مكافحة الفساد..أكبر من مجرد تدابير

قراءات في مخطط عمل الحكومة

بقلم: احسن خلاص

تضع وثيقة عمل الحكومة الجديدة مكافحة الفساد ضمن أولوياتها القصوى ولعل محرريها يدركون أن التصدي للفساد امتحان عسير يرتبط به النجاح في المجالات الأخرى فهو امتحان الثقة في مؤسسات الدولة.

ومع أن الفساد منتشر في العالم كله ولا تختلف الدول إلا بمدى انتشاره وتعميمه وضعف وقوة الرقابة والردع عليه إلا أنه عادة ما يجد مناخه الذي ينمو فيه نموا طبيعيا وسريعا والحماية التي ينشدها في الدول التي يجتمع فيها الاستبداد السياسي والاقتصاد الريعي، فمثل هذه الدول تعتبر راعية الفساد بامتياز وإن تظاهرت وادعت من خلال برامجها وخطبها بأنها تضع مكافحة الفساد ضمن أولوياتها القصوى ووعيدها بإنزال أقصى العقوبات بالمفسدين.

أول ما تفكر فيه الدول الريعية المستبدة، في سبيل رعاية الفساد، أن تضعه في متناول أغلب المواطنين فبقدر ما تحرص على تكميم الأفواه والتضييق على الحريات فهي حريصة على دمقرطة التعاملات المشبوهة إلى أقصى حد إذ من مصلحة كبار المفسدين أن يعم الفساد ويصبح أكثر اقتساما بين الناس فلا أحد يرفع يده على أحد مطالبا بالحساب.

ويعتمد الفساد على أوجه عدة في الدول الريعية المستبدة، فهناك الفساد السياسي والفساد الإداري وفساد قطاع الأعمال وغيرها، كما أنه يمارس بطرق شتى وعلى مستويات مختلفة. إذ أن ما يهم مثل هذه الحكومات هو شراء السلم الاجتماعي، ليس بضمان توزيع عادل للثروات ولا بترسيخ تكافؤ الفرص بين الكفاءات بل بتوزيع الريع على كل من قبل الدخول في منظومة الفساد الكبرى التي لا بديل عنها. ولأن حكومات الدول الريعية المفسدة لا تبحث عن التأييد الشعبي الذي تعتبر نفسها في غنى عنه، فهي تبحث لنفسها عن زبائن تشكل بهم شبكات من المفسدين المركزيين والمحليين ينتشرون في الأرض فتعج بهم الإدارات العمومية والمؤسسات الاقتصادية العامة والخاصة والمؤسسات الاجتماعية والتربوية.

هذا هو الفساد، سرطان ينتشر في المجتمع ويجري فيه مجرى الدم في الجسد برعاية غير رسمية لأصحاب المسؤوليات العليا والدنيا في الدولة الريعية المستبدة. وغالبا ما ينتعش الفساد عندما يتاح في مثل هذه البلدان وجود نوعين من القنوات لتصريف الريع: القناة الرسمية المؤسساتية من مصارف وبنوك وضرائب وتأمينات وجمارك والقناة التي تمثل حقيقة التبادلات وهي قناة “الشكارة”. وتصبح هذه الثنائية بين الاقتصاد الرسمي والاقتصاد الموازي قاعدة ثابتة غير منصوص عليها ولا سبيل لاستمرار الدولة الريعية المستبدة إلا بالحرص على تكريسها وحمايتها من أي تهديد.

في الجزائر، عبرت كل الحكومات المتعاقبة عن نواياها الحسنة لمكافحة الفساد، غير أنه ما من حكومة تأتي إلا وتطلعنا على الإنجازات الضخمة للحكومات السابقة في مجال رعاية الفساد، وتثبيت قنواته وتنميتها. ويمكن أن نذكر بعضا من هذه القنوات مثل الصفقات العمومية والدعم الاجتماعي وإقامة المهرجانات والتظاهرات، وإقامة الشراكة بين المؤسسات العمومية والخاصة وهي مجالات ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر، مجالات تحرص كل حكومة على رعايتها والإبقاء على غياب الشفافية والوضوح في تسييرها.

لقد كان الحراك الشعبي صرخة وعي مدوية في وجه هذا الفساد المنظم في نظام فاسد. صرخة حررت أجهزة القضاء التي تحركت لتكشف لنا عن المأساة الأخلاقية التي وصلت إليها الدولة الجزائرية وكادت أن تعصف بها فكان من تداعياتها قطع ما تبقى من حبال الثقة بين المواطنين بها. لقد زج بوزراء وولاة ورؤساء مؤسسات خاصة في السجون ضمن عملية علاجية بالصدمة ولا تزال السجون تنتظر وفودا جديدة من الإطارات التي وجدت في نظام الفساد بلدا آمنا.

ولعل الفساد السياسي هو أخطر أنواع الفساد الذي عرفته الجزائر في السنوات الأخيرة، فقد عملت السلطة على إفساد المجتمع السياسي وجعلت من المؤسسات السياسية مصدرا للثراء ومرتعا للبزنسة وحولت البرلمان إلى محمية لأصحاب المال الفاسد وتدخلت دوائر المال الفاسد في تعيين الوزراء والولاة وباقي المسؤوليات وعشش الولاء العشائري والجهوي على تولي المسؤوليات السياسية وصار التزوير نظاما مألوفا تحت رعاية أصحاب النفوذ والمال.

هذه هي البيئة التي تأتي فيها توصيات مخطط عمل الحكومة لمكافحة الفساد، محيط استشرى فيه الداء ولا ينفع فيه الوعظ والخطب الرنانة والوعود. بيئة تحولت إلى نظام وفساد بنى لنفسه دولة. فكيف السبيل إلى مكافحة الفساد وحماية الدولة في الوقت ذاته؟

تلاحظ الحكومة في مخطط عملها أن الفساد كممارسة غير أخلاقية وغير قانونية تسبب في أضرار جسيمة للاقتصاد وشوه الفعل السياسي وأدى إلى تدهور العلاقة بين المواطن والدولة قبل أن تلتزم بالقيام بمعركة حازمة ضد الفساد والمحاباة والمحسوبية. وقد اقترحت جملة من الإجراءات على ضوء النقائص التي لوحظت خلال عمليات مكافحة الفساد التي عرفتها السنة الماضية وهي التدابير التي ستصدر ضمن إصلاح المنظومة القانونية الموروثة لمكافحة الفساد. ومن بين هذه التدابير إنشاء وكالة وطنية تشرف على مصادرة وإدارة الأصول الخاضعة للرقابة القضائية، وتدابير أخرى لحماية المبلغين ورفع العقوبات المالية على الأشخاص الاعتباريين في جرائم الفساد إلى جانب إلغاء الامتياز القضائي وغيرها من التدابير التقنية التي لن تجد لها سبيلا إلى التنفيذ إذا لم تتوفر إرادة قوية للذهاب إلى تغيير شامل لنظام الحكامة وإلى إصلاح كامل للدولة. ولن يذهب الفساد إلا بنهاية الريع والاستبداد.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك