وقفة مع مذكرات مجاهد من الأوراس للشيخ محمد الوردي قصباية

في الذكرى 58 لعيدي الاستقلال و الشباب :

بقلم:أ / الأخضر رحموني

 

 (مذكرات مجاهد من الأوراس ) هو عنوان الكتاب الذي اختاره المجاهد محمد الوردي قصباية المعروف خلال الثورة التحريرية المباركة باسم الوردي سُليماني لمذكراته التي أتم كتابتها سنة 1983 ،لكنه لم يقم بطباعتها في حينها بسبب التزاماته المسؤولة في خدمة الوطن بعد الإستقلال ، حتى سنة 2014 حيث كلف و بإشراف منه ابنه “الأستاذ سليم” بالبدء في عملية المراجعة  والتنقيح وعملية التصميم والإخراج وإضافة ما أمكن إضافته ، حتى سنة 2016 أين تم طباعة النسخة النموذجية التي قرأها واطمأن على محتواها ، و طلب من ابنه بالشروع في عملية الطبع ،لكن قدر الموت كان الأسبق. فقد توفي في  16 أكتوبر 2016 وكتب لمذكراته أن تطبع بعد وفاته خلال سنة 2017 في 930 نسخة وزعت مجانا كهدية من عائلة المرحوم ..الكتاب يقع في 310 صفحة من الحجم الكبير ..حاول الكاتب التأريخ لمسيرته الجهادية منذ سنة 1954 حيث كان شابا بعمر28 سنة الى غاية الاستقلال سنة 1962 ،و التي يعتبرها أهم و أعز و أحلى أيام قضاها في حياته مع التركيز على أهم الأحداث من معارك و اشتباكات و كمائن حضرها و عايشها في الجبال .

 جاءت هذه المذكرات كإضافة نوعية  في رصيد مكتبة التاريخ الوطني التي هي بأمس الحاجة الى شواهد الرجال الذين صنعوا الأحداث من أجل حفظ الوقائع و تدوينها للأجيال الصاعدة .

تناولت المذكرات عدة مراحل من مسيرة المجاهد محمد الوردي قصباية  بداية بمرحلة تفجير الثورة سنة 1954 ،ثم التحاقه بجيش التحرير بناحية كيمل سنة 1956 ،ثم مرحلة انتقاله إلى ناحية آريس سنة 1959 ،فمرحلة عبوره الخط الحدودي المكهرب موريس- شال ،وانتقاله إلى تونس للعلاج بعدما اشتد عليه المرض ،وعودته بعد ذلك سنة 1960 الى الحدود الشرقية ،ليختتم مذكراته بالمرحلة الأخيرة و المتمثلة في حضوره لحظات الفرح بنشوة النصر بعد الإعلان عن إيقاف القتال والاحتفال بعيد الاستقلال سنة 1962 .

كما احتوت المذكرات أيضا على مجموعة من الوثائق و الصور المهمة مع نشر نص محاضرة له ألقاها بمناسبة عيد الاستقلال .

و هذه محطات من حياة هذا المجاهد الذي عرفناه متميزا بتواضعه الجم و ثقافته الواسعة و هدوئه في الحوار و الإقناع، زيادة على مشاركته الفعالة في إصلاح ذات البين بين الأعراش بمنطقتي الزيبان و الأوراس.

 

 المولد و النشأة :

 

المجاهد محمد الوردي قصباية ابن الحـاج  الغزالي  بن الـعابد بن سليمان و فـاطمة  حـيوني  من مواليد 15 جانفي 1925 بدوار تاجموت التابع حاليا الى  بلدية مزيرعة  دائرة زريبة الوادي من ولاية بسكرة ،.

نـشأ  و تربى  في أحضان عائلـة  فلاحية  تنتمي الى  قبـيلة أولاد سي امحمد بن عبد الله مـن عـرش أولاد عـبد الرحـمان أكباش التي تقطن سفوح جبل أحمر خدو التابع إلى  سلسلة جبال الأوراس .

حفظ القرآن الكريم وعمره لم يتجاوز 12 سنة في كتاب بلدته على  يد شـيوخ  المنطـقة منهم : الشيخ ي محمد بن محمود باردو و الشيخ علي بن مبروك زموري ، ثم ارتحل للدراسة  بزاوية الشيخ علي بن عمر بطولقة .

واصـل  تعليمه  بمدينة  بسكرة  خلال الفترة الممتدة من 1944 الى 1947 بمعهد زقاق بن رمضان على  يد المشايخ : نعـيم  النعيمي  و  محمد خير الدين و بلقاسم ميموني الغسيري و أحمد صولي الدراجي  وعبد القادر الياجوري و غيرهم .
–  بعد افتتاح معهد  الشيخ عبد الحميد بن باديس في سبتمبر 1947 سافر إلى قسنطينة لمواصلة تعليمه ،غير أنه انقطع عن الدراسة بسبب المرض والحالة الاجتماعية المعيشية  .

 

 نشاطه التربوي :

 

اشتـغل  في التعليم  المسجـدي  بصفـته  من  المعلـمين  الأحـرار  لجمعية  العـلماء المسلمين الجزائريين ،حيث تتلمذ على يديه عدد من الشهداء و المجاهدين الذين انضموا إلى ثورة التحرير منذ تفجيرها ، و بدأ عمله  بالتدريس سنة 1948  في بلـدة الولجة  التابعة  لولاية خنشلة بأمر من الشيخ العربي التبسي أين أسس  مدرسة ( اليقين ) .

و في سـنة 1949 انتقل إلى بلـدة الحـوش التابعـة لولاية بسكرة حاليا بطلب من جمعيتها الخيرية ليواصل تعـلـيمه و تربية النشء لـمدة سبع سـنوات .

 

نضاله الثوري :

 

– بدأ مع شقيقه الإمام المجاهد سي ابراهيم نضاله السياسي مبكرا بنشر  الوعي الثوري و الجـهادي في أوساط  الشباب و المساهمة في جمع السلاح ببلدة الحـوش وما جاورها في سرية تـامة .
–  بعد تفجير الثورة سنة 1954 مباشرة ، قام و شقيقه بتجنيد عدد من الشـباب  من أبناء عرشه ، منهم من تقلد المسؤوليات في الثورة و منهم من سقط شهيدا في ساحات الوغى .

–  في سنة 1955 التحق وشقيقه إبراهيم مع أسرتيهما بالجـبل بعد اكتشاف عملهما النضالي من طرف الاستعمار .

– خلال سنة 1956 أصبح رسميا عضوا بجيش التحرير الوطني
–  في سنة 1957 تقلد رتبة عريف أول سياسي في قسمة  تاجموت  التابعة لـناحية كيمل من المنطقة الثانية للولاية الأولى التاريخية .

–  في سنة 1958 تم ترقيـته إلى ملازم أول مسـؤول استعلامي عضو بمجلس الناحية الرابعة كـيمل بقيادة الشهيد  سيدي حني .

–  في أواخر سنة 1958 تم تحـويله إلى ناحية أريس بصـفته مسـؤولا استعلاميا للـناحـية  التي كان  يقـودها  الملازم  الثاني  المجاهد : سي امحمد حابـة . 

بعدما اشتد عليه المرض الذي لازمه طيلة مسيرته الثورية، و الذي تسبب له في العياء الكلي لجسمه النحيف ،حيث أصبح غير قادر على تأدية واجبه كمسؤول استعلامي استخباري لناحية آريس ،و بعد إذن من طرف قيادة الثورة قام في أواخر سنة 1959 بعبور “حاجز الموت” المتمثل في الخط الحدودي المكهرب “مويس – شال” إلى تونس بهدف العلاج

بعد  مكوثه 03 أشهر و بضعة أيام في العلاج بمستشفى الكاف بتونس عاد إلى الصـفوف لمواصلة جـهـاده  بمنطـقة  الـحدود حتى  توقـيف  الـقـتال.

 

نشاطه السياسي  بعد الاستقلال :


–  بعد الاستقلال واصل نشاطـه بصفوف الجيش الوطني الشعبي و كان من المسؤولـين على المحـافـظـة السياسية للناحية العسكرية الرابعـة حتى تقاعد برتبة  ملازم  أول  في  شهر أكـتوبر  سنة  1970 .
–  انتخـب لـعهدتين من سنة 1971 إلى سنة 1980  رئيسا لبلدية مـشونش ، فعضوا منتخبا بالمجلس الشعبي  الولائي لولاية بسكرة ، و عضـوا في حزب جبهـة التحرير الوطـني .
–  عضو دائم بالمنظمة الوطنية للمجاهدين ، و عضو بالمجلس الوطني للمجاهدين و كلف  بالثقافة و الإعلام  بالمكتب الولائي ببسكرة حتى  أقعده  المرض  سنة 2010 . 
توفي يوم 16 أكتوبر 2016 بمستشفى البشير بن ناصر ببسكرة ،و دفن بمقبرة بلدية مزيرعة في موكب عظيم شارك فيه المجاهدون وتلامذته و أحبابه و بحضور السلطات الولائية و الأمنية و أبنه النائب بالمجلس الوطني الشعبي الأستاذ مسعود عمراوي .

 

الثقافية : و إسهاماته  الفكرية 


–  ساهم في تأسيس  وعضوية و رئاسة العديد من الجمعيات ذات الطابع التاريخي والثقافي  منها :  

– جمعية أول نوفمبر لحماية وتخليد مآثر الثورة في ولاية بسكرة 

– جمعية متحـف العقيد سي الحواس بمشونش 

-ببسكرة  الجمعية  الخلدونية  للأبحاث  و الدراسات  التاريخية 

– جمعية  فرغوس  أكباش  الثقافية   ببلدية  مزيرعة 

– جمعية  رواد مسيرة  الثورة  في  منطقة  الأوراس  بآريس  ولاية   باتـنة  .

 

من الأنشطة التي كان يقوم بها :

 

  • إحياؤه للذاكرة الوطنية من خلال تسجيل مسيرة مجموعة كبيرة من الشهداء نشرت في الأجزاء الأربعة من كتاب ( شهداء منطقة الأوراس) الصادر عن جمعية رواد مسيرة الثورة لمنطقة الأوراس بباتنة .
  • إلقاؤه المحاضرات الدينية والتاريخية في المناسبات الدينية والوطنية في المساجد والمؤسسات التربوية  و جامعة محمد خيضر بولاية بسكرة .
  • تسجيله لعدة حصص تاريخية  بإذاعة بسكرة ، و بالمتحف الجهوي للمجاهد  العقيد محمد شعباني .
  • تسجيل مسيرته النضالية في كتاب تحت عنوان :  مذكرات مجاهد من الأوراس .
  • يعمل نجله المهندس سليم قصباية على جمع آثار والده المجاهد من محاضرات و رسائل و وثائق و صور لطبعها في كتاب فاخر، مع السعي أيضا  لإعادة طبع المذكرات في نسختها الثانية والتي سوف تضاف إليها مادة جديدة منها  تراجم الشهداء الذين رافقهم خلال مسيرة ثورة نوفمبر وكتب عنهم بعد استقلال  الجزائر .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك