كورونا بين التباعد والخيانة

لا توجد منطقة وسطى بين الموت والوقاية

بقلم: احسن خلاص

يروي المؤرخون أن مدينة البليدة لم تعلم بقدوم الغزاة المحتلين الفرنسيين إلى الجزائر عام 1830 إلا بعد أكثر من شهر من سقوط مدينة الجزائر بالرغم من أنه لا يفصلهما عن بعضهما إلا عشرات قليلة من الكيلومترات. وإن كان يمكن ببساطة إيعاز ذلك إلى انعدام أدوات الاتصال الحديثة إلا أن العامل الرئيس كان ذلك التفكك الذي كان عليه المجتمع الجزائري والخراب الذي كانت عليه النظم والبنى الاجتماعية أمام إدارة عثمانية لم يكن يهمها إلا ملء الخزائن مما تفرضه على الجزائريين من أتاوات وغرامات وهي التي استسلمت على التو وسلمت الخزائن كما سلمت أمر الجزائريين لأنفسهم على وهنهم وضعفهم وقلة حيلتهم أمام قوة غازية رهيبة. وتلك الحال كانت عامة وشاملة على جميع أنحاء البلاد التي لم ينج منها أي شبر من الهيمنة الفرنسية.

غير أن الغازي الجديد، فيروس كورونا، فضل هذه المرة أن يبدأ باحتلال مدينة البليدة آتيا إليها من كل الجهات، مستغلا الثغور الجوية والبحرية المفتوحة أمام القادمين من البلدان التي مسها الوباء ليواصل زحفه على جميع الأمصار ويصل خبره بسرعة قبل أن يحل هو بنفسه ويفتتح قائمة ضحاياه، وكلما تقدم بنا الزمن يتقدم هو الآخر بعجائب صنعه ويفاجئنا بأرقامه المضاعفة مما جعل وزير الصحة مثلا يعلن أننا في المرحلة الثالثة من انتشار الفيروس التي تستدعي حالة تأهب قصوى تنتفي فيها تماما مظاهر الحياة العادية ولا يجد دونها الجزائريون من حل إلا التزام البيوت من منطلق أن هذا الغازي الجديد، على عكس الغزاة العاديين لا يحارب ولا يدحر إلا بالفرار منه والاحتجاب عن عينيه فينصرف لوحده أو يقضي على الأرض التي لم يأت إليها محتلا ولم يقصد استغلال ثرواتها مثل ما يفعل الغزاة التقليديون.

لم يأت هذا الغازي الجديد، وهذا “الجندي الذي لا يعلمه إلا الله” بتعبير جاب الله، إلا مفسدا في الأرض فتاكا وسفاكا للدماء، لا يهمه من الأمر إلا أن يسكن في البشر العزل والضعفاء  إذا ما وجد إلى ذلك سبيلا، فمن يصبه يقتله خنقا وشنقا ومن يخطئ سيتجرع حينا من الزمن ويلات ما خلفه من دمار. لذا لم تهتد البشرية، كبيرها وصغيرها، إلا إلى الفرار إلى مساكنها وتركه وحيدا تائها حتى يفشل وتذهب ريحه مع الطبيعة ودون ذلك خيانة وإعانة للعدو في غزوه، إذ أن من سنن الغزاة الاستعانة بأهل البلد لتمكينهم في الأرض، لكن كورونا، هذا الغازي اللعين، يدرك أن لا سبيل له للانتشار في الأرض عبر الهواء كباقي الفيروسات وأن نجاحه مرهون بعمالة وخيانة أهل الأرض الذين يوفرون له أدوات النقل بالمجان.

يستمد كورونا اللعين قوته وجبروته من ضعفنا وهوان نسيجنا الاجتماعي وضعف نظمنا السياسية كما يعول كثيرا على جهلنا واستهتارنا وهو الذي ينتشر بدهاء وخبث ويسجل أهدافه مستغلا أخطاء دفاع الخصم الذي لا يدرك بسرعة أن الفرار من الغازي وتفعيل خطة التسلل هو السبيل الوحيد للفرار من الموت لاسيما وأن بلدانا أكثر تأهلا وتنظيما وبناء قد رفعت الراية البيضاء أمامه.

لم تعد نظريات جحا تنفع أمام هذا الغازي الجديد، وليس يفيد شعار “نفسي نفسي” أو “ما بعدي الطوفان” أو chacun pour soi  تلك الشعارات التي غرستها فينا الثقافة الليبرالية الفردانية فقد أعاد الغازي الاعتبار إلى الفعل الجماعي لما للموت من ميزة لا تجدها في غيره وهو أنه الأعدل قسمة بين الناس.

لقد أعادنا كورونا إلى مجتمعاتنا التقليدية لذا فإن تجربة التصدي للغزو الكوروني في أريافنا جديرة بالاهتمام لنجاحها في جعل الهبة الجماعية واقعا ملموسا. وقد كانت لكاتب هذا المقال فرصة الاطلاع على إحدى هذه التجارب في مسقط رأسه قرية أيت بويحيى ببني دوالة الواقعة في أعالي منطقة القبائل الكبرى. وهي على غرار الكثير من مداشر منطقة القبائل لم تنتظر تدابير حكومية أو مبادرة من أي سلطة كانت لتنطلق في عملية تحصين الديار من الانهيار الذي يتهددها به الغازي الجديد مستعينة بالانضباط الجماعي والإرادة التطوعية للشباب والروح التضامنية للمواطنين في سبيل تهيئة شروط مواجهته بالفرار إلى مساكنهم مخافة أن يحطمهم كورونا وهم لا يشعرون. فقد هيأوا للشيوخ والمرضى جميع الشروط التي تغنيهم عن الخروج لقضاء الحاجات واقتناء البضائع ونظموا حملات تعقيم وتنظيف لما يمكن أن يعتبر بقعة لنقل الفيروس واجتهد الأطباء والعاملون في المجال الصحي في توعية الأفراد والجماعات بأن الخروج إلى الشوارع والأماكن العمومية خيانة عظمي وتعاونا صريحا مع العدو لتمكينه من حصد الأرواح وعملية انتحارية جماعية لا تقع عواقبها على الفرد بل ستتحملها الجماعة.

سيهزم كورونا ويولي الدبر يوما تماما كما هو مصير جميع الفيروسات التي غزت العالم من قبل لكن العيب والعار في أن نمكنه من أنفسنا فنهلكها بأيدينا ونحن نملك من الوعي والقدرة وروح الانضباط ما يجعله يعود مهزوما مدحورا. إنه يخاطب روحنا الجماعية وقدرتنا على الفعل الجماعي للتصدي للغزو الخارجي ويختبر فينا إذا كنا بحق جديرون بأن نكون أمة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك