الشهيد بلعيد حوحة، صنديد جبال النمامشة

في ذكرى استشهاده الـ 63

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز. 

تغنى به الشعراء الشعبيون إبان الثورة التحريرية بقولهم: “حوحة بلعيد رجل صنديد الشجاعة والقلب حديد”، لما وجدوه في شخصيته من قوة وبراعة في مواجهة الوحدات العسكرية الفرنسية، خلد نفسه بإقدامه وشجاعته التي أظهرها متحديا العدو، ولم يهب الموت بل كان جسورا مقداما مثلما شهد عليه رفاق دربه من المجاهدين، في هذا العدد من جريدة الوسط سنعرج على حياة الشهيد بلعيد حوحة الذي سطع اسمه في هضاب ومرتفعات جبال النمامشة. 

01-مولوده وظروف التحاقه بالثورة التحريرية: 

كتب الأستاذ أونيس لوصيف عن مولد الشهيد بلعيد حوحة مايلي: ولد الشهيد الرمز حوحة بلعيد سنة 1919م ببلدية المحمل ولاية خنشلة وفي وسط عائلة لموشية، حيث عمل والده على تعلميه مبادئ القرآن الكريم، تأثر بالفكر الاستقلالي الذي انتشر بمنطقة خنشلة خلال أربعينيات القرن العشرين، حيث شارك وانخرط في التحضير للعمل المسلح ولثورة التحريرية المجيدة رفقة أبناء عمومته حوحة عثمان وحوحة أحمد الغول، وكان له دورا كبيرا في التعبئة والاتصال بالمواطنين إلى جانب مهمة جمع السلاح والتحضير لاندلاع للكفاح المسلح.

مع اندلاع الثورة التحريرية يوم 01 نوفمبر 1954م، شارك في تنظيم الثورة برفقة كل من المجاهد عمر عون المدعو عمر البوقصي الذي يقود أفواج جيش التحرير الوطني والمجاهد الوردي قتال بنواحي مسكيانة وصدراتة مداوروش وسوق اهراس (التلول) وكانت أولى مهامه الهجوم على مراكز العدو بالمنطقة والمستوطنين وتنظيم مجموعات التعبئة وجمع السلاح وتأطير وتجنيد المناضلين الملتحقين الجدد لدعم وتعزيز صفوف الوحدات المقاتلة وتوعية المواطنين بأن الكفاح المسلح هو أنجع وسيلة لنيل الحرية والاستقلال قبل أن يتولى المسؤولية المباشرة على فرع مسكيانة وضواحيها إلى جانب تكليفه بالمساهمة في تحضير وتنظيم وتسليح مجاهدي جيش التحرير الوطني من أبناء منطقة مسكيانة الذين انخرطوا في الثورة التحريرية. 

وبعد ذلك عاد الى مسقط رأسه ليشكل كتيبة المتطوعين الأحرار التي كان يقودها واستطاع في ظرف وجيز تشكيل كتيبة مجهزة بأحدث الأسلحة في ذلك الحين حيث يوجد بها أكثر من 04 مدافع رشاشة عيار 24/29 التي لها دور حاسم في المعارك وكان له شرف بناء كتيبة عسكرية بكل مكوناتها وتشكيلاتها وتحديثها عبر كل مراحل الكفاح والحرص على الإعداد والتكوين المستمر للعنصر البشري من خلال التخطيط والإشراف الميداني على المعارك والتدريب إلى أن أصبح جيش التحرير الوطني نموذجا يحتذي في العالم وتدرس تجربته القتالية والتنظيمية في الكليات والمدارس الدولية.

02-القائد العادل: 

عرف الشهيد بلعيد حوحة بعدالته بين المواطنين حيث كان يعتمد على الشريعة الاسلامية في حل مشاكل المواطنين ويأخذ معظم الآراء في المواضيع الحساسة من مفتي المنطقة كما أنه يتمتع بشخصية قوية ومؤثرة على الجميع كان قائدا عسكريا محنكا يدير المعارك ويشرف عليها بكل شجاعة ورزانة وتحكم واقتدار كان يطلب الجيش الفرنسي للنزال في مواطن عديدة ومنها معركة قبو بنواحي ششار والتي فقد فيها جيش التحرير عنصرا واحدا بينما فقدت فيها فرنسا الكثير من جنودها، والتي شارك فيها مجموعة من المجاهدين على غرار محمد الهادي رزايمية وبلقاسم حفصاوي والشهيد أحمد خلاف المدعو أحمد  بن نصر ولوصيف الصادق ولوصيف محمود. 

03-صنديد جبال النمامشة: 

قاد الشهيد بلعيد حوحة الكثير من المعارك ضد قوات الاحتلال الفرنسي منطقة النمامشة والاوراس ومنها معركة (أغروط اغقالت) الكتفة الكحلة أو الزيريس في يوم 25 جانفي 1957 برفقة 240مجاهدا ضد وحدة عسكرية فرنسية الفرنسي استعملت فيها فرنسا بالحوامات والطائرات الحربية فقدت فيها عددا كبيرا من جنودها اضافة عدد كبير من الجرحى …بشهادة المجاهد لوصيف محمود بن رمضان قائد فوج المجاهدين المشاركين في المعركة وحسب الراوي فإن المعركة دامت يوما كاملا من شروق الشمس الى غروبها.

كما قاد عديد المعارك والكمائن الثورية الشهيرة التي أبلي فيها البلاء الحسن وكان واحدا من أشهر فرسان النزال ومن أشهرها معركة الخناق لكحل ومعركة ملقى الوديان ومعكرة دشرة الطلبة ومعركة بولقطوط بغرغر معركة قبو الأولى والجديدة معركة احميل القيز. 

04-بعض ما قيل من شعر في حق الشهيد: 

إن البطولات التي خطها الشهيد بلعيد حوحة جعلت من الشعراء الشعبيين ينظمون في حقه القصائد ويتغنون بها، ولعل أشهر ما قيل فيها: 

حوحة بلعيد رجل صنديد

الشجاعة والقلب حديد

يرافل فيهم برافل جديد

05-استشهاده: 

استشهد بلعيد حوحة في يوم 27 جويلية 1957م بعد معارضته لقرارات مؤتمر الصومام، وحوكم من طرف محكمة اقيمت لما سماه العقيد عمار بوقلاز بمجموعة تبسة التي كان في مقدمتها لزهر شرط. 

06-نماذج عن معارك قادها بلعيد حوحة: 

سنستعرض بعضا من المعارك التي قادها الشهيد بلعيد حوحة إبان الثورة التحررية المظفرة، لنبرز دوره الفعال ومكانته بين قادة جيش التحرير الوطني بفضل المقدرة التي كان يتمتع بها في صناعة النصر على أشرس وحدات الجيش الاستعماري الفرنسي:  

– معركة قبو بلدية ششار 15 أوت 1956م: 

تولى الشهيد بلعيد حوحة قيادتها، ووقعت بالمكان المسمى قبو بالقرب من قرية بويكضن بلدية ششار ولاية خنشلة حاليا، وتعود أسباب المعركة إلى إصرار المجاهدين على الأخذ بثأر الشهداء الذين سقطوا خلال معركة الخناق لكحل والذين وصل عددهم إلى 25 شهيد ومعركة قبو السابقة والذين وصل عددهم إلى ما يزيد عن 82 شهيد من المدنيين.

وفي هذا الإطار أرسل الشهيد بلعيد حوحة أحد سكان الجهة المدنيين إلى أحد قادة الجيش الفرنسي وطلب منه أن يتجهز لنزال مجاهدي جيش التحرير الوطني الذين يستعدون لأخذ الثأر لشهدائهم ورفاقهم الذين سقطوا خلال معركتي قبو والخناق لكحل. 

ومركز قبو يمتاز بالكهوف التي تشقها الأودية حيث كان مجاهدي جيش التحرير في الاستعداد التام لخوض المعركة، خصوصا وأن قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي بدأت تتجهز لخوض معركة فاصلة بعدما وصلها الخبر الذي أرسله بلعيد حوحة إليها، ولم يدم انتظار المجاهدين كثيرا فبمجرد وصول الوحدات العسكرية الفرنسية إلى قبو على الساعة الثالثة صباحا بدأ المجاهدون في إطلاق النار تجاه الجنود الفرنسيين الذين لم يكونوا ينتظرون المفاجأة التي أعدها بلعيد حوحة ورفاقه لهم، وحسب شهادات البعض من المجاهدين الذين شاركوا في هذه المعركة والتي تفيد بأن القائد بلعيد حوحة قد أصدر أوامره الصارمة للمجاهدين بعدم الانسحاب من ميدان المعركة مهما كانت الظروف، لتستمر المعركة إلى غاية الساعة التاسعة ليلا. 

وقد شارك في المعركة 400 مجاهد من جيش التحرير الوطني، و2000 جندي فرنسي من الجيش الاستعماري الفرنسي، قدموا من الوحدات المتمركزة في: تبردقة، سيار، خنقة سيدي ناجي، بابار، خنشلة، والتي أسفرت عما يلي: 

  • استشهاد خمس مجاهدين من المشاركين في المعركة. 
  • مقتل حوالي 250 جندي فرنسي ينتمي أغلبيتهم لوحدات اللفيف الأجنبي ومن كان من ضمن القتلى الفرنسيين عدد من الضابط الذين لقوا حتفهم خلال المعركة. 
  • اسقاط طائرة حربية فرنسية.

يروي المجاهدون الذين شاركوا في هذه المعركة بأن من شاركوا فيها لقنوا الجنود الفرنسيين دروسا في الشجاعة والاقدام، وفنون القتال وتمكنوا بفضل ذلك من غنم عدد من الأسلحة والبنادق الحربية، حتى أن المجاهد لوصيف محيو لا زال يتذكر كلما أدلى بشهادته حول هذه المعركة مشهد أحد المجاهدين والذي كان معاقبا من طرف قيادة جيش التحرير الوطني والتي أقدمت على نزع سلاحه الشخصي، فقام خلال المعركة بغنم سلاح حربي من عند الجنود الفرنسيين ليثت أحقيته وقدراته وشجاعته في نفس الوقت. 

وكرد فعل من طرف الجيش الاستعماري الفرنسي على الخسائر الثقيلة التي لحقت بها في هذه المعركة، فقد توجه الجنود الفرنسيين وباشروا مهمة الانتقام من الشعب سكان الجهة، فحرقوا عددا من المنازل واعتقلوا بعض المواطنين نذكر منهم مشري محمد، بروكي عمار، ناصري الشريف. 

ومن بين المجاهدين الذين شاركوا في هذه المعركة نذكر: مشري محمد، ناصري الشريف، بروكي عمار، سالمي العيد، بوزيد غزال، بلقاسم حفصاوي، محمد الهادي رزايمية، شرابن العربي، مراد عبد الكريم، سالم بونزرة، ابراهمي محتلة. 

– معركة الكتفة السوداء 25 جانفي 1957م: 

تعد معركة الكتفة السوداء من بين أقوى المعارك الحربية التي قادها الشهيد بلعيد حوحة، وشارك فيها 240 مجاهد من بينهم الشهيد حوحة الواعر بن سليمان الذي عاد من المنطقة الثانية الشمال القسنطيني، والمعركة خاضها مجاهدينا ضد الوحدة العسكرية الفرنسية التي تحمل اسم 3/13 bdle، التي استعانت خلال المعركة بالحوامات والطائرات الحربية سمتها فرنسا بعملية الموز. 

لقد تمكن المجاهدون خلال المعركة من القضاء على عدد كبير من الجنود الفرنسيين، وقدموا صورا رائعة امتزجت فيها الشجاعة مع الاقدام، والإصرار على تحقيق النصر، وحسب شهادة المجاهد محمود بن رمضان لوصيف أحد قادة الأفواج المشاركة في المعركة فإنها دامت يوما كاملا من شروق الشمس الى غروبها. 

ومن بين من شارك في هذه المعركة نذكر: كنزاري التهامي بن الحاج، محمود حوحة الواعر، مباركي بلقاسم بن زروال، الذين استشهدوا في المعركة، وجرح كل من: مباركي العلواني بن عمر، موسى جمل، العربي شراب، محمود لوصيف بن رمضان قائد فوج اصيب في صدره، رمضان لوصيف اصيب في رجله، محمد الهادي لوصيف، الصادق لوصيف، فارس الصادق. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك