3 عقود من التعددية .. النظام والمعارضة في قفص الاتهام

في ذكرى أحداث 8 أكتوبر، فاعلون وسياسيون لـ”الوسط”:

تعود ذكرى الـ5 أكتوبر 1988 لتعود معها صور الأحداث والضحايا ومعها إعلان التعددية في الجزائر، وهي التعددية التي تسيل الكثير من الحبر، حول ثقل وتباطؤ خطواتها، ومدى السير باتجاه تكريس الديمقراطية والخروج من نفق الانتقال الديمقراطي والصور الشكلية بعد 3 عقود من انطلاق العملية، وحول تلك الإشكالية تمحورت غالبية آراء من حدثتهم الوسط من فاعلين جعلوا كلا من النظام والمعارضة في قفص الإتهام.

بوضياف

الإصلاحات تتقدم وسط شوائب من الغموض السياسي

قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة المسيلة محمد بوضياف، في تصريح للوسط بأنه بعد تعثر كبير عرفه المشروع الديمقراطي الطموح في الجزائر، وبعد تقدير قامت به السلطة سنوات التسعينات تم بموجبه إلغاء المسار وتسبب في مأساة وطنية، استعادت الجزائر الأمل مطلع الألفية الثالثة من خلال الوئام المدني والمصالحة الوطنية، مضيفا:” مع كل هذا انتظمت في إطارهما العملية الانتخابية وفتح باب المنافسة والتعددية ، ولو على المستوى القاعدي ” المجالس المحلية ” من جديد أمام الأحزاب والقوى كمؤشر أولي على استقرار الفعل الديمقراطي مع ما شاب ذلك من نقائص”.   

وفي ذات الشأن قال  ذات الخبير بأن المشروع السياسي في تلك الفترة كان يحتاج إلى كثير من الإصلاحات داخل بنية السلطة ” مركزيا” في حد ذاتها وتكريس التداول على السلطة وإزاحة الكثير من العوائق والصعوبات،  وقد استطاع الرئيس بوتفليقة بوصفه صاحب برنامج الإصلاحات وفي نفس الوقت قائد القوات المسلحة ووزير الدفاع حسب بوضياف أن يجري عمليات جراحية ناجحة في قطاعات أمنية وعسكرية حساسة كانت ترتهن العملية السياسية وتكريس مبدأ التداول على السلطة داخلها والزمها حدودها الدستورية ، وهاهو اليوم يجري نفس العمليات داخل العمود الفقري للدولة ممثلا في الإدارة ومن يقف عليها من ولاة وأمناء عامون، وهذا بالتوازي مع تعزيز صلاحيات المنتخبين من خلال ترقية النصوص القانونية التي لها علاقة بصلاحياتهم.

وفي ذات السياق أكد ذات المصدر بأن العديد من المؤشرات توحي أن الإصلاحات السياسية تتقدم ولو شابها الكثير من الغموض لأن المسار نوعا ما متسارع وشديد يحتاج إلى مرافقة إعلامية وصحفية تنور الرأي العام خاصة، هذا إذا سلمنا بأن المقاومة حسب المصدر ذاته كبيرة من بقايا النظام السابق وأعرافه وتقاليده في الحكم وحتى قوة أدواته الإعلامية الرافضة لما يقوم به السيد الرئيس، مشددا في نقطة أخرى بقوله:”باختصار هناك تكريس للتعددية وحرية على مستوى الثقافة السياسية ، هناك تعددية في الحراك الاجتماعي متنوع وعلى كل المستويات ، هناك إصلاحات دستورية تتطور بحسب تطور النظام السياسي وأخيرا عملية سياسية منتظمة يشارك فيها كل الطيف الوطني”.

أحمد الدان

30 سنة من التعددية والجزائر تعيش ديمقراطية شكلية

نائب رئيس حركة البناء الوطني، أحمد الدان شدد في تصريح خص به الوسط على أن الجزائر اليوم وبعد 30 سنة من إقرار الديمقراطية والتعددية لازالت تسجل الحرية الشكلية ولكن بدون تنافسية آمنة، حيث قال:”للأسف في الجزائر تتقدم الديمقراطية الشكلية وتتراجع الحقيقة الديمقراطية لكون ما يسيطر اليوم هو منطق القبيلة والمقاولة أو منطق العرش والمال وبالتالي تتراجع الثقافة والنخب وتصبح الأدوات الأساسية في صناعة الرأي العام وعلى رأسها السياسة والإعلام تابعة لمراكز نفوذ مالية تعيد الإشكالية التاريخية في سيطرة السلطة على المثقف وعلى الوسائط الإعلامية وعلى الأمام”.

الدان لم يتوقف عند هذا الحد سيما وأنه أكد أن 5 أكتوبر 1988 أسست للتعددية لم تكن نشأتها خالصة للديمقراطية وإنما كان فيها فواعل خارجية أخرى استهدفت قيم المنظومة السياسية القديمة مثلما نراها اليوم تعيد استكمال نفس برنامج ضرب مكونات السلطة السياسية ليس لصالح الديمقراطية وإنما لصالح الصفقات وتصفية الحسابات.

حمدادوش

مآلات 1988 لم تكن في مستوى طموحات الشعب

من جهته القيادي في حركة مجتمع السلم ناصر حمدادوش، أوضح في اتصال ربطه بالوسط أن مآلات ونتائج أحداث أكتوبر 1988م لم تكن في مستوى طموحات وآمال الشعب الجزائري عموما والشباب خصوصا، واتضح بأنها لم تكن انتفاضة شعبية خالصة، بل هي انعكاس يضيف ذات المصدر لصراعات بين أجنحة النظام، وفي ذات السياق اعتبر أن السلطة استطاعت بعد ذلك بأن تبني نفسها والتفت حول التعددية تحت غطاء ما سمته مكافحة الإرهاب.

حمدادوش راح إلى أكثر من ذلك لما شدد على أن ما نعيشه اليوم ما إلا ديمقراطية الواجهة متابعا:” لا زلنا بعيدين عن تكريس الديمقراطية الحقيقية عبر المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص بين الجميع،  فحالات العزوف والاستقالة الطوعية من العمل السياسي واليأس من التغيير عن طريق الصندوق هي السّمة الغالبة على الشعب الجزائري”، في حين أكد بأنه لا يمكن المقارنة بين الآحادية والتعددية، ولا المقارنة بين الحكم الشمولي العسكري المباشر وبين غيره.

بن عوف

لا وجود لأي تعددية بالجزائر

أما المناضل في جبهة القوى الاشتراكية إبراهيم بن عوف، بأن الديمقراطية وتكريسها في الجزائر  لا يمكن الحديث عنها إطلاقا لكونها غير موجودة، سيما وان السلطة لازالت تمنع المجتمع المدني من إحياء ذكرى أكتوبر 1988  لأسباب مجهولة، وهذا دون نسيان خطوات أخرى لا تمت بصلة الديمقراطية، ما يجعلنا نعيش ديمقراطية شكلية لا غير.

الإعلامي عثمان لحياني

قواعد اللعبة السياسية لازالت بيد السلطة منذ 30 سنة

وفي الأخير الإعلامي والكاتب الصحفي عثمان لحياني أوضح في تصريح للوسط بأن أكتوبر 1988 كان مطية منجزة التعددية الذي أنهى حكم الشمولية الأحادي، لكن يقول :” للأسف زمام المبادرة وقواعد اللعبة ظلت بيد النظام ولم تنتبه قوى المعارضة الطموحة للمنجز الديمقراطي لذلك ودخلت في صراع بيني فيما كان يفترض ان يكون الصراع الحقيقي مع السلطة لإعادة صياغة قواعد اللعبة وتركيز قواعد الديمقراطية”.

ويشر

الديمقراطية في الجزائر لا تزال فتية

من جهته أكد النائب عن تجمع أمل الجزائر عبد الغني ويشر في تصريح لـ”الوسط”، أن الديمقراطية في الجزائر لا تزال فتية لكن ذلك لا ينقص من مسار الجهود المبذولة، داعيا للعودة لتاريخ الديمقراطيات الكبيرة وكم من عقود أمضت لإرساء قواعد ديمقراطية حقيقية بدل الغرق وسط الشكليات، عائدا للجزائر بقوله أن الجزائريين دفعوا ثمنا باهظا بداية من أحداث 5 أكتوبر ثم الشعرية السوداء، وصولا للمخاض الكبير الذي تعرفه المرحلة الحالية من أجل ترسيم معالم الديمقراطية، في ظل ظروف وصفها بالصعبة داخليا وخارجيا، فبداية من الداخلية التي قال إنها سائرة أكثر في اتجاه التغير بداية من إخراج الجيش من دائرة الحكم وفقما تم خلال السنوات الأخيرة “الاستخبارات”.

أما خارجيا فربط ويشر الوضع الصعب بالنظام الدولي الذي قال انه أصبح أكثر فاشية أكثر مما كان عليه سابقا، في ظل التكالب على المنطقة العربية، ومنطقة الجوار كدليل ثان وهو ما يصعّب من وضعية الجزائر أكثر.

وأضاف محدث “الوسط” أن الديمقراطية الفتية في الجزائر في ظل مختلف الصعوبات طغت عليها في بعض جوانبها الشكلية أو الصورية أكثر من الجوانب الفعلية، وسط تجاذبات الموالاة والمعارضة، معتبرا أن المعارضة لحد الآن مل تستطع إثبات وجودها وبقيت معارضة للموالاة بدل أن تكون معارضة للنظام ككل، كون المعارضة هي من تفرض التغيير والسير باتجاه الديمقراطية أكثر عبر التداول إلا أن الواقع بالجزائر ضعف المعارضة وعدم القدرة على تقديم بديل.

لكن بالمقابل دعا ويشر إلى النظر للجانب المملوء من الكأس من خلال الإنجازات المحققة، فنجد قنوات للإعلام ورغم كل السلبيات لكنها تبقى عامل إيجابي يعبر عن التعددية والحريات، كما أنه لا يوجد تأجيل للعمليات الانتخابية وهو ما يعد أيضا استقرارا ديمقراطيا وإن كانت تحتاج إلى تدعيمها ببعض الاحترافية لتثمينها، محددا فترة 30 سنة أخرى كأمل لبلوغ ديمقراطية فعلية.

وحول واقع الديمقراطية في الجزائر سبق وأن حددت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عدة نقاط لتقييم الوضع الحالي بداية من عزوف المواطنين عن الانضمام للأحزاب بسبب ضعف الأداء الحزبي وعدم وجود الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب السياسية التي لم تتحرر من فكرة الزعيم، مستدلة بعينات عدة أحزاب متسائلة “أين هي الحركة الديمقراطية للتجديد الجزائري  بعد وفاة سليمان عميرات، ما محلها من الإعراب حركة مجتمع السلم بعد وفاة الشيخ محفوظ نحناح، وما محله من الإعراب حزب الجبهة القوى الديمقراطية بعد وفاة حسين آيت أحمد، أين هو حزب التجديد الجزائري بعد تخلي نور الدين بوكروح عليه”، إلى جانب إشكالية الهوية والدين والتاريخ كعامل استغل حزبيا بدل التركيز على شرعية الآداء والمواطنة، معتبرة أن بروز مبادرات سياسية مع كل موعد انتخابي رئاسي في الجزائر، بألوان مختلفة يعد دليلا على تحول العمل الحزبي إلى عمل مناسباتي، يضاف إلى تشابهها وهو ما أسهم في تقليل دورها وإضعافها أمام الرأي العام.

وبالعودة إلى خلفيات وأسباب أحدث 5 أكتوبر 1988، فدعت الرابطة إلى التصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك من خلال تبني سياسات فعالة لمعالجة الاختلال في توزيع الثروات والدخول بين فئات المجتمع. أما سياسيا فدعت لضرورة أن تعي الطبقة السياسية بأن الإصلاح والتغيير في الحياة السياسية والاقتصادية عملية ديناميكية ومستمرة تعبر عن تجدد روح وشباب المجتمع وقدرته على التعايش مع المتغيرات المحيطة، وأن غياب عملية الإصلاح والتجديد والحرية والديمقراطية سببا الجمود الفكري والاجتماعي وتهميش المجتمعات والقضاء على دورها الإقليمي والدولي، مع ضرورة تهيئة الشباب.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك