وزير التسليح والتموين في الحكومة المؤقتة ج 01.

العقيد محمود الشريف

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز. 

      يعد العقيد محمود الشريف واحدا من بين ألمع قادة الثورة التحريرية الجزائرية، واستطاع خلال فترة قصيرة من التحاقه بصفوف جيش التحرير الوطني أن يحقق إنجازات عسكرية هامة، جعلته يترقى في سلم الرتب العسكرية وكلف بعديد المهام التي أوكلت له مهمة تنفيذها من طرف قيادة الثورة، ولأن مساره حافل سنعرج على بعض المحطات الحاسمة في حياته، لنمكن قرأ جريدة الوسط من التعرف أكثر على حياته وأعماله معتمدين في ذلك على مجموعة من المصادر والمراجع التي توفرت لدينا. 

نبذة تعريفية عن حياة العقيد محمود الشريف:

محمود الشريف بن محمد علي بن محمد وابن عمارنية شهلة بنت علي، ولد سنة 1911م، بدوار الشريعة، رقم شهادة ميلاده 1170، ينحدر من أسرة نصفها جزائري ونصفها ألماني، فقد كان جده ألمانيا قدم إلى تبسة، واستقر بمدينة الشريعة، وتزوج من إحدى النساء اللواتي ينحدرن من عرش أولاد حميدة، الذين وافقوا على تزويجه بابنتهم بعد الخصال التي اتصف بها، حيث أثمر هذا الزواج ميلاد والد محمود الشريف.

الخدمة العسكرية والمشاركة في الحرب العالمية الثانية:  

وقد تلقى محمود الشريف تعليمه الابتدائي في المدارس الفرنسية، أما مستواه الدراسي B.E في إطار دروس الاكمالي بتبسة، ثم التحق بالكلية العسكرية للضباط ببوسعادة، حيث تخرج منها برتبة ملازم أول، دفعة سنة 1931م، الفرقة الثالثة للصبايحية، وهي الصفة التي أهلته للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، وكذلك أشتهر بها محمود الشريف في الأوساط الشعبية بمدينة الشريعة التي كان يقطن فيها بتسمية محمود اليوطنا. 

ووقع في الأسر خلال الحرب العالمية الثانية 1940، وفرّ من الأسر سنة 1941، أعيد استدعاؤه للجيش الفرنسي سنة 1942، وعمل كضابط بالجيش الفرنسي في عدة جهات كإيطاليا، فرنسا، وألمانيا، وسرّح سنة 1946م. 

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وما أعقبته من حوادث دامية في الجزائر، شهدتها مدن قالمة، سطيف، وخراطة، وغيرها من المدن الجزائرية، بعد قيام الجيش الاستعماري بارتكاب جرائم حرب في وسط الشعب الجزائري، إذ كان الجزائريون، على غرار شعوب العالم أرادوا المشاركة في هذه الفرحة والتعبير من خلالها، وسلميا، عن المطالب التي كانوا ينادون بها والحرب العالمية على أشدها خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. 

لمحة عن نضاله السياسي في حزب البيان الجزائري:

ناضل محمود الشريف في صفوف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وتولى رئاسة هيئة الحزب بالشريعة وهو من المناضلين الأوفياء لفرحات عباس، ويعد عضوا نشيطا بالحزب بتبسة، كما حضر مؤتمرات الحزب مثل مؤتمر تلمسان نهاية سنة 1949م، كما كانت له علاقة بأعضاء جمعية العلماء المسلمين بتبسة. 

ويؤكد المجاهد حمة دينار أن محمود الشريف كان ينتقل في أسواق المنطقة لشرح مبادئ والأهداف السياسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، وفي كثير من المرات كان يتشابك مع رجال الدرك الاستعمارين، وأذكر جيدا أن محمود الشريف أنتقل ذات مرة إلى سوق الضلعة وصعد فوق سيارته الشخصية، وقام بالمنادات على فئات الشعب المتواجدة في السوق، وضمهم في حلقة كبرى، وبدأ يلقي عليهم في خطاب سياسي، مما أثار حفيظة رجال الدرك المتواجدين في السوق، فصعد أحدهم على ظهر السيارة محاولا إرغام محمود على النزول منها ومنعه من مواصلة خطابه، لكن محمود تصدى له بيده ومنعه من الاقتراب منه. 

انضمامه لصفوف جيش التحرير الوطني: 

لقد أحدثت الثورة التحريرية تحولا عميقا في شخصية محمود، خاصة وأنه ينتمي إلى منطقة ثورية كانت سباقة في دخول الثورة بثقل ملفت، وكان طبيعيا أن يلتفت إلى شخصية بارزة ومعروفة في مدينة الشريعة لاستقطابها لصالح الثورة، خاصة وأن محمود له خبرة متمرسة في الجيش الفرنسي وتجربة ثرية في النضال الوطني. 

