يوم يُستعمل الفايسبوك كسلاح سلبي ؟ا

رهانات النيوميديا

بقلم : جمال نصرالله

 

عانت المجتمعات العربية حتى لا نقول مجتمعات العالم الثالث.منذ سنة2005 ،وهو تاريخ خروج عالم الفايسبوك للوجود،من الانفتاح الرهيب الذي ترك أثره البليغ في النفوس ،والأفئدة وحتى العقول والنشاط اليومي للإنسان جراء طلوع وبزوغ هذا العالم الافتراضي للوجود والواقع اليومي،ففي الوقت الذي قرّب المسافات واختصر الكثير من عوائق الاتصال،وكشف حتى خبايا النفوس ،أو بالأحرى كان قد فتح المجال (أي الأبواب) لكل من هب ودب،غير تارك لأصحاب الاختصاص من تخصص يُحترم أويُبجل،فلم تعد هناك فئة تسمى بالإعلاميين ولا فئة أخرى تُنعت بالمصورين ،ولا بالكتاب أو الفنانين ،ولا حتى بالمشهّرين من أصحاب الوكالات الإشهارية المعتمدة،وجراء كل هذا ماتت المواهب الفذة والعبقريات،والتي كان يوصف بها أصحابها ،وهم يتسيدون ،ويسطرون على المشهد دون غيرهم ؟وصارت مسالك وسبل  النصب والاحتيال والتزوير وتقمص الشخصيات.

هي أسهل الطرق مرورا وعبورا،ونتيجة كل هذا عمّت الفوضى ،وعششت الرداءة بكل ألوانها وأشكالها،نتيجة عدم احترام التخصص كما أشرنا وكذلك عدم احترام الأجيال لبعضها البعض،فصار هناك قفز مفضوح وحرق للمراحل،والأبغض من كل هذا أن العالم الأزرق هذا أضحى بين عشية وضحاها منبرا خصبا ،وواسعا للتنابز والقدح العشوائي، بحجة أنه يبيح لك التخفي والتعبير من وراء حجاب ،أي استغلال تقنية الأسماء المستعارةـوالتحدث بكل حرية..وكأنه يراد بالقول أنه صار كالإسفنجة التي تمتص إفرازات النفوس الأمارة بالسوء ،حتى لا نقول النفوس الشريرة والتي تجد في هذا العالم الجميل مبتغاها المأمولـ بحيث هو ساحة للإفراغ والتقيؤ الآلي.لكل ما تتركب منه  بواطن النفوس من عقد وصدمات ـوهذا يتيح لعلماء النفس الفرصة السانحة كي يختبرونها ويحللونها بدقة متناهية ـبعيدا عن حضورها الشخصي للمخابر والعيادات ،بل يقصّر لهم المسافات ، ويختصرها لأجل إيجاد وصفة دقيقة لهموم الإنسان المعاصرـ وأكيد أن كل هذا يدخل ضمن أنه وسيلة سيئة.لم تجلب معها إلا الوبال ـفي المقابل هناك من يرى بأنها وفيرة المنافع ويعددها لك أمام عينيك،حين يبيّن لك الكثير من الأمور،كنت أنت  تبذل لأجل الوصول إليها الجهود تلوى الأخرى، لأن الاتصال هو أهم وسيلة للتقدم البشري و بفضله ذهبت الأمم في الضفة الأخرى بعيدا عنا بسنوات ضوئية لكن أي بشرية يُقصد بها.وكأنه جدير بنا القول أن الفايسبوك هذا يصلح لمجتمعات دون أخرى.

وأن مخترعه بنى فكرته على طبيعة المجتمعات الأوروبية وشبه الأمريكية المتحضرة وليس لأجل جمال عيوننا نحن ممن نُحسب ولازال على المجتمعات الأقل انفتاحا على بعض وعلى الغير .

والتي لازال يحصّنها ويحميها منطق القبيلة والعشيرة ،وهي غير المؤهلة لأن  تكون جاهزة للنقد والشفافية.واحترام الرؤى المختلفة والمتباينة .بل تتعمد التخفي والتستر،وتحب دوما العيش تحت جنح الظلام..لقد كان بمكان أن يكون الفايسبوك وسيلة عصرية متقدمة جدا بين أيدي النخب ليس إلا ..والطبقات الراقية والنبلاء ,وليس في صالح العموم.ومنهم الدهماء والمفسدين  وأصحاب النفوس المريضة الموجودين في كل عصر وفي كل زمان ومكان.وزاوية وشارع ,فيتخذون هذه الوسيلة المجانية والمتوفرة بسهولة لأجل أن يتمركزوا ويمتهنوا مهامهم الأكثر من قذرة.. وهم داخل بيوتهم لا جهد لهم سوى أن يسددوا فواتير الاشتراك والتعبئة …الفايسبوك إذا ترك الأجيال من مختلف الأعمار تتعارك وتتصادم فيما بينها ..وهذا ما جعل الأزمة الأخلاقية تزداد حدة وفي المقابل تتصاعد التفاهات المراهقة وتصبح لها قرونا حادة تنطح بها من تشاء ووقت ما تشاء ؟ا  وقد بيّنت التجارب بأن الوسائل التكنولوجية المتطورة إذ وقعت بين أيادي غير آمنة أو بالأحرى تجهل استخدامها حولتها من قيمة فكرية حضارية إلى وسيلة هدم وتخريب.وأهم نقطة أنه أي الفايسبوك كتحصيل علمي فعلا يظل سلاحا ذو حدين..استخداما وتوجيها .ولكن يا حبذا أن يفكر صاحب  هذه المؤسسة في استحداث تقنية جديدة لا تسمح لمن هب ودب أن يشترك في هذا العالم بل تُفرض شروط معينة تتعلق بالسن والمؤهلات الفكرية والعلمية؟ا وهذا ما سمعنا عنه كمشروع لكنه لم يُجسد بعد؟ا.

نأمل أن يتحقق ذلك لأجل ألا يُغلق هذا العالم التقني في وجوهنا ونعود نحو نقطة الصفر،ونقصد كأمة عربية باذلين جهودا أكبر وأكثر لتطوير ذواتنا ومعارفنا،فقدرما هو نقمة عند العموم ,فهو نعمة عند الأجزاء المتبقية،ونقصد تلك الفئات المحبة والتواقة للعلوم والمعارف،لأنه صراحة ما وفرته هذه الوسائل الحديثة للإنسان في ظرف سنين وأشهر،عجز عن تحقيقها الإنسان الذي عاش من قبلنا لعشرات السنين في التحصيل والجني؟ا يوم كان يسافر من بلد لبلد فوق ظهور الأحمرة كي يجلب المعلومة والخبرة والشهادة والحديث والاعتراف…التي أصبحت اليوم تُحصل وأنت جالس على أريكة وثيرة ومريحة ؟ا فقط كما قلنا لابد ألا تترك هذه الهبة بين أيادي آثمة بل وجب على الفايسبوك هو أن يختار أشخاصه وأناسه وليس العكس؟ا

 

شاعر وناقد أدبي

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك