ويتفق شرفة والزاوي..

أضحية العيد

بقلم احسن خلاص

بدأ العد التنازلي لمناسبة عيد الأضحى المبارك ويبدو أن العيد الثاني لن يختلف عن العيد الأول، فلا صلاة ولا زيارات ولا تغافر إلا ما تسرب عبر تكنولوجيات الاتصال. غير أن أداء شريحة الذبح لم ينزل بشأنها أمر ولا نهي من السلطات التي تنتظر رأي الفقهاء الذي لن يخرج عن ما يوصي به الأطباء المكلفون بمتابعة انتشار وتطور فيروس كورنا.

وأمام هذا الوضع المبهم انتعشت سوق المواشي ورحلت الآلاف من الرؤوس من الهضاب العليا إلى المدن الشمالية وعلى رأسها مدينة الجزائر التي صارت تعج أحياؤها بقطعان من الأغنام التي تجد من يقتنيها بالرغم من أن أهل الحل والعقد لم يبتوا في أمر أداء سنة الأضحية هذا العام.

لم تجد الحركة التجارية للأغنام من يكبحها بالوعي والإدراك للمخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذه العملية في وقت تتزايد فيه الإصابات وتحدث أزمات استيعاب في المستشفيات وتضحي بأحسن ما في البلد من أطباء وممرضين الذين ظلوا خلال الأشهر الماضية على خط الدفاع الأول أمام زحف الفيروس وتحوله إلى وباء. لقد تحولت القاعدة إلى استثناء كما تحول الاستثناء إلى قاعدة أمام تردد السلطات في البت في المسألة وفق ما يقتضيه واجب أداء السنن الدينية وإدخال الفرحة والسرور على العائلات التي أنهكها الحجر وضاقت بها الحياة وكأن المجتمع كله في السجن دون محاكمة ودون معرفة المحكومية.

كان ينتظر من بيان الرئاسة الأخير أن يكون واضحا في شأن النظام الذي يمكن أن يتبناه الجزائريون خلال عيد الأضحى المقبل الذي لا تفصلنا عنه إلا أسابيع قليلة لكن سكوته يدل على أن السلطات العليا لم تفصل بعد في الأمر بالرغم من تحذيرات صدرت من أحد أعضاء اللجنة المكلفة بالمتابعة انتشار الفيروس من النتائج الوخيمة من الإصابات التي قد تنتج عن الأضحية وما يتبعها من زيارات واحتكاك في الوقت الذي لا يزال قطاع واسع من المجتمع لم يستوعب بعد تدابير الوقاية الأولية في الشوارع والساحات العامة والمحلات التجارية ولم تمنعه عمليات التوعية المتواصلة من إقامة الأعراس والولائم.

لقد بات مستعجلا الفصل في النظام الوقائي الذي يجب تبنيه خلال العيد ليتبين ما إذا كان أداء سنة الأضحية متاحا في كل مكان دون حرج أو أنه سيقتصر على المناطق التي لم يمسها الوباء بشكل كبير أم أنه سيمنع عن الجميع، وتتوقف بذلك الحركية في أسواق الماشية التي بدأت تغزو المدن إلى درجة جعلت والي العاصمة السيد يوسف شرفة يصدر قرارا بغلق جميع نقاط بيع الماشية بالولاية تفاديا للانتقال السريع للعدوى. هذا القرار رآه بعض الملاحظين بأنه إيذان بصدور قرار نهائي بتعليق شعيرة ذبح الأضحية.

ويبدو أن كورونا لم تترك للكاتب أمين الزاوي مجالا هذه المرة للدعوة إلى وقف “البداوة الإسلامية” ولا لأن يتهم الجزائريين بالعداء تجاه التمدن من خلال سماحهم ب”الاستيطان الإسلامي الرجعي” الذي أحدثه انتشار الأغنام في المدن ذات الطراز الفرنسي فشوه شكلها، فقد تتولى كورونا أمر منعه إذ يبدو وكأنها سمعت صرخته “العلمانية التغريبية” فاستجابت لها ولو إلى حين أن تمر الجائحة.

وليست هذه المرة الأولى التي تصدر فيها نداءات بتعليق أضحية العيد فقد مرت على الجزائر مآسي مثل فيضانات باب الواد وزلزال بومرداس ومآسي العشرية السوداء إلى ظهور أمراض خطيرة أصابت الماشية كالحمى القلاعية جعلت الكثير من المواطنين ينادون بتعليق الشعيرة تعبيرا عن الحزن والأسى على ضحايا تلك الأحداث المأساوية، غير أن السلطات الدينية من وزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى لم تتجرأ على الإفتاء بتعليق الأضحية بل اضطرت السلطة خلال الثمانينيات من القرن الماضي إلى استيراد كميات هائلة من الأغنام من أستراليا لتغطية نقص فادح للقدرات الوطنية. وإذا حدث أمر تعلق الأضحية هذه المرة فسيكون سابقة تاريخية لم يشهد لها مثيل حتى في فترة الحروب.

وأمام الجدل الذي أثاره تعليق صلاة الجماعية خلافا للفتوى الذي أصدرتها وزارة الشؤون الدينية فإن هذه الأخيرة تظل مترددة هذه المرة في إصدار قرار جريئ قد لا يرضى به الجميع، وينتظر أن تساير تدابير الوقاية ليوم العيد بما فيه الأضحية جملة التدابير المتخذة ولا تخرج عن المنطق العام السائد بعد رفع الحجر عن بعض الولايات وإبقائه جزئيا في ولايات أخرى، ومن هذا المنطلق فإنه لا ينتظر أن يكون هناك تعليق مطلق وشامل للشعيرة بل سيقلص مجال أدائها إلى الحد الذي لا يعرض المواطنين إلى خطر العدوى لاسيما في المناطق التي تشهد انتشارا أقل للفيروس. وبهذا تكون السلطات في ظل نهجها التوفيقي المرن الذي اعتمدته من بداية الشهر الماضي قد وفقت في إتاحة المجال لأداء السنن الدينية دون التفريط في صحة المواطنين إلى حد كبير، لاسيما وأن قدرات قطاع الصحة لا تزال ضعيفة ودون التمكن من استيعاب الأعداد الهائلة من المصابين التي تتدفق عليها خاصة في الولايات الداخلية.

وبين هذا وذاك حدث اتفاق بين أمين الزاوي ويوسف شرفة دون أن يلتقيا، اتفاق على إقامة حضر تجوال للأغنام بمدينة الجزائر، فإذا كان دافع الأول هو الوقاية عدوى الفيروس فإن دافع الثاني هو الحيلولة دون إحلال البداوة الإسلامية في المدن الاستعمارية الجميلة التي يعتبرها الزاوي غنائم حرب.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك