يشطبون روايتنا.. لكي لا نقرأ إلا ما كتبوا

تاريخنا

بقلم: صالح عوض

ما أزهدنا في تاريخنا رغم أننا صنعنا أعظم تاريخ بشري!!؟ بل إن بعضنا يتنكر له ويشيح بوجهه عنه، وان اقتربنا منه فبمشاعر سطحية وبأدوات بسيطة لا تبني وعيا ولا تمنح يقينا، وأحيانا نقتطع منه مشاهد معزولة ليصبح كل بلد من بلداننا له تاريخه الخاص بمعزل عن تاريخنا الطويل، فيما تنطق الحقيقة بأن الأمة جسد واحد صنعت تاريخها مجتمعة عبر قرون طويلة، ولم تكن الحدود في ثقافتها إلا نتنا وفتنة وضد مسيرتها، فكانت رموزها في المشرق رموزا لها في المغرب، وبطولاتها في المغرب تحييها في المشرق، وظلت هكذا حتى تركنا تاريخنا لكي يعبث به المستشرقون الاستعماريون ويصنعون لنا رواية أخرى أقنعوا النخبة السياسية والثقافية اللائكية بها فانخرطت في كتابة تاريخ آخر، فأصبح لكل قطر تاريخه الخاص، وثقافته الخاصة وانكفأ عليها .. لقد كانت خسارتنا على هذه الجبهة عظيمة.

صياغة التاريخ:

إنّ كل أمة تبحث عن مكانة لها تحت الشمس تسعى جاهدة لبناء وعيها بذاتها على مستند تاريخي وهي إن حرمت منه في سالف الزمان كما هو حال الولايات المتحدة فهي تجتهد لتكريسه في رموز تصنعها وفي الوقت نفسه تعمل على تدمير رموز الأمم وتاريخها، وفي كثير من الثقافات الغربية حصلت القطيعة بين المراحل التاريخية لاسيما القطيعة التي أحدثتها اللائكية مع القرون الوسطى والكنيسة.. فأصبح يؤرخ للتاريخ الحضاري مع بداية الانقلاب على سلطة الكنيسة، وأصبحت اللائكية دينا جديدا يراوح بين التطرف والتوسط.. و من أبواب سلوك اللائكية إسقاطها لمفاهيمها على حركة التاريخ البشري.

انشغل العلماء والمؤرخون في الحضارة الإسلامية بتدوين تاريخ حضارتهم في شتى المجالات: السياسية والعسكرية والعلمية منطلقين من منهجية تجمع بين الوقائع ملتزمة برؤية ومعيار من صميم منظومة المفاهيم والقيم التي كرسها الإسلام وفاتحة رحابة المسيرة البشرية منذ أول الرسالات السماوية ودعوات الانبياء على اعتبار ان التاريخ الإسلامي هو امتداد للتاريخ البشري شاهدا صراع القيم والمثل ضد الأنانية والفتن والجاهلية.. وفي هذا الباب تم تصنيف عشرات أو مئات المجلدات ذات القيمة الكبيرة التي تكاد تحصي حركة النشاط الحضاري خطوة بخطوة.

وفي المواجهة بين المشروع الصليبي الاستعماري والأمة انبرى جيل من القادة الحقيقيين للمشروع الاستعماري إلى مهمة غاية في الخطورة وهي محاولة فهم أسباب انتصار المسلمين وبقاء حضارتهم في مكانتها المرموقة قرونا عديدة الأمر الذي لم يتوفر لسواها من الحضارات السابقة ولا اللاحقة.. والعمل على تزوير حلقات مركزية فيه ومحاولة إثارة الشكوك حولها.

فكان المنهاج الاستشراقي لفهم حركة الأمة يستند إلى قواعد أساسية وهي فهم عناصر القوة ثم العمل على تشويهها و التشويش عليها، فكان منهاجا تلفيقيا ورغباتيا وانتقائيا، ونتج عن هذا الجهد الكبير الضخم مصنفات في أنواع شتى من نواحي حياة الأمة وملخصات وبحوث بها تم تزويد المدارس والجامعات الغربية بها.. وهي محاولة دءوبة بذلها فيلق المستشرقين الاستعماريين لكي يصنع الحاجز النفسي بين ناشئة الغرب وفهم تاريخ الأمة الإسلامية من خلال فهم رسالتها أو وقائع حركتها.. وذلك حرصا على استمرار حالة الصراع التي توفر شروط العدوان الاستعماري.

 وتحرك المنهج الاستعماري فيما بعد للتعامل معنا منطلقا من “مسلمات” أنه هو من يمتلك المرجعية في تحديد المفاهيم والقيم الإنسانية وقراءة التاريخ، وانتقل الى المؤسسات التعليمية كعناوين وملخصات ومواضيع للدراسة والتقطت المدارس والجامعات التبشيرية واللائكية أفرادا من أبناء بلاد العرب والمسلمين وتم تلقينهم بمنهج التناول لتاريخنا وثقافتنا حيث التشويه والتشكيك جنبا إلى جنب تلقينهم بمزايا النهضة الحديثة والحضارة المعاصرة وتناقضها المزعوم والمفتعل مع قيمنا وتراثنا، وكأن الصراع بين المشروع الاستعماري والأمة صراع بين التخلف والتحضر، وكأنه ليس عدوانا وطغيانا ابتداء ضد الأمة، وفي هذا المجال تتم عملية تزوير ضخمة للحوادث والمبادئ والمهمات للتغطية على طبيعة الاستعمار ووظيفته.. فتخرجت نخبة من المعاهد الاستشراقية وانتشرت في مفاصل الحياة في مجتمعاتنا وكانت حاضرة منذ البداية مع تشكيل دولنا الوطنية المعاصرة وقد أوكل لها كتابة التاريخ المقدم للناشئة كما كتابة سواه من المواد التي لها صلة بالثقافة مثل الجغرافيا والفلسفة.

الحديث عن حجم الاستغلال الاستعماري من دراسة تاريخنا يطول ولعله لايزال يلقي بمفاعيله في حياتنا وبشراسة، يكفي هنا أن نشير إلى خطورة ميلاد فئة من أبنائنا بنظرة استشراقية لتاريخنا تدفع إلى التشكك في التاريخ وتركز على المسألة الوطنية وجذورها والبحث عن ثقافات الأمم وما يميزها قبل أن تصبح امة إسلامية وعلى مسار آخر تتحرك قوى الاستعمار بالحديد والنار تقطع أوصال الأمة وجغرافيتها تحت عناوين جديدة مسيّجة بالحدود والأعلام والثقافات الخاصة والنشيد الوطني لكل منها والجيوش الخاصة لكل منها، 

والخطير في هذا الأمر أنه أصبح كتبا للتاريخ والجغرافيا في مدارسنا ومعاهدنا وكيف أصبحت ضامنا حقيقيا من ضمانات استمرار التجزئة والفتنة في أمتنا وبالتالي أصبحت من أخطر عوامل ضعفنا وفقداننا القدرة على التفكير بعوامل القوة وأسبابها، 

ولعلنا نستذكر كيف نشأت كل دعوات التجزئة في بلداننا الإسلامية بدعوات: القومية العربية مع الشريف حسين وحزب البعث والقومية التركية مع حزب تركيا الفتاة والقومية الفارسية مع الشاهنشاهية هذه الدعوات التي تزعمتها نخب متغربة وذلك برعاية تامة من قبل المستعمرين.. وكيف تم تفريغ هذه القوميات فيما بعد من الإسلام والانهماك لصناعة تاريخ عرقي لكل منها كالفرعونية والأشورية والمزدكية والطورانية.. وقد ترتب على نشوئها انبعاث دعوات جديدة من قوميات في المشرق والمغرب وجدت دعما واضحا من الدوائر الاستعمارية وبعلاقة عضوية مع المشروع الاستعماري ولم تعد الدولة الوطنية قادرة على التصدي للدعوات الانفصالية.

لقد تمت عملية صناعة تاريخ آخر للعالم الإسلامي وقد سحب منه كل عوامل نشوء الحضارة والأمة وأهمها نكران الحدود والتفاضل بين الشعوب والأمم و الأفراد إلا باعتبار العمل المفيد للمجموع.. وبرزت النزعات القومية ومن ثم النزعات القطرية وانتهينا إلى النزعات الجهوية وقد أفرغت جميعها من روح القوة والنهضة.

دعاة الحداثة:

يختلط الأمر في دعاوى الحداثيين من أبنائنا عندما يتناولون الحديث عن الحضارة الإسلامية فهل المقصود من جهودهم توجيه النقد إلى “الدين” أي المحرك الخاص لهذه الحضارة؟ أم حركة تاريخ الأمة وتجاربها، ووقائعها؟ أم قيمة الاستفادة من التاريخ الإسلامي في صناعة مستقبل الأمة؟ ومع صعوبة حملهم على الالتزام بمنهج حوار لاعتمادهم على الفوضى والخلط إلا أن البارز في حديثهم هو الطعن في التاريخ الإسلامي الحضاري ودعوتهم لنقد التراث  ومعالجتهم لقضايا تراثية على اعتبار ان هذا السبيل ضروري للتحرر من إرث ثقيل على العقل ويمثل عقبة أمام النهضة والتحرر. 

في تاريخ الأمة الإسلامية مسلمات كان لها الفضل في وحدة الأمة وهي مسلمات الدين في ركائزه الأساسية ولكل منها دور عميق في انتقال أجزاء الأمة من التباعد والتنافر الى الكيانية الواحدة فالقرآن الكريم يحتل الصدارة في ضمير الأمة ووجدانها وهو فوق الخلاف وله من القداسة ما يكفي لإعلان وحدة الأمة وثاني الركائز: هو شخص الرسول الكريم ومحبته التي تسكن القلوب والعقول، و ثالث الركائز: مقدسات الأمة من أمكنة كمكة والمدينة والقدس ومكانتها في وجدان الأمة ودورها الفاعل في تحريك المشاعر.

لقد مثل هذا الفهم للدين الشعبي عامل التثوير الحاسم في حركات التحرر وفي وحدة الأمة عبر تاريخها وفي صناعتها لمجدها فلقد كان هو الدينمو المحرك لطاقاتها ولم يشهد العرب أو الفرس أو الترك أو الكرد أو البربر أو سواهم مكانة كالتي تبوءوها في حركة الحضارة الإسلامية.

من هنا يأتي هروب بعض الحداثيين من المواجهة الصريحة في مواجهة الدين مباشرة.. إلا أنهم لا يتورعون في تقديم الرواية الاستشراقية عن تاريخنا وبالمنهج  التشويهي والانتقائي ذاته، ويقوم هؤلاء بالدعوة إلى تجريف الساحة ليتمكنوا من زراعة أفكارهم، ويرفعون الشعارات من ديمقراطية وحق التعبير وحرية الصحافة كطروادة تنقلهم إلى أعمق ما في وجدان الأمة لتشويهه والتشكيك فيه.

ولا يقف جهدهم على المستوى النظري في محاولة إثارة البلبلة والفوضى في التاريخ الإسلامي او حول الدين إنما هم جاهزون تماما لكي يكونوا معبرا للاستعمار نحو بلدانهم اعتقادا منهم إن ذلك هو السبيل للنهضة والتحرر.. هذا إذا استبعدنا عنهم القيام بدور وظيفي هم يدركونه تماما.

أدوات العدوان:

ليست الكوميديا الإلهية ل”دانتي” التي أساء فيها للرسول محمد وأمهات المؤمنين وآل بيت النبي إلا مثالا عن تعمد الإساءة والعدوانية على المقدس الإسلامي لتكسير حواجز التردد والخجل لدى العامة، و لن تكون أعمال مجلة “شارلي إبدو” الفرنسية آخر ما يمكن أن ينهجه الاستعماريون العنصريون في تشويه المقدس الإسلامي.. تتحرك وسائل الإعلام لصناعة صورة نمطية كاريكاتورية للإسلام والمسلم توحي بالعنف والتفلت من السلوك الحضاري أي بنشر تاريخنا برواية استشراقية.. هذا في ظل التعمية على روايتنا للمسيرة ومحاصرتها بل وحرق مكتباتنا وسرقة أراشيفنا فنصبح نحن وغيرنا لا نملك قراءة تاريخنا إلا كما يقدمونه في روايتهم كتلك التي افتعلوها في حياة الهنود الحمر من خلال هليوود!!

ورغم وجود مؤرخين منصفين ومفكرين عقلاء وفنانين أحرار وصحفيين نابهين وساسة عقلاء في المجتمعات الغربية ورغم ما يقومون به ببطولة وشرف من تنوير وكشف للحقائق وتصد لعمليات التشويه إلا أن الدوائر الاستعمارية العنصرية تمسك بأدوات عملاقة حولتها الى وسائل للعدوان من إعلام بكل فروعه وفنونه ومواد علمية تتسرب إلى تنشئة الأجيال في المدارس والمعاهد حيث أصبح الجهد ضخما لشيطنة الإسلام و اتهامه بالظلامية!! وتجريم المسلمين وتجريدهم من حقوقهم الآدمية.

وإن أعنف ما في العلمانية الغربية عدم وضوح طبيعتها وعدم تحديد خطها العام حتى الآن فهي تفتقد المعيارية وجعلت من بعض نصوصها المسلمة عائقا حقيقيا لتقدمها نحو علاقات إنسانية واسعة.. وتحولت هذه المفاهيم الى أصنام مستبدة فاقدة الروح والمعنى.. وتسقط العلمانية الغربية في غياب المعيارية مرة أخرى فهي تدعي انها تفصل الدين عن الدولة بمعنى أنها لا تتدخل في الدين كما أن على الدين أن لا يتدخل في الدولة.

إلا أننا من خلال متابعتنا لنشاط وسائل الدولة العلمانية نجدها تتحرك بحيوية ونشاط للتدخل في الدين وتحويله الى أداة من أدواتها في عدوانها على الآخرين المخالفين كما إنها تتخذ موقفا معاديا أو منحازا ضد الإسلام شبيها بالموقف الصليبي.

هذه العلمانية الغربية لاسيما في شقها اليميني تصر على تقديم الإسلام بنمطية تقليدية توارثتها عن مستشرقين عنصريين وساسة صليبيين.. تتحرك هذه العلمانية في تعاملها مع الإسلام بعين الريبة والتخوف والتشكك وذلك لأنها أقامت موقفها من الإسلام بناء على قراءة تاريخية مزيفة مشوهة وذلك كي تبرز المبررات التي تحركها في موقفها المستفز ضد الإسلام وأهله.

الأمر ليس فقط سوء فهم وإنما تقصد واضح يتمثل في صناعة المنظمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وسواهما بشعارات إسلامية مصنعة في المختبرات الاستعمارية كما أشارت مذكرات هيلاري كلينتون وتقديمها على أنها تمثل الإسلام السياسي الإرهابي.

ضربة إيقاف استراتيجي:

بعيدا عن المواقف الفردية المعبرة عن ردات فعل عنيفة والتي لا تجد ترحيبا لدى المسلمين فان الموقف الإسلامي الذي نبضت به العواصم من طنجة الى جاكرتا رفضا للإساءة للمقدس الكبير في وجدان المسلمين تلك الإساءة التي تحميها الإدارة الفرنسية.. إن هذا الموقف الصلب بالإدانة والاستنكار والغضب والمقاطعة للمنتوجات الفرنسية يمثل ضربة إيقاف استراتيجي للامسئولية الموقف الاستعماري إزاء مقدسات المسلمين.. و لعل الضمير الإنساني في فرنسا ودول أوربا يجد فرصته في فرض احترام الآخر ومحاصرة الشواذ الذين يزرعون الفتنة بين البشر.. ولينظر لتاريخ المسلمين بما قدمه للبشرية من علوم وحضارة ونموذج إنساني متميز بتفرده الأخلاقي والقيمي.

وهي فرصة كبيرة كذلك جاءت الى المسلمين على طبق من دهب أيقظتهم على واقع أنهم أمة كبيرة تمتلك القوة والامتداد ولها مكانة في الأسرة البشرية وهذا يعيدها إلى عناصر توحدها من جديد: القرآن والرسول والمقدسات.. إنه المحرك الحضاري الذي لم تنهض شعوب الأمة إلا به ولم يكن تاريخها اللاحب بالتنوع الحضاري والسيادة والأستاذية إلا به.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك