وسيم يوسف.. إمام السلطة الذي يفصل الفتاوى على مقاس الزعيم وأفكاره

أصبح وسيم يوسف رأس مشروع التطبيع الذي تقوده الإمارات، فهو المنظر والمفكر والداعية الملهم الذي يهندس العقائد والأفكار لتبرئة "إسرائيل" من كل عيب ونقص

لا يعترف وسيم يوسف، الداعية الإماراتي، في حياته إلا بإثارة الجدل والتناقض من أقصى اليمين لأقصى اليسار، غالبًا هي أفضل وظيفة يتقنها بعد التقلب على وسادة السلطة والسهر على خدمتها، لهذا أصبح رأس مشروع التطبيع الذي تقوده بلاده، فهو المنظر والمفكر والداعية الملهم الذي يهندس العقائد والأفكار لتبرئة “إسرائيل” من كل عيب ونقص.

بطاقة تعريف

وسيم يوسف داعية إسلامي أردني – إماراتي، ولد في 29 من يونيو/حزيران 1981 في إربد بالأردن، اسمه الكامل وسيم يوسف أحمد شحادة، ارتبط بالدين مبكّرًا من خلال مسجد الحي الذي ساهم في تشكيل شخصيته الدينية، ومن خلال والدته التي عرف عنها التدين، لكن يوسف سبقها بمراحل بمجرد التحاقه بالمرحلة التعليمية الابتدائية.

وفي المرحلة الثانوية تعرف وسيم على التيار السلفي، انجذب بشدة للسلفية السرورية – الجزء الحركي والثوري في الخريطة السلفية -، فاستمد منهم المفاهيم الأولية عن العلوم الشرعية ونقل عنهم تقصير الثوب وإطالة اللحية، لكن امتاز عنهم منذ بدايته بالجمع بحرفية نادرة بين ما هو سياسي وما هو ديني وربما ساعدته في ذلك حالة المد السياسي والديني التي نشطت للغاية خلال الفترة التي غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003.

كانت هذه المرحلة، تشهد صعود الإخوان المسلمين ومعها توهجت العديد من التيارات الإسلامية الأخرى لا سيما التيار الجهادي الذي كسب شعبية كبرى بسبب انتصارات الأفغان على السوفييت، وهو زخم امتد مع غزو الولايات المتحدة للعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

أكمل وسيم دراسته الجامعية، ومع نمو اهتماماته الجديدة، لم يستطع النجاح في دراسة هندسة الطيران التي كانت تُمثِّل حلم الطفولة، بعدما تقاطعت مع تفاصيل عقيدته، فالكلية تقر الاختلاط مع الفتيات، وكان هذا سببًا كافيًا للخروج تمامًا من هذا النفق، وبالفعل خرج نهائيًا من جنة الطيران واتجه إلى جامعة البلقاء التطبيقية لدراسة تخصص القراءات القرآنية.

الجهاد في الإمارات

سافر وسيم يوسف إلى الإمارات في ظل سعيه الدؤوب لاكتشاف موهبته الدعوية والإعلامية، فكان الداعية الشاب مفتونًا للغاية بشخصية الشيخ زايد بن سلطان، لا سيما بعض الطقوس العمرية التي طبقها كما هو الإسلام الأول، فالحاكم يمشي في الأسواق، يتفقد أحوال الناس دون حماية، يفصل بينهم في المنازعات، يضع التشريعات، يرسخ القيم الإسلامية، لكن من سافر للنهل من الهدى العمري تحول تمامًا إلى عدو لنفسه وأفكاره ومبادئه.

حصل على الجنسية الإماراتية عام 2014، ومُنح عدة برامج إسلامية على قنوات فضائية منها قناة أبوظبي، وأظهر حالة من الهستيريا العجيبة في الولع بركوب “التريند” وحب الظهور، لدرجة جعلت منه مهرجًا على المنابر في حضرة الكاميرات، لا عمل له إلا فلسفة وهندسة ما تشاور عليه السلطة.

مع ظهوره المكثف أثار جدل وسخط شريحة كبيرة من المسلمين، بما لم يأت به داعية في العقد الماضي كاملًا، طرح آراء واقتراحات متطرفة وعدوانية، كل غرضها منافقة المد التنويري في أقصى حدود تطرفه، من ضرب ثوابت الدين إلى السخرية من قامات دينية لها قدرها في التاريخ الإسلامي، وانتهى بالتشكيك في تراث الأمة.

photo

جعل وسيم من الإرهاب قرينة المساجد فقط، واعتبر أن الداعشي لم يخرج بأفكاره إلا من القرآن، كما تراجع عن ولعه بالبخاري مع الموضة التي ضربت البلدان العربية، فنزع جلده مع تغير مزاج السلطة التي كانت تبحث عن إرضاء الغرب بالنبش في نقاط ضعف المسلمين، وكأن التنوير يعني ضرب الثوابت وهدم الدين وأركانه ورموزه، والأسوأ من ذلك عندما يقدم نفسه باعتباره حامي الشرع ومجدد التراث.

.

حصل الداعية المثير للجدل على رضا السلطة بالفعل، فعرف كيف يخترع لنفسه مكانة تاريخية بين علماء السلطة وأبواقها، بعدما أثبت لهم أنه الخصم الحضاري لمناهج كبار الدعاة في التاريخ الإسلامي، خاصة الذين اقترنت أسماؤهم بمواقفهم ومقاومة الظلم ومواجهة الحُكام عند الخطأ والجهاد ضد أعداء الأمة، فالأصل عند الداعية في منهج يوسف حماية الحاكم وتبرير منطقه والتلون مع مواقفه، فاليوم ضد الاحتلال وفلسطين أرض جهاد، لكن من يعرف ألا يمكن أن تتغير هذه الفرضية غدًا لو قرر الحاكم؟

عقدة النقص التي ترتبت على ذلك، جعلته يحارب بقوة كل الدعاة الذين ما زال بإمكانهم الاستقلال عن السلطة أو الأقل عدم الدوران في فلكها، كما لم يترك الذين رحلوا عن دنيانا بغض النظر عن أفكارهم الدينية ومدى الاختلاف أو الاتفاق معها.

استغل يوسف منبره في مسجد الشيخ زايد بأبوظبي بكل دلالته السياسية والدينية وبرنامجه الديني على شاشة أبوظبي، ليؤكد أنه رجل الدين الرسمي للسلطة الذي تمرر من خلاله أفكارها، وأكد جدارته للعب دور كبير في تجريس الواقع الاجتماعي للحلفاء.

استهدف “الوهابية” بمدافع القصف المركز، زاعمًا أنه يحارب الإسلام السياسي، حتى يزايد بمشروع على الآخر ليؤكد حداثة بلاده ولهذا تحرش أكثر من مرة بدعاة المملكة وحرض على سجن بعضهم، وهو ما فهمه علماء السعودية جيدًا وتسابقوا لتفسيقه وتحذير المسلمين من سمومه.

كان الشيخ عبد العزيز الفوزان، قد التقط هذه الإشارات، وشن هجومًا شرسًا على يوسف وقال نصًا: “هذا الرجل مُدَلِّس كبير ما رأيت مثله، ربما مدفوع من جهات لا تريد بالإسلام وأهله خيرًا”، وأضاف “أقول له اتق الله، وباب التوبة مفتوح، أنت تحارب الله وتحارب دينه وتحارب أولياءه فاتق الله”.

 

جزاء سنمار

آلاعيب يوسف ارتدت عليه في بعض الأوقات خاصة العام الماضي، وإن كان لم يتعظ منها حتى الآن، فلا يريد الداعية مغادرة الشهرة والنفوذ والسلطة، بعدما أصبح على قناعة أنه أفضل دعاة الأرض وأكثرهم فهمًا للتاريخ والسياسة.

اللدغات التي تعرض لها، لم تجعله يقرأ بما يكفي سيرة دهقاقنة السلطة ونهايتهم الكارثية، كانت الإشارة كافية العام الماضي لتعلم الدرس بعد أن تعرض لمحنة كبرى بعد إحالته لمحكمة جنايات أبوظبي، متهمًا بنشر الكراهية والعنصرية في المجتمع، بسبب إساءته للبخاري وأئمة المسلمين، والتاريخ الإسلامي الذي تكرر في تغريداته وحلقاته التليفزيونية.

لم يتأمل في التبرؤ منه بين يوم وليلة والتضحية به، بإعفاءه من إدارة مركز ومسجد الشيخ زايد من الإمامة والخطابة بالمسجد وإيقاف برنامجه الذي كان يبث على قناة أبوظبي بعد أن تسبب في إثارة سخط الجماهير، مما أدى إلى فتح بلاغ ضده بسبب مقاطع الفيديو التي ينشرها عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي.

رفع الغطاء عنه جعله أضعف من جناح بعوضة، لدرجة أنه خرج يتوسل للناس خوفًا من الحملات الإلكترونية، فكان يستشعر في قرارة نفسه أنها حملة ممنهجة وموجهة من ميلشيات إلكترونية معروف تبعيتها للسلطة وليست عفوية، وبدلًا من البحث عن طريقة لإيقاف مهازله، عمل بكل قوة لوضع أبناء زايد في كفة أعلى من الدين نفسه حتى يعود إليه نفوذه الضائع.

جعلته هذه الأحداث، يتعرض للكثير من الضربات المتلاحقة، تجرأ عليه الإمارتيون وشتموه بأقذع الشتائم قبل غيرهم، وأصبح مهددًا في حياته، حيث اتُهم بالعديد من القضايا التي تطعن في مصداقيته مثل السطو على الحقوق الأدبية لكاتب يدعى أدهم شرقاوي، الذي اتهمه بسرقة مقالاته وإعادة تدويرها بطريقته في حلقاته على قناة أبوظبي الفضائية دون الإشارة إليه.

والغريب أن الداعية لم ينكر سرقة مقالات أدهم التي يقول ناشطون إن عددها تجاوز 40 مقالًا، بل حاول التماسك لتبرير الاحتيال على المشاهد وقال مستفزًا الجميع: “ضحك الناس على كاتب فقالوا له وسيم يوسف أخذ مقالاتك، غضب الكاتب وقال: هذه سرقة، ولم يخبره الناس أنني أقول دائمًا في الحلقة التي بها مقال: كتب أحدهم.. يقول الكاتب.. قال أحدهم، وكأن تجهيل المصدر يفي بالحق الأدبي للكاتب، أو السخرية منه باعتبار أن قص مقالاته دون نسبها إليه من الدين في شيء”!

فاتورة إرضاء السلطة

بعد الضربات التي كادت تقضي عليه، تربص وسيم يوسف بما يجرى على سطح الأحداث لعله يجد ضالته في إعادة تدوير نفسه للبقاء في الساحة لأطول وقت ممكن، إذ يعرف وسيم أنه مغضوب عليه لكنه قادر على استعادة الثقة في أي لحظة، إذا أحسن استخدام الفرص.

مع كثرة هفواته، ومحاولة استعراض قوته والدق على مطرقة الشائعات، حتى يعود إلى أحضان السلطة من جديد، لم يجد أفضل من ملف التطبيع، ليسبق الجميع إلى هذا المضمار، ويؤكد أنه العراب المخلص للسلطة متى أرادت، فتماهى مع خطابها وفرض نفسه على الملف، لدرجة أن من تابع تويتاته ومداخلاته يشعر وكأن فلسطين هي العدو و”إسرائيل” هي المغلوبة على أمرها.

ففي إحدى تغريداته، يقول يوسف: “إسرائيل ليست السبب في الأزمات المتعددة التي تمر بها الدول العربية، فهي لم تفجر المساجد ولم تصنع الفتنة بين السنة والشيعة ولم تحرق كنائس العرب، وكل من فعل هذا هو نحن”.

يثبت يوسف كل يوم خطورة دعاة السلاطين الذين لديهم قدرات غير عادية في ضبط ورسم الفتاوى على مقاسات الزعيم وأفكاره ومصالحه، كما يثبت صدقية ما قاله الشيخ محمد الغزالي يومًا ما في علماء السلاطين المشتغلين بالعلم الديني سواء الذين قاربوا مرحلة الشيخوخة وألفوا كتبًا في الفروع وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين أم المتطلعين إلى ذلك من تلاميذهم أو السائرين على دربهم.

ويصف حالهم بدقة فيقول: “لم يخطوا حرفًا ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية، ومع ذلك وطأتهم شديدة على أخطاء أمتهم أكثر من أعدائها الذين يبغون استباحة بيضتها وتدمير حاضرها ومستقبلها”!

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك