مزامیر السلام صهیونیة ولكن بالعربي

تقليم مخالب العرب وكسر إرادتهم وتدمير مستقبلهم

بقلم : د. لبيب قمحاوي

إن عزف وغناء مزامير السلام الصهيونية بأيدٍ وأصواتٍ عربية  مبعثرة هنا وهناك لا يجعل منها إنجازاً عربياً أو معزوفة سلام بقدر ما يُكَرسها كمنظومة إستسلام طوعي “إسرائيلية” الجوهر ولكن عربية اللغة والتعبير ، وهذا هو المطلوب على ما يبدو من بعض الحكام العرب ، وإذا  أمكن من جميعهم سواء بسواء .

إن تقليم مخالب  العرب وكسر إرادتهم وعنفوانهم وتدمير مستقبلهم بل حتى قدرتهم على استشراف مستقبلهم قد جاء على مراحل وبطرق وأساليب مختلفة بعضها ذاتي داخلي ، وبعضها الآخر خارجي سواء طوعي أو مفروض ، وإن كانت النتيجة واحدة في كل الأحوال . إن ما يجري الآن لم يأتِ فجأة وإنما جاء نتيجة متوقعة لسوء الحال العربي وحالة الإنهاك التي مارستها الأنظمة العربية على شعوبها على مدى عقود من الزمن و إلى الحد الذي جعل تلك الشعوب مهجعاً لنزوات حكامها وشذوذهم السياسي . وهذا الواقع قد جعل من الممكن لأولئك الحكام فعل ما يريدون وتجاوز الممنوعات والمحرمات في سلوكهم السياسي ، وفرض إرادتهم على شعوبهم كما يريدون هم أنفسهم وبغض النظر عن ما تريده شعوبهم .

إن إرغام الجماهير العربية على العيش في ثنايا الظلم والإستبداد والتدثر بعباءة الحاكم الظالم قد ساهم بالنتيجة في فتح الباب على مصراعيه أمام الاستسلام العربي لإسرائيل ، وَوَضَعَ مستقبل العرب رهينة بيد عدو لا يرحم تحت شعار زائف هو السلام والذي يعني في جوهره وحقيقته الاستسلام لإسرائيل والقبول ببرامجها الإحتلالية والتوسعية ، متجاهلين حقيقة أن لا سلام مع الاحتلال وإلا أصبح ذلك  في الحقيقة استسلاماً لواقع الاحتلال .

ما تعيشه الشعوب العربية  إذاً هو نتيجة حتمية لمسار طويل من الاستسلام والخنوع لإرادة الحاكم والافتقار إلى الرغبة أو الإرادة في التغيير أكثر من كونها افتقاراً إلى القدرة على فعل ذلك . إن غياب الاستعداد للتضحية هو ما يدفع الشعوب عادة الى الاستسلام ، والحكام العرب بذلوا جهوداً ملحوظة على مر العقود والسنين في إبعاد شعوبهم عن الانخراط في الحياة السياسية ، وجعلوا من ذلك أمراً يستوجب الاضطهاد والعقوبة إلا إذا جاء  ذلك الانخراط من خلال النظام ومن بين ثناياه وبإرادته . وهذا المسار ساهم في  تدجين الشعوب وتحويلها إلى قطيع يديره فرد واحد كما يشاء  ويريد .

الحروب الأخطر على الشعوب هي الحروب النفسية كونها تؤدي إلى تدمير إرادة الشعوب وثقتها بأنفسها وتسعى إلى استبدالها بروح الاستسلام والإنهزامية التي تحول الشعوب إلى قطيع من البشر مبعثر هنا وهناك وتٌفقدها الإحساس بالعزة والكرامة مما يجعلها تسعى بالنتيجة إلى الاستجداء  السياسي أو الاقتصادي أو الأمني  أو بعض منها أو جميعها ، وتقف قاصرة وعاجزة عن  حماية نفسها ومصالحها والى الحد الذي تُسَوِّق فيه قياداتها نتائج الخضوع و الانكسار والاستسلام الى شعوبها باعتبارها إنجازات وانتصارات تدعو الى الفخار والافتخار .

لقد تم قتل قناعة الشعوب بجدوى ماهو قادم وبالتالي إفشال الأمل في المستقبل العربي  إلى الحد الذي جعل من المطالبين بالعودة الى الماضي العثماني أو الفارسي ودعاتهم ومؤيديهم  هم أمل المستقبل العربي الضائع بالنسبة للبعض وسادة العرب الجدد فيما لو تحقق ذلك جزئياً أوكلياً .

لقد بلغ العرب من الهوان والذل والتفتت والانقسام حداً مكَّنَ شخصاً واحداً مثل “غاريد كوشنر” صهر الرئيس الأمريكي ترمب أن يعيد صياغة سياسة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة تجاه أخطر وأعقد قضية يجابهها العالم وهي ” القضية الفلسطينية ” ، دون أي اعتبار للعرب أو الفلسطينيين وباستخفاف كامل بحقوقهم المشروعة ومطالبهم الوطنية والى الحد الذي جعل من قناعات ورؤيا كوشنر أمراً أهم من كل العرب والفلسطينيين وأدى الى تغيير السياسة الرسمية المعلنة للولايات المتحدة  تجاه القضية  الفلسطينية . ولم يقف الأمر عند ذلك ، بل تعداه إلى الإطاحة بالقانون الدولي والقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وفتح الباب أمام الاعتراف الأمريكي المنفرد بالقدس عاصمة لإسرائيل وكذلك الإعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المستوطنات وعلى معظم الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وتم تتويج تلك السياسة بإطلاق ما يمكن أن ندعوه ” سياسة القطيع ” أو‪The Herd Policy “”  وهي تعني جَرّ الدول العربية إلى الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها تماماً كما يٌساق قطيع من الأغنام إما للرعي أو إلى الذبح دون أن يعلم أحد بالمصير الحقيقي لذلك المسار في نهاية المطاف .

سياسة القطيع تلك تهدف في جوهرها الى كسر الرابطة العربية وإعادة العرب إلى عصور ما قبل الاستقلال عندما كانت التبعية أمراً طبيعياً في علاقة العبد بالسيد ، وهكذا ستكون العلاقة  في نهاياتها بين عرب التطبيع و”إسرائيل” . ولكن عندما يصحوا عرب التطبيع من أوهامهم سيكتشفوا أن ماهم فيه ليس رؤيا للسلام أو حلماً عربياً جميلاً بل كابوساً  صهيونياً ، وأن الهدف من ” سياسة القطيع ” هو حماية المصالح الصهيونية التي تبقى في أصولها وواقعها وأهدافها متعارضة بشكل جذري مع مصالح أي كيان عربي . التطبيع من خلال سياسة القطيع هو المحظور الذي سيوقع  أولئك العرب في الفخ الصهيوني ويحولهم من دول مستقلة إلى كيانات تابعة تدور في الفلك “الصهيوني” وتقوم بتنفيذ ما يناط بها من مهمات  باعتبارها  كيانات تابعة .

إسرائيل سوف تستمر محط إعجاب واهتمام ودعم أمريكا والعالم الغربي ، وسيبقى العرب في حضيض الاهتمام الدولي  ما داموا عبيداً لمن يحكمهم . وبالنسبة لبعض من تبقى من الأصدقاء  فإن العرب سوف يكونوا محط شفقة على ما أوصلوا أنفسهم إليه وما وضعوا نفسهم فيه  من تشتت وفرقة وإنهيار واستعداد للاستسلام لما يريده الغير  حتى لو كان عدوهم اللدود .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك