الثراء الفاحش …كذبة كبرى لا تصنع إلا التعاسة ؟ا

بقلم: جمال نصر الله شاعر وناقد أدبي

عندما تتابع وقائع ما يحدث اليوم مع كبار المسؤولين في الدولة,يتبين لك بأن هذا النوع من البشر لم يكونوا حقا يتمتعون بذرة من الإنسانية أو حتى البشرية والعياذ بالله؟ا فكيف  كانت  يا ترى تحيا بين جوانحهم وزمرهم ملايير السنتيمات,  وكيف أنهم عززوا مواقعهم على  المديين القريب والبعيد وكذا مع عائلاتهم وأصهارهم.وكيف استغلوا بهذا المال القذر نفوذهم وصنعوا فعلا امبراطوريات,للأسف الشديد لم يكن بنيانها أصيلا أو  بأدوات أصيلة وفوق أراضِ تربتها حلالا محللا؟ا لا تشوبهم خشية أو خوف من التاريخ والأقدار…ورغم ذلك للأسف الشديد تجد بعضهم يساهم بالإغداق من هذا المال في بناء بيوت الله مثلا ؟ا وآخرون يتهافتون على أداء خامس الأركان يوم يطوفون بالبقاع ومِنى وعرفة..حيث يحط المال بهم أينما شاؤوا ورغبوا…وآخرون يشيدون به مصانع تحيا فيها المضاربة حياة الفيروسات في الجسد؟ا

إن الفرق بين ثراء رجال المال في الخارج (ونقصد ما وراء لبحار ) وثراء مسؤولينا فرق شاسع جدا..الأول مبني على حركة رؤوس الأموال التي تضخمت بفعل الاستثمار في الفكر والمواد التي تشكل استهلاكا واسعا لدى مواطني دولهم ..والثاني اتخذ من العقار والحاويات منتجعا رحبا وطبعا بطرق ملتوية طبعا.( فقط لم يبق لهم وحركة الاتجار بالبشر إلا بضع خطوات) وربما لو تسنى لهم ذلك لفعلوا…أثرياء المثال الأول جعلت منهم أسماء لامعة في عالم المال والأعمال إلى درجة أن تجد أغلبهم يتوجه نحو المسائل الثقافية وهو مرفوع الرأس .حيث أثبتت لنا الوقائع أنهم ساهموا حتى في تمويل كتاب ومفكرين وفتحوا معاهد للمعرفة  ودورا للنشر.أما رجال امبراطورياتنا الورقية فهم لا يظهرون إبان النشاط اليومي أيام عزهم ونشوتهم, بل لا يعملون في وضح النهار إنما هم  كالخفافيش وتختصر حركتهم على الهواتف وطبعا غير الذكية؟ا بل من أجل التغطية والتوجيه لرؤوس ومؤخرات حاوياتهم…لذلك فغالبا ما صار المواطن الجزائري يتفاجىء حينما يسمع عن إيداع هذا المسؤول أو ذالك غياهب السجون وهو من كان ذات تاريخ في نظره قدوة لأرقى المسؤوليات والمناصب..ولو استمرت عملية المحاسبة الدقيقة شهورا أخرى لزُج بالنصف الأكبر من الجزائريين..ولم يبق لنا إلا بعض الطاعنين في السن وعشرات من الشباب  الذي كان متحمسا  للحراك؟ا..

إن الثراء كمفهوم حضاري هو حق مشروع شريطة أن يكون كالبناء المرصوص ـ حجرة أصيلة فوق أخرى ـ لكن معشر الذين باتت القنوات والصحف تنقل لنا أخبارهم  فقد شقوا 

 

البحار على طريقة القراصنة..داسوا على كثير من المبادئ والقيم.وانتزعوا جلود الإنسانية من أجسادهم  وعقولهم.بل أعلنوها صرخة واحدة وهي(عدم القناعة) حتى ولو استدعى الأمر كسب كل خزائن هذا الوطن الحبيب .وكأن بهم يخوضون سباقا محموما في رفع أرصدتهم وإيصالها نحو أرقام لا تخطر ببال ..لكن واخيبتاه كما يقال جاءت الساعة التي لا ينفعهم فيها لا مال ولا بنون .وهنا تذكرت حكمة قالها إمامنا الجليل الشافعي رحمة الله( ما فائدة أن تكسب كنوز الدنيا وسمعتك سيئة)..لأن الأكيد المؤكد هم الآن في موضع لا يحسدون عليه من النواحي النفسية والإحباطية…تذكرت هنا ما حدث للخليفة العباسي المستعصم حينما دخل عليه هولاكو قائد التتار الشرس والذي نكل بالعلماء والفقهاء كلهم .فدلهم هذا الخليفة على كل أماكن 

الذهب والفضة .ثم أضاف أن أرشدهم على كنز تحت النهر وهذا ليبيّن المستعصم حجم صدقه حتى ينجو بجسده فقال هولاكو له(لو وزعت هذا المال على رعيتك بإنصاف لحموّك اليوم مني) فأخذ التتار ما جمعه العباسيين طيلة خمسة قرون في ليلة واحدة.وهذه عِبر في التاريخ لم نستفد منها للأسف  نحن معشر المسلمين…

كثيرة إذا هي الوقائع التاريخية التي تبيّن بأنه ولا أحد عكف على جمع المال خاصة المشبوه وسجله التاريخ بأحرف من ذهب …بل جميعهم مُحيت سمعتهم بجرة قلم …وهذا على وزن أن لكل فرعون موسى(أي سيأتيك لا محالة من يّبطل عليك هذا النمط من الحياة المزيفة) والتي كسبتها بغير عرق جبينك…. فالعظمة هي أن يُبعد المرء عن نفسه وأفراد عائلته كل شبهة حتى لا يقع في المحظور…والأكيد أن السجل التاريخي لم يذكر لنا غنيا إلا بسوء..بدءا من قارون إلى فرعون إلى المأمون وصولا إلى معاصرين أساؤوا استخدام المال في منافع البشرية والمصلحة العامة.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك