بسكرة.. شذرات من التاريخ العريق لزوايا منطقة الزيبان
03 نيسان 2018 311

بسكرة

بسكرة.. شذرات من التاريخ العريق لزوايا منطقة الزيبان

آمنة سماتي

يعد إقليم الزيبان أرضا خصبة للحضارات من توافد وتخالف الشعوب عليها مذ قبل التاريخ، إذ وجد فيه الإنسان قبل التاريخ بتقدير 3000 سنة قبل الميلاد حسب النقوش الموجود في حدوده من كهوف وسفوح وديانها، وعلى قدم هذه المدينة وحضارتها، مثلت كذا مهدا أولا في التاريخ الإسلامي، اذ احتضنت اول مسجد في الجزائر ان لم نقل في الشمال الإفريقي بعد مسجد القيروان، الا وهو مسجد الفتاح عقبة بن نافع الفهري، وغيرها من المساجد والزوايا التي امتد تاريخها الى بعيد من الماضي التليد، من بينها الزاوية القادرية بطولقة، و المختارية بأولاد جلال، و مسجد خالد بن سنان العبسي بسيدي خالد، و على هذا اخترنا أن نفتح ملف زوايا الزيبان، لنتعرف على كل صرح إسلامي من هذه الصروح على حدى، من تاريخ انشائه الى ما مر عليه من أئمة و طلبة و من كانت محطة أساسية في مسيرتهم العلمية و العملية، و نبتدئ اليوم بمسجد الفاتح عقبة بن نافع الفهري.

مسجد عقبة بن نافع الفهري ...الفتاح رمز المدينة

مدينة "سيدي عقبة" إحدى مدن بلاد الزاب وتنسب إلى الفتاح العظيم عقبة بن نافع الفهري، واحة غناء زادها غنى وجود مسجد وضريح عقبة بن نافع ما جعلها قطبا سياحيا دينيا بامتياز يتوافد إليه الناس من كل صوب وحدب، و تقع هذه المدينة على بعد 18كلم جنوب شرق مدينة بسكرة، حيث يمر عليها الطريق الوطني رقم 38 على الجهة الشرقية، ذكره الكثير من الرحالة من بينهم العياشي، ابن خلدون و غيرهم ، غير ذاكرين تاريخ تأسيسه الذي يبقى غير مؤكد بسبب الإصلاحات التي تعرض لها في فترات متعاقبة، و من بين ما جاء في ادب الرحلات عنه"... وغالب من دخل المسجد من الحجاج يكتب خطه على أساطير المسجد و حيطانه..." و كذلك "... ثم دخلنا لزيارته مع قلة وافرة من أصحابنا ...و قبره بالبسيط الذي تحت جبل أوراس، الذي قتل به، و هو مشهور يزار و عليه مسجد عجيب و حوله قرية عجيبة في وسط هذا البسيط، و في مسجده مئذنة كبيرة عظيمة متقنة البناء و في أعلاها عمود..." و قد ذكر الرحالة ابن خلدون خبر قتال عقبة بن نافع مع الكاهنة التي بجبل أوراس و مقول قوله:"...وهناك دفن الأمير عقبة بن نافع رضي الله عنه ..." و يرجع عبد العزيز شهبي تاريخ بناء المسجد ما بين القضاء على مملكة الكاهنة سنة 81هـ الموافق ل701م و ظهور الدولة الإغليبية سنة 182هــ الموافق للسنة 800م.

صرح ديني علمي

وكما سبق وأشرنا تعرض هذا الصرح الديني العلمي الى إصلاحات عدة افقدته معالمه الاصلية وذلك بداية من القرن الرابع الهجري الموافق للعاشر ميلادي، ويصعب علينا ذكر كل هذه الإصلاحات تفصيليا،وسنشير لغالبها وأهمها، وأولها تحت حكم الأمير الزيري المعز بن باديس (406-454هــ/1016م-1062م) تعرض الجامع للإصلاح والترميم، حيث تم استخدام شريط كتابي جاء (هذا قبر عقبة بن نافع الفهري) ومن الأعمال الزيرية كذلك وضع باب وزخرفته. وتوالت  الإصلاحات بالجامع بعد ذلك، و في الفترة العثمانية تم إصلاح الجامع على يد "محمد بن عمر التونسي" و يؤكد ذلك وجود نص كتابي داخل المحراب جاء فيها "... بنا المسجد العظيم محمد بن عمر التونسي..." و ذلك عام 1214هـ إضافة على وجود غرفة الضريح بجانب الباب في الجهة اليمنى منه، جاء فيه"...يا واحد يا أحد اغفر لعبدك اسمه محمد عبد الكبير التنسي اغفر لكاتبه أحمد بن الحاج بن التواتي..." و يقول امام الجامع السيد "علي زبير" نقلا عن "زهير الزاهري" انه أجريت الترميمات بالجامع و المئذنة سنة1160هــ الموافق ل1747م، وقد تم توسيع بيت الصلاة كما جدد الضريح سنة 1215هــ الموافق لـ1801م.

خصائص معمارية

للجامع شكل غير منتظم، إذ بلغ طول ضلعه 60 متر اما عرضه فـ 37 مترا، و هو يتكون من بيت الصلاة تتوسط المبنى و تحيط به أروقة من الجهات الثلاث، الشمالية و الشرقية و الغربية، و يتقدم الجامع بيت وضوء و عدد من الغرف الملحقة به و ندخل الجامع من الباب الرئيسي الموجود بالناحية الجنوبية، عرضه 12 مترا، وتنقسم إلى أربعة مداخل صغيرة يفصل بينها ثلاث دعامات تحمل في أعلاها عقودا نصف دائرية الشكل، أما عرضه فــ 22 مترا و يحتوي على سبع بلاطات عمودية على جدار المحراب تجتازها سبعة اساكيب موازية له و يبلغ عرض البلاطة الواحدة 2.40مترا. هذا و نجد اختفاء الصحن في جامع سيدي عقبة حيث تم تعويضه برواق من الناحية الشمالية و الشرقية، أما الرواق الشمالي فهو عبارة عن مضلع غير منتظم طوله 25.50مترا و عرضه يتراوح بين 8.50مترا و 12.50مترا، و قد حوى الجامع العديد من الملحقات كلها مستحدثة عدا غرفة الضريح التي سبق تأسيسها الجامع و هي تشغل مساحة مقدرة بـ 25 متر مربع حيث يبلغ طول كل ضلع 5 متر مربع و تعلوها قبة بسيطة و فتح بجدارها الجنوبي باب عرضه 3متر يصل بيت الصلاة، مع وجود تسع غرف أخرى أهمها غرفتين على يسار المحراب و الثانية بالركن الأيمن للجدار الجنوبي و غرفة رابعة بجدار الضريح إضافة الى الميضأة التي تتقدم الجامع من الناحية الجنوبية وهي غير منتظمة الشكل يتوسطها بئر، و تعتبر مئذنة جامع سيدي عقبة من بين أقدم المآذن في شمال أفريقيا، ورغم ذلك حافظت على تماسكها وصلابتها وقد ذكرها الورتلاني واصفا إياها "...و في مسجده مئذنة كبيرة عظيمة متقنة البناء في أعلاها عمود يزعم الحجاج أن من تمسك بذلك العمود و حركه و قال أقسمت عليك ايتها المئذنة بحق سيدي عقبة إلا ما تحركت فتهتز..."، وتقع المئذنة في الركن الشمالي الشرقي لبيت الصلاة، وهي تنتمى الى نمط المآذن الهرمية ذات القاعدة المربعة، و يبلغ ارتفاعها حوالي 16 مترا و تمتاز بالتراجع الى 3.50مترا عند القبة، و تتخلله شرفات، و يعلوه جوسق اسطواني ارتفاعه 2 متر، يعلوها جمور نحاسي، و جاءت شبيهة بمئذنة جامع قلعة بني حماد التي تتكون هي الأخرى من طابق واحد، و لواجهات المئذنة زخارف بسيطة ومتنوعة على طول واجهاتها، و يدخل للمئذنة من بيت الصلاة بواسطة مدخل من الجهة الشرقية و عرضه 0.90متر، و ارتفاعه 1.80متر، و لا ننسى ذكر الباب التذكاري الذي كان موجودا بالمدخل الثالث لبيت الصلاة، و عند إصلاح الجامع وإعادة ترميمه تحول الى الزاوية الغربية لبيت الصلاة.

تذكير

و قد ذكر الأستاذ فوزي مصمودي الباحث في التاريخ في مقال سابق له أن عقبة بن نافع في إحدى خرجات جيشه، و يصح القول في آخرها، بعد عودته من فتح المغرب الأقصى و في طريقه وصل إلى مدينة طبنه نواحي بريكة حاليا أمر جيشه بالتوجه صوب عاصمته القيروان ولم يبقى معه سوى حوالي 300 جندي و أثناء ذلك تمكن كسيلة من الفرار من الجيش و جمع جموعا غفيرة من قومه و من فلول الروم، و ترصدوا لعقبة بن نافع و جيشه، و خرجوا عليه نواحي تهودة التي تبعد 7كلم عن مدينة سيدي عقبة حاليا، و كانت تشتهر بحصنها البيزنطي الذي مازالت إطلاله إلى اليوم، و دارت معركة ضارية بين الفريقين و صمد المسلمون من الصحابة و التابعين، لكن الجيش الجرار بقيادة كسيلة تمكن من ابادتهم بما فيهم عقبة بن نافع و أبي المهاجر دينار باستثناء اثنين من الاسرة اللذان افتداهما حاكم قفصة، وقد روي أن قبل المعركة أطلق عقبة بنافع سراح أبي المهاجر دينار قائلا له تولى أمر المسلمين من بعدي في القيروان و أنا اظفر بالشهادة، فرد عليه أبو المهاجر دينار أن ظفر الشهادة لكلينا و لنا من بعدنا مسلمون أشداء يقوون على أمر الفتح من بعدنا. فكانت لهما الشهادة سويا.

آمنة سماتي

اقرأ أيضا..