الكاتب الفرنسي ايدوي بلينال
الكاتب الفرنسي ايدوي بلينال ص: أرشيف
18 تشرين2 2017 499

غطت على الدور الفرنسي في لبنان

"شارلي ايبدو" تذكي فتنة ايديولوجية جديدة بين يسار فرنسا ويمينها

متابعة: بوعلام رمضاني/ باريس

ليست زيارة رفيق الحريري المرتقبة إلى باريس ( بعد استقالته في الرياض وليس في بيروت احتجاجا على التدخل الإيراني في لبنان كما قال ) هي التي ستؤثر إعلاميا على مجرى الحرب الإيديولوجية غير المسبوقة التي نشبت منذ أسبوع بين الكاتب والإعلامي الشهير إيدوي بلينال مؤسس موقع ميديابار ومدير تحرير لوموند سابقا وبين الرسام ريس مدير تحرير صحيفة "شارلي ايبدو" الكاريكاتيرية الشهيرة.


لحظة كتابتي هذه السطور، هدأت الحرب قليلا بسبب سعي فرنسا لحماية ومساندة رفيق الحريري الوزير اللبناني الأول الذي تأكد أخيرا انه لا يحكم وان حياته أصبحت في خطر كما قال. وانه من المحتمل أن يلقى نفس مصير والده الذي اغتيل في عملية هزت العالم وليس بيروت فقط وأبكت جاك شيراك عام  2005 بعد أن فقد صديقه الحميمي رفيق الحريري.

ويعود تاريخ نشوب الحرب الإعلامية الإيديولوجية بين الكاتب بلينال التروتسكي السابق واليساري المحسوب على ما يسمى في الإعلام الفرنسي "باليسار الإسلامي وصاحب كتاب "من أجل المسلمين" إلى الثامن نوفمبر تاريخ نشر صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة رسما كاريكاتوريا في الصفحة الأولى يمثل المفكر طارق رمضان في وضعية جنسية معززة بتعليق"هذا الركن السادس في الإسلام" في إشارة إلى عضوه الخارج من سرواله في شكل عصا غليظة!.

ايدوي بلينال ندد بالرسم وبافتتاحية مدير تحرير الصحيفة الفرنسية الساخرة التي تقول أن هذا النوع من الرسم ليس قدحا في الإسلام كدين ولكنه يمثل حرية تعبير يضمنها دستور الجمهورية العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة. والإسلام ليس دينا فوق الأديان الأخرى التي تعرضت لسخرية الصحيفة منذ نشأتها وهي الصحيفة التي هزت بدورها فرنسا والعالم اثر تعرضها لهجوم إرهابي في 7 جانفي 2015 والذي تستعد فرنسا لا حياء ذكراه بكل أنواع ترسانتها الإعلامية الثقيلة والخفيفة.

بلينال الذي انفرد من (بين المثقفين النادرين الذين يرفضون الخلط بين أقلية شبانية متطرفة ،و"جهادية" وبين أغلبية مسلمة مسالمة )، لم يتحمل انزلاقا لصحيفة الساخرة باسم حرية التعبير ورأى في تهجمها العنيف والسريع على المفكر طارق رمضان دليلا يؤكد خطورة تيهان يسار أصبح حليفا موضوعيا لليمين المتطرف الذي يتاجر إيديولوجيا بخطر الإسلام والمهاجرين بوجه عام  على حد تعبيره.

ومما زاد من غيض واستياء بلينال تقديم  المفكر المصري الأصل(الذي يذكر دوما في الإعلام الفرنسي بانه أحد أحفاد حسن البنا )، كمهوس جنسي اثر اتهامه باعتداءات على طالبات، علما ان البراءة المفترضة مازالت قائمة في ظل عدم ادانته قضائيا بصفة نهائية.

واتخذت الحرب الإعلامية والإيديولوجية المرشحة للاستفحال في قادم الأيام القليلة منعرجا اخطر بخروج مانويل فالس، وزير الداخلية والوزير الأول السابق عن صمته منذ هزيمته النكراء في الانتخابات الرئاسية بتدخله التلفزيوني القوي والعنيف ضد الكاتب بلينال حينما حل ضيفا على الصحفي الشهير جان جاك بوردان عبر قناة "بي أف أم تيفي" التي تعادل من منظور نسبة المشاهدة قناة النهار عندنا استنادا لأقوال مديرها! .

فالز الذي عرف بخطابه الإيديولوجي المرادف للاسلاموفوببا في نظر بلينال لم يدخر جهدا في التنديد بالكاتب الذي قال: أن موقفه من صحيفة شارلي إيبدو يمثل تزكية للإرهاب الأمر الذي يجب قطع دابره وهو نفس المنحى الذي اتخذه موقف ريس مدير تحرير صحيفة شارلي إيبدو بقوله أن وصف بلينال الصحيفة بالمعادية للمسلمين هو ليس رأيا بل حكما  بالموت كما حكمعليها الإرهابيون من قبل وكما فعلوا من جديد بعد تلقي الصحيفة تهديدات بالقتل اثر نشرها رسمها المذكور ضد طارق رمضان .

وإذا عدنا إلى جوهر الأسباب والخلفيات التي كان من الطبيعي أن تولد مثل هذا التطور التراجيدي المنتظر، يمكن القول أن الفصل الجديد للحرب الإعلامية والإيديولوجية لا يخرج عن مسار تطاحن يسارين يتبادلان تهم معاداة الإسلام والمهاجرين وتزكية الإرهاب الإسلامي في الوقت نفسه الأمر الذي انعكس جليا في الساحتين السياسية والفكرية وأدى إلى تقاطع رهيب بينسياسيين ومثقفين متضاربين فكريا حينما يتعلق الأمر بفهم وتأويل الإرهاب وشرح أسبابه،ولم يشمل التقاطع الإيديولوجي العديد من اليساريين واليمينيين المتطرفين كما يقول بلينال ،وطال أيضا اليمينيين الذين انقسموا بين يمين اجتماعي معتدل يرفض تحويل المسلمين إلى كبش فداء مثل آلان جوبيه واليمين المسيحي المتشدد الذي مثله فرنسوا فيو وهو اليمين الذي لا يختلف فيجوهره  حيال المسلمين والمهاجرين عن اليمين المتطرف الذي تمثله مارين لوبان.

واذا حاولنا الربط بين مشكلة الكاتب ايدوي بلينال والمفكر طارق رمضان بالتيارات الفرنسية المختلفة وبابرز المفكرين المعروفين الذين اشتهروا إيديولوجيا على ظهر المسلمين والمهاجرين، فإننا نجد أن بلينال صاحب كتاب "من أجل المسلمين" التروتسكي الملحد والمعادي لليسار الوردي أويسار "الكافيار" يتقاطع مع المفكر المسلم طارق رمضان الذي لا يعد في نظره متطرفا وصاحب خطاب خطير مزدوج كما يروج له المتقاطعون يمينا ويسارا من أمثال آلان فينكلكروت واريك زمور وكارولين فوريست ورونو كامو واليزابيت ليفي وبرنار هنري ليفي، باستثناء الفيلسوف المعروف النيتشي النزعة ميشال هوفريه والمفكر إدغار موران فان معظم المفكرين الفرنسيين يقفون اليوم ضد ايدوي بلينال وطار ق رمضان ،وانفرد مؤخرا  موران (الذي لم يعد ضيفا مقبولا في بلاتوهات القنوات الفرنسية) بشهادة أيد فيها طارق رمضان من منظور ملكته الفكرية وتمتعه بذكاء خارق وبقدرة منهجية وأكاديمية يحسد عليها في ظل خلاف فكري واضح بينهما وتتوافق على أصعدة أخرى.

كما لم يتردد المفكر موران في التنديد  بالتنكيل الإعلامي الذي تعرض له المفكر طارق رمضان، تعميقا للموضوع ستحاول "الوسط"تسليط الضوء أكثر على هذه القضية التي لن تهدأ قريبا بإشراك مفكرين ومسؤولين فرنسيين مسلمين وغير مسلمين بهدف الكشف عن كل جوانب الإشكالية.

...(يتبع)

اقرأ أيضا..