1ـ الهروب !!

يوميات السجين فوق العادة:

بقلم: أحمد قصوري

                                                                                

الناس يا أخي أراها من وراء قضبان نافذتي، تخرج، وتشتري، وتتمشى، وأنا حبسوني في البيت، وأغلقوا علي جميع المنافذ. لا صحف، ولا سجائر، واشتقت كثيرا إلى الهواء الخارجي. توسلت، وقدمت كل الضمانات على أني لن أصافح، ولن أتحدث إلى أحد، ولن ألمس أي شيء، وأراعي المسافة القانونية بيني وبين أي عابر طريق. وبدون جدوى:

ـ أنت فوضوي، وخروجك فيه خطر على الجميع !

هكذا قيل لي، فألجمت.

ثم تذكرت فيلم “الهارب من الألكتراز”. وراحت الفكرة تختمر في رأسي. عندما نجلس إلى مائدة الطعام، يأكلون ويتحدثون، وأنا ذهني مشغول بإعداد خطة الهروب. أحيانا أغرق في تفاصيل التنفيذ، فأنسى نفسي، وأتوقف عن المضغ، وعينيي في السقف، ويفاجئونني بالسؤال:

ـ لماذا لا تأكل؟

فأنتبه، وأعود فورا إلى الطبق.

عندما انتهيت من إعداد الخطة،  قلت في نفسي أن أهم مرحلة في الإنجاز، هي لحظة الخروج. إن نجحت في التسلل إلى الخارج قبل انطلاق صفارة الإنذار، فالخطة سليمة. ورحت بعد ذلك أتدرب، كما يفعل أي عسكري نبيه، قبل أن يقدم على عملية خطيرة.

وأنا لا أنام كثيرا. أستيقظ  في الغالب، على الثالثة، أو الرابعة صباحا، لأقرأ أو أكتب، أو أظل في الفراش أفكر، ولا أفعل شيئا… وجربت الخروج مرتين، ومرت الأمور بسلام. في المرة الثالثة، تأخرت، لكي أجد المحلات مفتوحة.

مشيت مقدار نصف ساعة في الخلاء. لم ألتق بشرا. التقيت كلبا. توقف، وتوقفت، وفي نيتي أن ألتقط حجرا. تفحصني مليا، ثم، كمن يئس من أمر ما، واصل طريقه، كأن شيئا لم يكن. ومن ناحيتي أيضا، واصلت طريقي، كأن شيئا لم يكن. لكنني بعد أمتار، تأثرت لحاله، وندمت على ما بدر في ذهني، وقلت لعله جائع، وتوسم في خيرا، فخيبت أمله.  ثم اشتريت الصحف وحشرتها في بطني تحت القميص، ووضعت علب السجائر في جيوبي، وقفلت راجعا. وعندما اقتربت من البيت سمعت وشوشة عند النافذة. وما إن وصلت أمام الباب حتى انفتح فجأة، وخرج كل أفراد العائلة: أشاروا إلي بأيديهم في حركة واحدة سريعة، وصرخوا:

ـ توقف حيث أنت، ولا تتقدم خطوة !

وأنا اضطربت من هول المفاجأة، وألصقت ظهري إلى الحائط المقابل، حتى سقطت الجرائد من تحت القميص، وواحدة من علب السجائر التي لم تكن تمسك نفسها جيدا داخل الجيب، وقلت:

ـ كنت أتمشى هنا في محيط البيت. ماذا حدث لكم؟

وانطلقت محكمة التفتيش. قال أولهم:

ـ أجب عن الأسئلة بدقة، ولا تحاول المراوغة. على أية ساعة غادرت البيت؟

ـ السابعة. قلتُ

ـ إلى أين ذهبت؟ أذكر الأماكن بدقة..

ـ تمشيت قليلا في محيط  المنزل، ثم قصدت الكشك القريب، اشتريت صحفا، وسجائر، ورجعت.

ـ هل التقيت أحدا؟

ـ لا !..نعم..نعم، التقيت كلبا..

ـ هل تعتقد أننا نمزح ؟ قل، هل لمست شيئا؟

ـ لا ! وآلمني كثيرا أنني لم أملك طعاما أعطيه للكلب.

فقال، موجها كلامه ناحية ثالثهم، العارف بمسائل الطب:

ـ هل الهذيان من أعراض المرض؟

ـ لا، فقط الحمى، والسعال، والعطس، وضيق التنفس.

وعاد، يواصل التحقيق:

ـ ومن فتح لك باب الفناء الخارجي؟

ـ أنا..

فصاح الثاني:

ـ آآآه، شفت كيفااااااه؟ لقد لمس الباب الذي  يمر منه كل السكان، ودخل إلى الكشك. لابد أن يخضع للتعقيم الشامل حالا..

وعاد الأول يقول بحزم:

ـ عندك محلول تعقيم؟

ـ عندي.

ـ أخرجه، وعقّم يديك.

أخرجت أنبوبة المحلول من جيبي، وسكبت قليلا في كفي، ودهنت يداي.

ـ حسنا، اخلع سترتك الآن، واطوها على وجهها الباطني، وضعها على الأرض.

نفذت ما قاله بالحرف، ثم اقترب هو قليلا، وكان يضع كمامة، وفي يديه قفازات، وانحنى إلى الأرض أمامي، وقال:

ـ ارفع رجلك اليمنى.

رفعت رجلي اليمنى. وراح يفك خيط فردة الحذاء. ثم خلعها ووضعها في كيس بلاستيكي أمامه، وقال:

ـ ابق على هذه الوضعية ولا تتحرك.

وصاح ناحية الثالث الذي كان واقفا في مدخل الرواق:

ـ هات له حذاء منزليا.

وضع فردة الحذاء المنزلي تحت قدمي اليمنى، وقال:

ـ نزّل قدمك اليمنى الآن، وارفع قدمك اليسرى.

فعلت ما أمرني به، وألحق هو فردة الحذاء الثانية بأختها التي في الكيس البلاستيكي، واعتدل قائلا:

ـ ادخل الآن.

ولما لمحت ذلك الثالث يأخذ السترة ويجري بها إلى الغسالة، صرخت بقوة:

ـ  الوثائق، والنقود، والتبغ، داخل الجيوب !!

قال:

ـ لا تقلق، سنعيد إليك كل الأشياء بعد تعقيمها.

عندها قال الثاني، وهو يتنحى جانبا، حتى لا ألمسه عند مروري في الرواق:

ـ توجه مباشرة نحو الحمام، ولا تلمس شيئا في طريقك. اخلع ملابسك هناك، واتركها على الأرض، وادخل الحوض، وخذ حماما ساخنا، وستجد هناك ملابس جديدة معلقة على المشجب.

وأنا بعد هذه التجربة المريرة، اتخذت القرار نهائيا، وبدأت أستعد بحماس للحظة الحاسمة. أخرجت حقيبتي من الخزانة، بعد منتصف الليل، ووضعت فيها بعض اللوازم الضرورية. بعد آذان الفجر مباشرة، أخذت المفاتيح، والوثائق، والحقيبة، ثم خرجت بهدوء، ودفعت بالسيارة خارج الفناء بدون تشغيل المحرك، وما أن وجدت نفسي في الفضاء الرحب، حتى أطلقت العنان للسيارة، وتوكلت.

شدني الحنين فجأة إلى القرية. إنها مهد طفولتي، ومرتع صباي. البيت هناك متواضع. هناك بئر ماء، وحديقة فيها أشجار ونبات، والحطب متوفر في الحقول عند الحاجة. وجدت الكهرباء مقطوعة، بسبب الغياب، والفواتير المتأخرة. لم يقلقني ذلك. فأنا بحاجة الآن إلى عزلتي. لست من متتبعي الراديو، ولا التلفزيون. ولست من مدمني الإنترنيت  والفايسبوك. ولا أريد لأي شيء أن يقتحم علي هذه اللحظات التي أريد أن أجلس فيها إلى نفسي.

والقراءة إذا؟ والكتابة؟

سأقرأ وأكتب على ضوء المصباح الزيتي، الذي لازال في مكانه منذ كنت أراجع دروسي تحت ضوئه في الطفولة والمراهقة. ولدي ما يلزم من ورق، وأقلام. وإن  لزم الأمر، سأصنع حبر “السمخ” من صوف الشاة، وأخرج إلى الطبيعة لأصنع الأقلام من قصب الوديان، وقد أعود إلى استعمال الصلصال، والكتابة على اللوح..

وأنا وجدت المرأة العجوز التي أعرفها، عند مدخل القرية. كانت تقود حمارا عليه كيس الدقيق. قالت:

ـ لقد صارت القرية كلها ملك لي الآن، بعد أن غادر السكان إلى المدينة.

القرية هجرها معظم سكانها منذ زمن بعيد، بسبب العمل في المدينة. ومن تبقى منهم هجّرتهم الحكومة بسبب انجراف التربة خلال التسعينيات. وبقيت هناك عائلة واحدة معدمة في طرف المقبرة تعيش على ما توفره الطبيعة في القرية، والعجوز التي تسكن عند المدخل الأعلى. وهي تعيش وحيدة، وقد توفى زوجها منذ سنوات، وليس لها أبناء، وتتقاضى إعانة مالية زهيدة تسحبها في منتصف كل شهر عند مكتب البريد بمقر البلدية في القرية المجاورة..

وبحسب ما حكت، أنها ركبت الحمار هذا الصباح، كعادتها في كل شهر. سحبت النقود، وقصدت الدكان عند مقر البلدية.  وهي استغربت من خلو الطريق من المارة، والمدرسة مغلقة، والقهوة مغلقة. فسألت صاحب الدكان، وقال لها:

ـ  هناك رجل  في المدينة ذهب إلى العمرة، وبعد عودته اكتشفوا أنه مريض. وهو الآن في المستشفى. وأفراد عائلته كلهم محبوسون في البيت. والجيران يشترون لهم الحاجات ويضعونها على عتبة الباب، ثم يدقون، ويهربون.

وهي سألتني:

ـ هل تعتقد أن البيت مسكون؟

ـ بيت من؟

ـ بيت الرجل المريض.

ضحكت أنا، وفكرت في أن أشرح لها مسألة الوباء، والعدوى التي تنتقل من شخص إلى آخر، والاحتياطات، لكنني تراجعت. قلت في نفسي أن المسألة معقدة، ومقلقة ربما. ثم وفي كل الأحوال، هي وحيدة، ولا صلة لها بأحد.

لكنها أوقفت الحمار، بعد أن جاءت أمامه، وشدت بيديها على أذنيه، وقالت:

ـ صاحب الدكان قال خذي حاجتك لمدة طويلة، والتزمي البيت، حتى لا يلحقك المرض. وكيف أسحب الإعانة، وكيف أشتري الدقيق؟

وأنا طمأنتها، بأن المسألة لن تأخذ وقتا طويلا. ثم أن الأمور يمكن أن تُدبّر، وأزحتُ يديها النحيلتين من أذني الحمار وقلت :

ـ تعالي الآن اصنعي لنا كسرة الشعير التي تتقنينها جيدا، واحلبي الشاة، لنمضغ شيئا نظيفا..وبعد ذلك لكل حدث حديث..

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك