نحو صرح مغاربي جديد

بعد فشل معاهدة مراكش

بقلم: احسن خلاص

مرت الذكرى الواحدة والثلاثون لإنشاء”اتحاد المغرب العربي” دون أن تحدث ضجة في المخيال الجماعي المغاربي، واكتفت المؤسسات الرسمية التابعة له بإحياء سنة احتفال مغاربية باحتشام دون أن توليها القيادات العليا في البلدان الخمسة أدنى أهمية، ولعل هذه القيادات قد تمنت في قرارة نفسها أن لا تحل الذكرى على الإطلاق لتوفر عنها عناء التأسف على فشل مبادرة طموحة أو اجترار الأسباب التي تقف وراء هذا الفشل.

تأتي الذكرى هذه السنة كما أتت السنة الماضي وكما قد تأتي السنة المقبلة لقلب المواجع وقظ المضاجع على حلم ضاع وطموح طالما راود الحركات الوطنية التحررية المغاربية وكان أحد ركائز الكفاح التحرري لنخبها النضالية والسياسية منذ تأسيس نجمة شمال إفريقيا إلى غاية الكفاح المسلح والاستقلال الوطني للبلدان المغاربية.

انطلقت فكرة بناء اتحاد مغاربي ضمن موضة اجتاحت البلدان كلها شمالا وجنوبا وهي موضة التكتلات الجهوية كان أبرزها نموذج الاتحاد الأوروبي مع إبرام اتفاق ماستريخت الذي ارتقى بالسوق المشتركة الأوروبية إلى اتحاد أوروبي بمؤسسات قائمة بذاتها وبعملة موحدة ومرونة كاملة في تنقل الأشخاص والممتلكات دون أن تفرط في السيادات السياسية القطرية ودون إجحاف الاختلافات الثقافية والتاريخية واللغوية بين البلدان. كما كان مجلس التعاون الخليجي خطوة هامة نحو إنشاء اقتصاد تكاملي تشاركي وتبادلي بين البلدان الخليجية لم يتأثر إلا قليلا بالمتغيرات الجيوسياسية التي تتعرض لها المنطقة. وما زاد من تأكيد أهمية التكتلات الجهوية نزوع بلدان إفريقية حديثة الاستقلال إلى العمل بالمنهج ذاته مثل مجموعة غرب إفريقيا والمنهج ذاته اتبعته بلدان من أمريكا اللاتينية.

لقد جاءت تلك التكتلات من قلق انتاب الدول الوطنية القديمة والناشئة من ضعف قدراتها الذاتية على مواجهة الصعوبات التي تنجم عن تقلبات النظام الدولي الجديد الذي بشرت به الولايات المتحدة فقد رأى الرئيس الفرنسي ميتران ومعه الألماني هيلموت كول أن تعزيز التكتل الأوروبي أحسن سبيل لمواجهة زحف الولايات المتحدة الأمريكية من الجهة الغربية والصين من الجهة الشرقية، وقد نالت هذه الخيارات تأييد الشعوب الأوروبية إذ أسفرت جل الاستفتاءات الشعبية عن انتصار الفكرة الأوروبية التي أتاحت لهذه الشعوب التنفس والتفتح على التنوع الأوروبي وإدماج الجهود المتنوعة والمختلفة في مصب واحد وهو خدمة منظومة اقتصادية ودفاعية تعزز القارة العجوز.

لماذا ضاع الحلم إذن واندثر ولماذا نبكي على مشروع ظل حبرا على ورق ولماذا نقف أمام المؤسسات المغاربية كالذي يقف على الأطلال؟ سنحاول أن نقف على جملة من الأسباب ولا ندعي أن بقدرتنا أن نحصرها.

كان الانسجام اللغوي والديني للمنطقة المغاربية دافعا هاما للتفكير في صيغة تجتمع عليها البلدان الخمسة بالرغم من اختلاف أنظمتها السياسية الداخلية في نمط الهيمنة على شعوبها وهو ما دفع القادة المغاربة الخمسة، الشاذلي بن جديد وزين العابدين بن علي ومعمر القذافي ومعاوية ولد سيد احمد الطايع  والحسن الثاني للتفكير في إنشاء هيئة شاملة فكان لقاء زرالدة عام 1988 على هامش القمة العربية المنعقدة بالجزائر فرصة لتباحث الفكرة والاتفاق على العمل من أجل بلورة تصور هياكل تنظيمية لتكتل مغاربي واعد اكتمل بنيانه بمجلس رئاسي وأمانة عامة ومجلس شورى وأعلن في قمة مراكش في فبراير 1989.

غير أن هذه الهياكل لم تستطع أن تتجاوز جدرانها ولم تتمكن من بناء جسور بين الشعوب المغاربية ولم تتح حركة سلسة ومرنة لرؤوس الأموال وبناء شراكات مغاربية بين رجال أعمال البلدان الخمسة ولم تعزز النسيج البشري والاجتماعي المغاربي ولم تنشئ بطاقة الهوية المغاربية كما كان مرجوا منها كما أنها لم تنجح في إرساء منظومة دفاعية مشتركة ولا في خلق فضاء مشترك للتشاور السياسي والتبادل الثقافي بين بلدان متقاربة ومتنوعة، وبعبارة أخرى لم تسلم الأنظمة السياسية مفاتيح الصرح المغاربي لشعوبها بل ظل مطية للإبقاء على هيمنتها على الشعوب وتكريس عزلتها فقد عممت على المستوى المغاربي ما كانت تمارسه على شعوبها من عزلة وفقر وخنق للحريات فلم تتح لمجتمع مدني النشوء والنهوض بالعمل المغاربي المشترك.

لقد استحال اتحاد المغرب العربي اتحادا للأنظمة المغاربية في أحسن الأحوال كما ظل هشا غير قادر على الصمود أمام التغيرات الطارئة على بلدانه ولنا في ما اجتازته الجزائر من محن خلال العشرية السوداء مثالا على هذا الفشل فقد كان جل هذه البلدان تنتظر انهيار الجزائر مثل ما هو حال المغرب الذي اتخذ أراضيه قاعدة خلفية للجماعات المسلحة وكذا الأمر لليبيا الذي كان يضع خططه لاغتنام فرص تراجع الجزائر على الساحتين الإقليمية والدولية جاء أزمتها.

ومن جانب آخر ظل المغرب يمارس ضغوطه بشأن القضية الصحراوية وليس أدل على ذلك من قرار اتخذه عام 1994 بتجميد مؤسسات الاتحاد المغاربي الذي لا يزال قائما إلى اليوم بالرغم من مساعي مغاربية مختلفة من أجل إعادة دفع مسار بناء الاتحاد المغاربي المجمد.

هكذا صار اتحاد المغرب العربي جثة هامدة والحديث عنه لا يعدو مجرد أحياء الذكريات إذ أن المطلوب أن تقوم الشعوب ببناء صرح جديد يقوم على التبادلات الحقيقية بينها على جميع المستويات والمجالات وحل النزاعات الداخلية والبينية. وأحسن شيء تفعله الحكومات أن لا تقع عائقا أمام الشعوب في سبيل ذلك.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك