المسرحي التونسي الصاعد، فارس العفيف
المسرحي التونسي الصاعد، فارس العفيف صورة: ح.م
03 شباط 2017 654

أصغر محافظ مهرجان تونسي

فارس العفيف: "قدر تونس والجزائر تحقيق التكامل الثقافي"

حوار: حكيم مالك

يعد التونسي فارس العفيف أحد الوجوه المسرحية التونسية الشابة، رغم أنه من مواليد عام 1993، ولايزال يزاول دراسته في "المعهد العالي للمسرح في تونس"، إلا أن كونه مسكونا بروح المبادرة، مكّنه من أن يضع اسمه ضمن النخبة المسرحية الجديدة في المشهد التونسي "فمن ناحية التمثيل نجد في رصيده عدة جوائز منها "جائزة أحسن ممثل" في مهرجان تطوان للسينما، ومن ناحية الإخراج له  ثلاث تجارب إخراجية، منها مسرحية "كناسة الناس"، ومن ناحية النشاط الثقافي، يشرف حاليا  على مهرجان "مدرستي فنانة"، ليكون أصغر محافظ مهرجان ثقافي في الجمهورية التونسية ورئيس جمعية تميم للمسرح، فهو يحمل مشروع ثقافي جاد يعطي نفسا جديدا لأبو الفنون الذي يوحد رسالة الشعوب على الخشبة ليكون الإبداع سيد الجميع.

كما أن هذا الشاب المبدع  له عدة أعمال سينمائية لعب فيها دور البطولة في فيلم "معتوق" للمخرج حسيب الجويدي المتحصل على العديد من الجوائز الوطنية والدولية، وهذا إلى جانب مشاركته في فيلم "صالح" للمخرج أحمد الشعيبي، وجسد أيضا دور البطولة في فيلم "ديجا فو" للمخرج هدر صاف حسني، قدم العفيف إلى الجزائر حاملا مشروعا  شبيه لـ"مدرستي فنانة" ليتم من خلالها توقيع اتفاق مع جمعية النوارس للمسرح والفنون الدرامية لولاية لبليدة، بغرض تقديم عروضها المسرحية في الجزائر وتونس لتكون توأمة وعمل مشترك بين البلدين الشقيقين الذي يجمعهما التاريخ الواحد في ساقية سيدي يوسف،.

يومية "الوسط" التقت بهذا الفنان في الجزائر العاصمة وكان لها معه هذا الحوار الذي كشف فيه الضيف عن العديد من الأمور الهامة والمهمة مسلطا الضوء  فيها بالحديث عن مسيرته مع المسرح والثقافة عموما، لذا نترك قرائنا الأعزاء يكتشفون  تفاصيله في هذا الحوار مع هذه  الشخصية الواعدة والمتألقة التي تتحلى بالإرادة القوية والمؤمنة دوما بالنجاح

هل توافق على أن روح المبادرة هي سبب نجاح الفنان؟

النجاح الفني هو ثمرة طبيعية لعدة عوامل، منها ما يتعلق بالفنان نفسه، ومنها ما يتعلق بالمحيط الذي يشتغل فيه ومعه، وتبقى روح المبادرة واحدة من أهم العوامل الدافعة للنجاح. ماذا نستفيد من الفن إذا لم يطهرنا من اليأس والكسل والتواكل والتشاؤم ويبرمجنا على عكس هذه القيم؟ قبل أن أطالب الفن والوطن بأن يمنحاني ما أريد، علي أن أعطي لهما ما أستطيع، وهذه هي الفلسفة التي انطلقت منها لإطلاق مشروع "مدرستي فنانة " والذي أقيمت طبعته الأولى في تونس في 06 و07 جانفي الماضي  حيث حمل شعار "دور مسرح العرائس في الوسط المدرسي " وكانت متواجدة فيه عروض وورشات ومعارض. 

  

حدثنا عن هذا المشروع؟

 

بعد مشاركتي في أيام قرطاج المسرحية، وقيامي بعشرين عرضا لمسرحية "القناع والحياة" للأستاذ محيي الدين بن عبد الله في المدارس الابتدائية عام 2016، لاحظت تعطشا عميقا لدى التلميذ التونسي للفن المسرحي، ففكرت في إطلاق مشروع يستوعب هذا التعطش ويستثمر إيجابيا فيه، فكان مهرجان "مدرستي فنانة" مع مطلع هذا العام.

عرضت المشروع على إدارة مدرسة "النخبة التونسية"، فتبنته مباشرة، بالموازاة مع تبنيه من طرف الأولياء والمحيط التربوي. كان تفكيرنا في المعرفة والجمال، قبل تفكيرنا في المال، وهي النزعة التي دفعت الأسماء الفنية التي دعوناها إلى الاستجابة، من غير أي شروط، محبة للمسعى وانخراطا فيه، لا تطوّعا وتنازلا. قدم المهرجان سبعة عروض مسرحية تونسية محترفة وعرضا أردنيا، بالإضافة إلى ستّ ورشات تكوينية، بعضها للأولياء وبعضها للمعلمين وبعضها للتلاميذ، منها ورشة "الصوت في الجسد" لرانية الجديدي، و"ورشة المسرح التفاعلي" لسوزان أبو علي من لبنان، وورشة "مسرحة الأقصوصة"لهدىاللموشي، بالإضافة إلى ثلاثة معارض، منها معرض الأقنعة لمحي الدين بن عبد الله  

كيف تفاعل معكم الناس؟

يكفي دليلا على انخراطهم في المسعى وبالتالي  فالسيارات التي استعنا بها طيلة أيام المهرجان، كانت سيارات أولياء التلاميذ، كما أن بيوت الكثيرين كانت مفتوحة للضيوف والإعلاميين، منهم الفنان اللبناني روني فتوش.

يعني أنه كان مهرجانا بأقل التكاليف؟

سأكون صريحا معك، لم تتجاوز تكاليف المهرجان 1500 أورو، لقد حان الوقت لأن ندخل مرحلة تصبح فيها أهمية نشاطاتنا مستمدة من ثمارها الفنية والجمالية والتربوية والذوقية، لا من ضخامة الأموال التي تستهلكها من الخزينة العامة. سواء في تونس أو في الجزائر، على الجيل الجديد ألا ينتظر الحكومة لينشط ويخطط ويبادر. نملك الحق في الدعم الحكومي، لكن علينا أن نتفتح أيضا على المجتمع المدني ونورطه هو الآخر في همومنا وأحلامنا ومشاريعنا الثقافية. 

هل هذا ما دفعك إلى أن تزور الجزائر وتوقع توأمة مع جمعية النوارس؟

أنا شابّ تونسي، أقيم على بعد ساعة بالطائرة من الجزائر، وكبرت على لقاء الجزائريين في بلدي، وسماع أخبار بطولاتهم عبر التاريخ، وأدرك عميقا البعد الحضاري والسياسي لهذا البلد ولهذا الشعب، وذلك كله يجعل أن أزورهما حلما جميلا رافقني منذ طفولتي، ولطالما راودني هذا السؤال: لماذا لا توجد تبادلات ثقافية وفنية ومسرحية وأدبية بين البلدين، بحجم العلاقة التاريخية بينهما؟ لماذا لم نحوّل ساقية سيدي يوسف إلى سوق ثقافية مشتركة، هي التي اختلطت فيها دماؤنا، عوض أن تلتقي كمشة من الرسميين، فتقف وقفة باردة ترحما على أرواح الشهداء، ثم سرعان ما ينفضّ الجمع من غير أن يترك أثرا.

من هنا، كانت التوأمة مع طرف جزائري جاد، ضرورة ثقافية، فكان أن تبنت المشروع "جمعية النوارس للمسرح والفنون الدرامية"، من ولاية البليدة، وهي واحدة من الجمعيات التي تقدم مسرحا راقيا وتراهن على الوجوه الجديدة الواعية لمثل هذه الأبعاد الحضارية.

ماذا تعني هذه التوأمة لفارس العفيف؟

ستعمل الجمعية الشريكة على بعث مشروع شبيه لـ"مدرستي فنانة" في الجزائر، كما سنوفر الظروف المناسبة لأن تقدم عروضها المسرحية في المشهد التونسي، والعكس صحيح، كما سنرتب ورشات تكوينية مشتركة، وتهيئة الظروف لاستقبال المسرحيين الشباب من البلدين. هنا دعني أوجه الدعوة لجمعيات مسرحية أخرى من البلدين، إلى خوض التجربة التي لا شك في أنها ستثمر في القريب العاجل، ما يعزّز وحدتنا الثقافية والفنية.

كيف وجدت المسرح الجزائري؟

كل تقييم عميق يقتضي إلماما عميقا بكل معطيات المشهد، وهذا ليس متاحا لي الآن، أصلا جئت على حسابي الخاص لأمنح لنفسي فرصة معرفة المسرح والمسرحيين في الجمهورية الجزائرية، وكل من التقيتهم، مثل المبدعين زياني شريف عياد وأحمد مداح ومحمد عباس إسلام وحيدر بن حسين وكمال بن ديمراد وعبد الرزاق بوكبة وأكرم جغيم وحكيم دكار وإبراهيم نوال وأحمد رزاق ومحفوظ الهاني  ومحمد زامي ، لفتوا انتباهي إلى تعدد الخطابات الجمالية وغناها، وأنا مستعد، مع أصدقاء وشركاء كثيرين، لأن أهيئ الظروف لانتقال هذا الثراء المسرحي الجزائري إلى بلدي، خارج المهرجانات والمناسبات الموسمية. كما أن دعوة جمعية نوافذ ثقافية لي لأن أشرف على ورشة تكوينية في إيقاع الصوت والجسد، مكنتني من التقاء شباب شغوفين بالمسرح ويملكون رغبة فعلية في أن يرتقوا في هذا الفن، وهذا معطى مهم كثيرا.

وكيف وجدت الجزائر؟ 

أعلم أن الجزائر قارة وليست مجرد بلد صغير، وأنا لم أزر إلا العاصمة، بل بعض العاصمة، هذا يعني أنني مطالب بزيارة أماكن كثيرة حتى أكوّن حكما منصفا لجمال هذا البلد وهذا الشعب، غير أن ما رأيته وسمعته لحد الآن بهرني وجعلني أحس بأنني غير بعيد عن بلدي، نحن نتشابه كثيرا يا صديقي، ومن أروع أخلاق الجزائريين أنهم واضحون، فهم إما يحبونك مباشرة وإما يتحفظون منك مباشرة، لا ينافقون، وهذا سلوك جميل، كما أنكم تملكون إمكانيات سياحية رهيبة، وأنا حائر من عدم التفاتكم إليها.

ماذا عن النشاط الثقافي في تونس؟

حقق التونسيون تراكما و تجارب رائعة في الاحتكاك بالآخر، حضاريا وسياسيا وسياحيا، في ظل منظومة تربوية مارست التفتح مبكرا، وهذه المعطيات جعلت منهم يعتبرون الثقافة حقا من الحقوق وليست مجرد فسحة في أوقات الفراغ. التونسي يدفع ما قيمته 700 دينار جزائري ليشاهد عرضا مسرحا مثلا، يبقى فقط على المبدع التونسي الجديد أن يبذل جهودا أكبر ليقنع الشارع به أكثر.

احتضنت الجزائر مؤخرا فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح فما رأيك كمسرحي في هذا المهرجان تحديدا؟

ما تقدمه إمارة الشارقة للمسرح العربي، من خلال هيئاتها المختلفة منها الهيئة العربية للمسرح مثير للدهشة وجدير بالشكر والتثمين، فبفضلها صار للمسرحيين على اختلاف أجيالهم جوائز ومهرجانات وورشات وملتقيات ومخابر ومجلات مسرحية محترمة. وقد أتيح لي العام الفائت أن أزور الشارقة، في إطار مهرجان مسرح الدمى ووقفت على إنجازات مسرحية مهمة تخضع لرؤية متكاملة.

كلمة أخيرة؟

كنت أسمع عن العمق المشترك بين الجزائريين والتوانسة، وقد وقفت عليه بنفسي هذه المرة. وسأعمل أنا وأصدقائي في تونس، على تحويل هذا العمق المشترك، إلى شراكات ثقافية حقيقية. لست أجاملكم أيها الجزائريون، أنتم جديرون بالإعجاب والاحترام.

موعد مع العفيف

يستضيف فضاء صدى الأقلام التابع لمؤسسة فنون وثقافة الفنان فارس العفيف في جلسة مفتوحة يتم خلالها توقيع التوأمة مع جمعية النوارس للمسرح، اليوم السبت 4 فيفري في ميدياتيك بشير منتوري بساحة أودان، الجزائر العاصمة، على الساعة الثانية زوالا.              

اقرأ أيضا..