يكرسون باطلهم ويوزعون علينا الأوهام

في فلسطين

بقلم: صالح عوض

يحوّلون القضية شيئا فشيئا عن طبيعتها.. الآن يعلو الحديث عن الضم لبعض مناطق الضفة بعد أن الغوا الحديث عن اغتصاب فلسطين، نتعرض لمؤامرة تشويه القضية فهناك من يتعامل على أنها تبدأ بعد نكبتها في 1948 بل إن كثيرا من المثقفين ومناهج التعليم العربية تؤرّخ لقضية فلسطين من هنا.. يريدون شطب أعظم صفحات كفاحنا عبر ثلاثين سنة ليشطبوا معه حقنا بفلسطين.. 

فقبل قرن بقليل دخلت عصابات صهيونية قليلة تحت جنح الظلام من قبائل الخزر وشتات أوربا الشرقية بحماية بريطانية أوربية أمريكية سوفيتية، تسللوا بإذونات استعمارية لبناء مستوطنات في الأراضي الحكومية، يحوطون حيفا ويافا والمدن الفلسطينية العامرة.. وبعمل مترابط انجليزي صهيوني مدعوم من عصبة الأمم ثم مجلس الأمن تم قمع الشعب الفلسطيني وقد عزلوه عن بلاد الشام.. 

وبعد قرن من الكفاح والآلام يقترحون علينا كانتونات في فلسطين في مدن كانت قرى وبلدات “الضفة الغربية”  في زمن فلسطين الحضارة والكيان الواحد وقد استعمروا يافا وحيفا وعكا والناصرة وصفد وبئر السبع واللد والرملة والقدس يعني فلسطين وشردوا أهلها.. فأي انقلابا في المفاهيم قد حدث؟ وأي اضمحلالا للحق حصل؟ وأي تراجع عن فلسطين؟!! بعد قرن نكتشف مع منطق التسوية أن فلسطين أصغر بكثير مما هي في وجداننا ووجدان ثورات شعبنا! وأصغر بكثير مما رسمته الجغرافيا التاريخية،.. بعد قرن نكتشف أن الضعف والضبابية أخطر من طغيان العدو وبطشه. ماذا يريدون الآن بحكاية الضم لمناطق في الضفة؟ يريدون أن ينسونا روايتنا حول كل فلسطيننا.!! فهل يتنازل الشعب الفلسطيني عن أكثر من 80 بالمائة من أرض فلسطين؟.. فإلي أين نسير؟ وهل هناك إمكانات للخروج من سياق الهزيمة والاتفاقات السراب.؟ 

منهج الكفاح:

منذ وطأت أقدام جنود الاستعمار البريطاني ارض فلسطين واحتلال القدس الشريف هبت طلائع الثورة الفلسطينية والمقاومة بكل أشكالها قادها كبار العلماء والشخصيات الاجتماعية الفلسطينية  وقيادات عربية شامية وكان النضال الفلسطيني خلال ثلاثين عاما لاحبا بالبطولات والشهداء والملاحم التي أوقعت في العدو خسائر فادحة وشهدت إجرامه وتعديه لكل القوانين الدولية.. ومن أهم سمات تلك المرحلة ان القيادة الفلسطينية كانت تدرك أن الاستعمار البريطاني يخبئ تحت ثيابه استيطانا صهيونيا يجعل من الأرض وسيلته المثلى.. ومن هنا اتسمت ثورات فلسطين في هذه الفترة الزمنية الصعبة بمفاهيم واضحة محددة أولها مقاومة الاستعمار البريطاني ورفض الانتداب على فلسطين ورفض تقسيم بلاد الشام ومقاومة التسلل الصهيوني الاستيطاني.. وأدرك قادة فلسطين من السنوات الأولى ان المظاهرات والشجب والإدانة لا تكفي وانه لابد من كل الوسائل الملائمة والممكنة.. لقد كان الخلل في ميزان القوى كبيرا جدا ولقد ترك الفلسطينيون وحدهم بإمكاناتهم المحدودة يواجهون الاستعمار البريطاني والقرار الدولي-البريطاني المسمى بوعد بلفور.. وفي تلك المرحلة كان الدفع الغربي للمشروع الصهيوني بأقصى قوة ولم يقبل الفلسطينيون بأي تنازل عن أي شبر من ارض فلسطين وهم الأضعف.. حلت النكبة في فلسطين باعتراف الأمم المتحدة بقيام دولة إسرائيل على ارض فلسطين بناء على قرار التقسيم الاممي.

تواصل نهج القيادة الفلسطينية بهذه الرؤية بعد النكبة وكان العدو الصهيوني وبتأييد غربي يبدي استعداده لترسيم حدود و إجراء مفاوضات تفضي لتطبيق قرارات التقسيم.. إلا أن موقف قيادة الشعب الفلسطيني يومذاك كانت ترفض أي تعديل يمس فلسطين التاريخية العربية الإسلامية.. في المقابل لم يكتف النظام العربي بتفريطه في حق نصرة فلسطين، بل تواصل في التفافه على المقاومة الفلسطينية ممثلة بقيادتها يوم ذاك الحاج أمين الحسيني بعد أن أعلن عن تأسيس حكومة عموم فلسطين لاستئناف الكفاح واسترداد ما اغتصب من فلسطين.. اعتقلوا الحكومة وطردوا الحاج أمين الحسيني من مصر إلى لبنان.. وهنا لا أهمية في ذكر لون النظام العربي فالجامع الثابت له التنازل عن فلسطين.. بعد غياب القيادة فلسطينية من الوجود لمدة تقارب 15 سنة انطلقت الموجة الأخيرة من المقاومة الفلسطينية تؤكد على كل الثوابت الفلسطينية التي رسمتها ثورات فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين واستمرت بنفس النهج في سنواتها الأولى رافضة التسوية والمفاوضات والتنازل حتى سنة 1974.

منهج التسوية:

يتعرض الشعب الفلسطيني الآن لأكبر عملية تضليل وهو يحاول الإجابة عن أسئلته: عم يدافع و ما هي الوسيلة؟ ومن هو شعب فلسطين وما هي حدودها؟ أسئلة أجابت عليها اتفاقات أوسلو التي منحت اعترافا بدولة إسرائيل والتي تجاوزت حقائق التاريخ والجغرافيا وكفاح الشعب.. ثم ليبدأ أسوأ الفصول تصارعنا وتباعدنا جراء تنافسنا على الأوهام.. فمن أين بدأت الرحلة-الوهم؟

شعرت القيادة الجديدة للكفاح الفلسطيني بمرارة التخلي العربي عنها بل والمجازر التي لحقت بها في الأردن وطردها من أقرب ساحات الفعل المقاوم واسترجعت مصير القيادة الفلسطينية السابقة الحاج أمين و عبدالقادر الحسيني ورفاقهم لما رفضت موقف النظام العربي حول تقسيم فلسطين.. 

في سنة 1974 وفي مؤتمر للمجلس الوطني الفلسطيني رفعت التوصيات ببرنامج النقاط العشر الذي قدمته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وهو في جوهره يعبر عن الموقف السوفيتي آنذاك لرسم ملامح المرحلة القادمة حيث يصبح قيام سلطة فلسطينية على أي جزء من أرض فلسطين هدفا.. وبدأ التواصل مع جهات دولية وفتح خطوط مع تيارات يسارية صهيونية ومحاولة التأكيد على إمكانية حلول وسط سياسية.. من هنا بدأ الخلل الذي سيستمر بسمته الأصيلة هذه حتى الآن ذلك بان تقدم القيادة الفلسطينية تنازلات قبل أن تضمن أي مقابل حقيقي وليس وهما.. منذ البداية اتسمت مسيرة العملية السياسية الفلسطينية بضبابية حول رؤية العدو ومشروعه وطبيعته ووظيفته فإن أي تدبر لكل واحدة من هذه العناوين يفيد بوضوح أن لا إمكانية لنيل أي شيء عن طريق العمل السياسي والمفاوضاتي.. وهنا يبدو مهما مناقشة الموقف على أرضية التسوية وفكر التسوية لأن الذي جرى ليس تسوية ولا عملا سياسيا أو تفاوضيا إنما بيع أوهام.. ورغم هذا فلقد كان وجود قادة عديدين ممن يؤمنوا بالكفاح المسلح ضمانة لتوفير شروط المقاومة العنفية.. وفعلا سجلت المقاومة الفلسطينية صفحات بطولة طيلة السبعينات وأوائل الثمانيات إلى حين تم إخراج المقاومة الفلسطينية من محيط فلسطين بقرار أمريكي وتنفيذ صهيوني عربي.

ولاشك في أن الاتحاد السوفيتي له الأثر البالغ على ثقافة التسوية في الساحة الفلسطينية وإقناع الفلسطينيين على تبني رؤية واضحة قوية في أنهم يريدون تسوية سياسية وكذلك هناك تيارات في الاشتراكية العالمية وحتى داخل الديمقراطيين الأمريكان دفعت بهذا الاتجاه وقد راج وهم حل الدولتين منذ منتصف الثمانينات وقبل أسلو..

جاء أوسلو في أسوا مرحلة يمر بها الفلسطينيون والعرب بعد حرب الخليج الثانية.. بمعنى جاء في جو هزيمة عربية و تضييق مالي رهيب على الفلسطينيين.. ومن جديد تظهر عيوب المفاوض الفلسطيني انه لم يحدد مرحلة المفاوضات ولا مرحلة العمل السياسي التسووي فبدت المفاوضات كأنها عملية استسلام بالكامل يأخذ المنتصر كل شيء ويتم تأميل المنهزم بعطايا وهمية بعد زمن.. بدأت الاتفاقية  بالتنازل عن 80 بالمائة من أرض فلسطين والاعتراف بوجود دولة إسرائيل.. وعلى أرضية التسوية تظهر مرة أخرى فوضى المفاوض الفلسطيني فلماذا وقد اقتنع بالمفاوضات وبمبدأ التنازل عن جزء من أرض فلسطين لماذا لم يستند إلى قرارات أممية بموجبها تم الاعتراف الدولي بإسرائيل وهذه القرارات الدولية تشترط اعترافا متبادلا متزامنا لدولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية يكون للفلسطينيين ما يقارب 50 بالمائة من أرض فلسطين وأن يعود اللاجئون الى مدنهم وديارهم التي رحلوا منها وتعويضهم عما لحق بهم من أذى.. تجاوز المفاوض الفلسطيني هذه القاعدة التفاوضية الدولية واتجه إلى ترسيم حدود في الهواء والوهم متنازلا عن 80 بالمائة من أرض فلسطين وتاركا كل عناصر القضية الأساسية مثل اللاجئين الى المفاوضات كما الحدود وكل عناصر الدولة القادمة.. بمعنى انه لم يأخذ شيئا أملا في مفاوضات قادمة فيما أعطى لإسرائيل كل شيء..

أدرك ياسر عرفات خطورة الانسياق في هذا النهج الذي لا تنفع معه قدراته العقلية وتكتيكه بان يذهب الى التفسير الفلسطيني لأوسلو.. كانت شخصية عرفات في العمق الاستراتيجي لا تقبل توقيعا على صلح مع إسرائيل قبل الحصول على عناصر القضية وعلى رأسها عودة اللاجئين في حين يرى الصهاينة ان عودة اللاجئين إنهاء لمشروعهم العنصري وعندما أرغمه الأمريكان والصهاينة على الحضور لكامبديفد للتوقيع على اتفاقيات تصيغ اتفاقية أخرى تكرس تبديد عناصر القضية الفلسطينية رفض واعتبر ان ما أنجز من أوسلو فلسطينيا هو مكسب للشعب الفلسطيني وان الشعب الفلسطيني قادر على استئناف الكفاح مرة أخرى.. هنا تظهر من جديد عيوب العملية السياسية.

فبعد استشهاد عرفات اتجهت القيادة الفلسطينية بقوة ووضوح تام نحو المفاوضات سبيلا أوحدا وكان هذا يستلزم إبداء مزيد من حسن النوايا التي كرست التنسيق الأمني وبناء أجهزة أمنية بإشراف أمريكي.. كانت القيادة الفلسطينية كما يبدو تريد نزع أي حجة لليمين الصهيوني وإقناع الأمريكان والأوربيين بان السلطة الفلسطينية مؤهلة لتسيير دولة على ارض الضفة الغربية وقطاع غزة.

الواقع يقول ان كل جهود القيادة الفلسطينية انتهت الى فشل ذريع كما أعلن رئيس السلطة الذي اتهم أمريكا بالتلاعب والمماطلة منذ البداية وإنها هي من خرب الاتفاقيات وافسد روحها واتهم الحكومات الصهيونية بأنها تجعل من موضوع المفاوضات هدفا في ذاتها وان السلطة توفر على الاحتلال تكلفات باهضة مادية ومعنوية.. والواقع يقول ان السلطة تفقد سلطتها شيئا فشيئا وأنها تعيش الآن أقسى ظروفها السياسية والمادية وقد أحبطت جراء صفقة القرن ومحاولة الكيان الصهيوني ضم أجزاء إضافية من الضفة الغربية والغور بعد ان ضمت القدس باعتراف أمريكي.

منهج التسوية خسر كل شيء، وكل رهاناته على تسوية مبنية على إقناع الأمريكان بحسن النوايا باتت لعبة بلا رصيد، وهاهي كل المباحثات والخدمات تنتهي إلى فشل قاتل، وهنا ينبغي أن لا ينصرف الكلام عن خلل في الإجراءات، إنما في الرؤية لطبيعة العدو ووظيفته وارتباطاته بالقوى الفاعلة في الكون الأمر الذي يوجب سلوك درب آخر تماما، يتم من خلاله تحقيق الضغوط الكافية على صناع الكيان وجعله مكلفا لهم تكلفة باهضة أكثر مما يحقق من فوائد..

قبل إنهاء الإشارة لمنهج التسوية نلاحظه يتسلح الآن بمسدس فارغ من الطلقات كما وصفه احد قادة أجهزة الأمن الصهيونية مؤخرا.. ومن هذه الأسلحة اللجوء الى المحاكم والمنظمات الدولية او الموقف الأوربي المساند.. من المفيد دحض منطق كسب الموقف الأوربي ضد خطة الضم التي ستطلقها العصابات الصهيونية.. فان النفاق الأوربي فاضح ويكيل بمكيالين ولقد تم تجريبه مرارا.

الانقسام:

لا يقل الانقسام في خطورته عن أوسلو ومسار التسوية العبثي.. بل لعله مكن لمسار أوسلو عمرا إضافيا.. انه يكشف بجلاء ان هناك خللا بنيويا على صعيد الأفكار والعقيدة الوطنية بحيث تم الحسم فورا في الآخر الوطني والشريك في السلطة والمؤسسة بالقوة وبالسلاح والقتل..

إن الانقسام قتل المقاومة وحاصرها وافقدها مبرر استمرارها لأنه اظهر المشهد على قوى تتناحر على مكتسبات وهمية قبل إن يتم تحقيق الهدف الوطني من المقاومة او العمل السياسي.. وليس فقط الجانب الاجتماعي والمعيشي هو الذي أصابه الضرر الكبير إنما أيضا قوة كل طرف من أطراف الانقسام.

تكرس الانقسام ونحن الآن بين كيانين سياسيين احدهما في قطاع غزة والأخر في  رام الله.. ولقد أثبتت السنوات الطويلة المرة السوداء ان الغاية الوطنية والمصلحة العليا لا وجود لها على طاولة المفاوضات والمباحثات الماراتونية بين المنقسمين.. والنتيجة غزة محاصرة يموت أهلها جوعا وقهرا وإذلالا والضفة في أسوا حالاتها تواجه الضم والعجز والمشكلات المعقدة.. لم يكن الانقسام نزوة ولا غلطة إنما هو نهج تربوي وسلوكي وسياسي تحكم في صانعيه منذ اللحظات الأولى.. من المهم هنا التأكيد أن الانقسام لا يؤهل إلى صمود ولا إلى قتال ولا إلى نصر.. إنما الى عزلة قاتلة خانقة.

 التقى نهج التسوية مع نهج الانقسام ليمثلا حالة معقدة قاسية ضاغطة على الشعب الفلسطيني تقهره وتدفعه إلى قبول الأمر الواقع والاستسلام لكل ما يمكن طرحه عليه من صيغ تسوية وان المتابع إلى برامج تجويع الشعب وابتزازه في لقمة عيشه ينتابه الشك بان هناك خطة ستطرح عليه وهو منهك كما الغريق ليقبل بما يلقى إليه..

ماذا بقي من فلسطين؟:

فلسطين باقية بكامل جلالها وبهائها بشعبها المؤمن بقضيته وبرصيده الكفاحي عبر قرن من الزمن قدم الشهداء والقادة على مذبح الحرية..فلسطين باقية بأرضها وسمائها وآيات الله التي تحفظ بركتها.. ومهما زادت حلكة المرحلة وتخلى الصديق والقريب وعبث بعض الأبناء فهي وعد الله للأمة بالعروج إلى العلا والمجد مرتبط مصيرها بمصير الإسلام والعرب وسيجد الأحرار سبيلهم لعزها عما قريب.. والله غالب على أمره.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك