جزائريو المهجر المعين الذي لا ينضب

من أيام الحركة الوطنية إلى اليوم

بقلم احسن خلاص

كما كان الثامن ماي من عام 1945 يعتبر السابع عشر من أكتوبر من عام 1961 يوما من أيام الذاكرة الجزائرية المؤلمة ونحن نستذكر المجازر التي تعرض لها الجزائريون الذين خرجوا لدعم الجهد التفاوضي مع الحكومة الفرنسية الاستعمارية الذي شرعت فيه جبهة التحرير الوطني بواسطة الحكومة المؤقتة منذ عام 1960 قبل أن تتوقف وتستأنف بعد أشهر قليلة من الأحداث. كانت السلطات الأمنية لمدينة باريس ومن ورائها وزارة الداخلية الفرنسية تتوجس خيفة من أن تتكرر على الأرض الفرنسية وفي قلبها تجربة مظاهرات الحادي عشر من ديسمبر من العام الذي خلا حيث أعطت دفعا جديدا للثورة وفكت الخناق عن جبهة وجيش التحرير الوطني بعد حملة ديغول العسكرية الشنيعة.

ولم تكن لتلجأ السلطات الأمنية الفرنسية وعلى رأسها موريس بابون إلى ذلك القمع الرهيب لولا الحقد الدفين الذي ظل يسكن السلطات الأمنية والسياسية الفرنسية تجاه الشعب الجزائري على أرض المهجر، العنيد في مطلبه والمصر في كل مناسبة على تجديده وهو الذي فتح له الباب عام 1926 لمناهضة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال التام بإنشاء نجم شمال إفريقيا وما انفكت الجالية الجزائرية تساهم على أرض الواقع بإذكاء الوعي ودفع آلة النضال الراديكالي بالإمكانات والأموال والوسائل.

لم يكن الاعتراف بتاريخ 17 أكتوبر 1961 كيوم للهجرة إلا في الثمانينيات مع القرن الماضي ضمن توجه تبناه الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد لتحقيق مصالحة للذاكرة الوطنية تكون داخلية بين الإخوة الأعداء قبل الانطلاق بها أساسا نحو فتح ملف الذاكرة مع القوة المستعمرة. ويعود تأخر الاعتراف بهذا اليوم بالرغم من التضحيات الطلائعية التي قدمها الجزائريون من وراء البحر وفي بلدان أخرى من العالم دعما للحركة الوطنية والثورة التحريرية إلا الصراعات التي عاشتها القيادات الثورية عام 1962 وقد أدى انحياز فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني في صف شرعية الحكومة المؤقتة إلى اعتبارها من الأطراف المغضوب عليها بالرغم من أن قائدها عمر بوداود الذي توفي في ألمانيا هذا العام وفي صمت رهيب كان هو من ترأس مكتب مؤتمر طرابلس الذي قسم قادة الثورة حول قيادة الاستقلال.

لقد كان لتلك الصراعات السياسية الأثر البالغ على مصير الكثير من المناضلين في صفوف فيدرالية فرنسا التي لم يعترف بها إلا بعد عقود من الاستقلال. فقد استمر الفرقاء في استعمال أرض المهجر بين فرنسا وسويسرا وإسبانيا وألمانيا لمواصلة النضال ضد نظام حكم بن بله ومن بعده بومدين فكان أن لقي كريم بلقاسم وخيضر حتفهما وبقي بوضياف وأيت احمد في المنفى رفقة العديد من المناضلين الرفقاء الذين اختاروا مواصلة النضال من وراء البحر.

غير أن فرنسا ظلت وما تزال، بالرغم من بروز وجهات جديدة للجزائريين مثل كندا وبريطانيا وبلدان الخليج، تحتفظ بمكانتها كأرض تمتد فيها التفاعلات الجزائرية بشكل طبيعي إذ غالبا ما تستنسخ الخارطة الاجتماعية السياسية المتفاعلة داخل البلد بما فيها الصراع بين أهل الولاء للسلطة وأهل الممانعة وبين التيارات الإيديولوجية القائمة التي تتناكف أمام مرآى ومسمع أهل الأرض. وتعتبر فرنسا وبريطانيا وكندا الفضاءات المناسبة أكثر للجزائريين الذين لا يشاطرون رأي السلطة للتعبير بكل حرية وفتح ملفات فضائح المسؤولين السامين في الدولة والشخصيات السياسية من السلطة والمعارضة كما تعتبر فرنسا الملجأ الذي يأوون إليه لقضاء بقية حياتهم، يشترون في مدنها الكبرى عقارات مرموقة وينشئون أبناءهم على التوفيق بين أرض الوطن وأرض المهجر والتلاؤم من البيئة المهجرية الجديدة التي ترتقي لتصبح وطنا ثانيا بل قد تصل إلى حد تصبح فيه بديلا عن أرض الآباء والأجداد.

وتعيش فرنسا تدفقا متزايدا للجزائريين إليها من أجل العمل أو العلاج أو من أجل إقامة علاقات زواج تيسر لهم سبل الإقامة أو اكتساب الجنسية الفرنسية في نظرة براغماتية مع الحداثة التي يجدون في فرنسا المنفذ إليها بفعل عوامل تاريخية مرتبطة بتطور نسيج الجالية الجزائرية فيها وتنوع مجالات النشاط حيث انتقلت النظرة إلى الجزائري من تلك التي تقدمه بأنه ذلك العامل غير المستقر الذي تتقاذفه الورشات والمعامل ويتولى المهام التي ينفر منها الفرنسيون عادة حيث لا احتكاك له إلا بمن مثله من قبيلته أو عشيرته أو بني بلده إلى نموذج آخر يتمثل في لاعب كرة قدم مرموق على شاكلة زيدان أو كاتب روائي على شاكلة ياسمينة خضرا أو فنان عالمي مثل إيدير ومع هؤلاء يساهم في تنمية وازدهار فرنسا الآلاف من الجزائريين في مجال الصناعة والصحة والجامعات وميادين البحث العلمي والتكنولوجي.

لم يعد الجزائري السياسي ذلك العامل الذي ينتمي إلى التيار اليساري أو الإسلامي الذي يسعى انطلاقا من المسجد لأسلمة فرنسا بل هو ذلك الذي صار يشارك في مظاهرات السترات الصفراء ويجتمع مع إخوانه الجزائريين في ساحة الجمهورية ليرسلوا رسائل سياسية إلى سلطة بلدهم. هو ذلك الذي يتظاهر مع بقية المسلمين عند المساس برموز الإسلام لاسيما الرسوم المسيئة للرسول الكريم.

ويعيش الكثير من الجزائريين من الجيل الثالث أو الرابع أزمة هوية خانقة تجعل بعضهم يميل، مثل المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا، إلى التطرف الديني الذي يصل به إلى ربط صلات مع جماعات “جهادية” متمركزة في سوريا والعراق وليبيا ولو أن الإحصاءات في هذا المجال تشير إلى أن الجزائريين هم أقل الجنسيات انخراطا في العمل الإرهابي العابر للقارات وأنه الأكثر صلة بالوطن إذ أن فرنسا كانت منطلق مطلب الاستقلال ولن تكون إلا منطلقا لتعزيزه.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك