلال الفترة التي كُتبت فيها. علاقة نشأت بين امرأة سوريّة تُقيم في مدينة حمص، ورجل فلسطيني كان يُقيم في دمشق، وقد رحل في العام 2013 تاركاً خلفه آثاره النفيسة في الفكر والأدب والفن والفلسفة والنقد الأدبي.

تقول الأديبة اليوسف: إن الرسائل بينها وبين الأديب اليوسف، اضمحلت في السنوات الأخيرة، بسبب ما ألمَّ بسوريا من أزمة عصفت بالبلاد، وأدخلت السوري، وبضمنه السوري الفلسطيني، في أتونها. أما ما دفعها لجمع هذه الرسائل ونشرها، فهو شعورها (عقب رحيل الأديب يوسف) بوخزة في الروح، وغصّة في الوجدان، وهي ترى إلى عينيه الحزينتين تقولان ما قاله دائماً: «كل شيء أخلّ بواجبه تجاه روحي». وتَتساءل: ماذا فعلتِ بالرسائل يا غادة؟ هل رميتها؟!

بتأثير من هذا الشعور الذي انتابها، هرعت معدِّة الكتاب إلى أدراجها وما ألمَّ بها من فوضى اللحظة المجنونة، وراحت تقرأها، وقد تداخلت تواريخها، وفقدت بعضاً منها في تلك الفوضى. رتبتها بتسلسلها الزمني، وكانت الوفيّة لأداء الأمانة، وها هي تُرحّلها عن الورق إلى صفحات الكتاب بكل صدق. وتتساءل: لماذا تجمع هذه الرسائل في كتاب؟

وما قيمة هذه الرسائل المتبادلة بين مَن التقيا منذ سنين لمرات قليلة ثم نأى بهما المكان والزمان؟ تساؤل تترك الأديبة غادة الجواب عنه لما تكتنزه هذه الرسائل بين سطورها من قيمة فكريّة وأدبيّة، ورؤى تُعبّر بكل صدق وشفافية، عما كان يمور ويضطرم في وجدان يوسف سامي اليوسف في سنوات عمره الأخيرة.

وهو يكابد اعتلال الجسد، وغربة الروح، وعزلة الناس، وجحود الجاحدين، والحنين الذي ما فارقه يوماً إلى غائب حميم يعز حضوره، وإلى حسرة ما ابتردت لحظة واحدة، منذ خروجه طفلاً مشرداً عن بلدته «لوبيا» الفلسطينيّة عام 1948، إلى لحظة وفاته مشرداً حتى عن مخيم "اليرموك".

يقول الأديب يوسف في رسالته الأولى للأديبة غادة: أي انسجام عبقري هذا أيتها الفاضلة، أن تصلني كتبك، وأستمتع بقراءتها أيّما استمتاع، وأنا المنتعش ببدر قاسيون. لعلك تعرفين أنني في كل ليلة يكون فيها البدر مكتملاً، أذهب إلى أعالي قاسيون لأغسل روحي بضوء تلك البرهة النورانيّة الباذخة. في جوابها على هذه الرسالة تقول الأديبة غادة: قرأت كتابك "تلك الأيام".

قرأته بروحي وعقلي. لوهلة أُصبت بالهلع إذ ظننت أن اعتياد المصيبة قد يُغيّب الحق، خصوصاً حين أرى الشهود الذين انعجنت أيامهم بأوجاع المأساة يغادرون تباعاً، حاملين معهم ذاكرتهم، يطوون في وجدانهم المقهور صفحة من أسود صفحات التاريخ، مشيرة إلى ضرورة قيام مشروع (استنهاض) تذكّري، إحيائي، تسجيلي (توثيقي) لشهادة من شهود (تلك الأيام).

ولا غضاضة في تسجيلها، كما تتدفق على ألسنة أصحابها، وهي تلاحق الذاكرة في عفويّة انسكابها دون رتوش، أو تقنية تمليها ضرورة الفن، كي تبقى كما استبطنها حاملوها، وكما نضجت من عيونهم، فلعلّها تكون أفصح وأبلغ وأكثر حرارة وحياة.

وكالات

اقرأ أيضا..