ولقد حل حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري فانضم معظم منضاليه ومسيريه إلى صفوف جيش التحرير الوطني، وفي شهر مارس 1956، انضم محمود الشريف إلى صفوف جيش التحرير الوطني بناحية تبسة، وقد انضم إليه بعد قيام قيادة جيش التحرير الوطني، بإرسال مجموعة من المجاهدين لأجل مراقبة منزله الذي يبعد بحوالي 03 كلم عن مدينة الشريعة، بعد أن وصلتها إشاعات مفادها أن محمود الشريف كان يتعامل مع السلطات الاستعمارية الفرنسية، وقد استمرت المجموعة في مراقبته لمدة ثلاث أيام، ولم تسجل أي فيها أي اتصالات تمت بينه وبين السلطات الاستعمارية.

ومع ذلك فقد أصدر صالح بن علي سماعلي أوامره للمجاهدين بضرورة إحضاره إلى مركز قيادة ناحية تبسة، حتى يتولى قائد الناحية بشير ورتان البت في أمره، ولم حضر محمود الشريف، حوله بشير سيدي حني إلى عباس لغرور، حيث تؤكد إحدى الشهادات التاريخية للمجاهد علي فارس الكاتب الخاص لعباس لغرور، أن فرحي ساعي هو الذي شفع لمحمود عند عباس، وأنقذه بعد تدخله لدى لغرور بقوله: إنني أعرف هذا الشخص معرفة جيدة، فهو ينتمي إلى عائلة معروفة بنضالها وأن بعض إخوته هم الآن في سجون العدو بسبب تعاطفهم مع الثورة، وبأن محمود رجل مثقف سبق له أن قدم استقالته من الجيش الفرنسي بعد مجازر الثامن ماي 1945، ونشط نشاطا كبيرا في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وأن الثورة ستستفيد كثيرا من انضمامه إليها، واتخذ عباس قراره بإرسال محمود إلى بشير ورتان مقترحا عليه أن يكون له فرقة مغاوير ويكلفه بأعمال فدائية ضد الجيش الفرنسي.  

أما المجاهد محمد الربعي يونس فقول في شهادته حول ملابسات التحاق محمود الشريف بجيش التحرير الوطني: لقد كان صالح بن علي سماعلي هو الذي قدم محمودا إلى سيدي حني. الذي عزم على قتله ولحسن الحظ أنه استشارني في تنفيذ هذا الامر الذي لم يوضح لي الأسباب التي دعته إلى تنفيذه. لكني نجحت في إقناع سيدي حني في العدول عن قرار إعدام محمود الشريف، وأكدت له أن إعدامه لن يخدم الثورة التحريرية أبدا، وهكذا فقد نجى محمود الشريف من التصفية الجسدية على يد قادة جيش التحرير الوطني.

أما المصادر الاستعمارية فتؤكد على أن محمود الشريف التحق بالثورة التحريرية في 03 أفريل 1956م، بالجبل الأبيض رفقة المدعو بوزيد، وذلك حسب رسالة وجهها لأخوه شريف الهادي من أجل الالتحاق بالمجاهدين، وذلك حسب مصر الوثيقة رقم 305 ب S.A.S الشريعة، بينما يذكر مصدر أخر أن التحاقه بالثورة كان بتاريخ 10 أفريل 1956م وأصبح على رأس مجموعة من المجاهدين. 

وبعدها سلم لزهر شريط لمحمود فرقة خاصة من بينهم الوردي زروق، وكون منهم مجموعة فدائية خاصة وهو الضابط المتدرب بالجيش الفرنسي، أثارت الرعب في وسط الجيش الفرنسي. وهكذا ضاع اسم الضابط محمود الشريف بقيادته لفوج كومندوس أرهب السلطات الفرنسية بناحية تبسة، وقد اجتهدت هذه السلطات في الإطاحة به دون جدوى، إلى كلفت أحد الخونة بترصده واصطاده غدرا. 

وقد كلفت قيادة جيش التحرير الوطني محمود الشريف ومجموعته المكونة من ستة مجاهدين القيام بمهمة مهاجمة المركز الفرنسي بجبل الجرف، حيث توجه إليه وتمركز قربه، وبحث عن الثغرة التي تمكنه من مهاجمة المركز لكنه لم يجد الطريقة المناسبة التي تمكنه من مهاجمة المركز الفرنسي، وبعد أيام توجه إلى مركز قيادة جيش التحرير الوطني، وقدم تقريرا باستحالة مهاجمة مركز الجرف، وبعدها أمرته القيادة بالتوجه إلى مدينة تبسة، حيث توجه إليها وقام بتنفيذ عملية فدائية بوسطها، أسفرت عن مقتتل عدد من القومية، ثم قام بعدها بعمليات أخرى جرح في إحداها فنقل على إثرها إلى تونس لتلقي العلاج.

نشاطه العسكري من خلال المصادر الاستعمارية: 

كانت السلطات الاستعمارية تتابع الاعمال العسكرية التي كان محمود الشريف يقوم بها خلال الفترة التي أعقبت التحاقه بالثورة التحريرية بناحية تبسة، ومن أهم الأعمال العسكرية التي قام بها نجد: 

في يوم 18 ماي 1956م كان محمود الشريف على رأس كتيبة لجيش التحرير الوطني بها ما بين 100 و120 مجاهد، حيث قام بالهجوم على كتيبة للجيش الفرنسي بتبسة ليلة 14 إلى 15 ماي 1956م، أسفرت عن القضاء على ستة عناصر من فرقة الاستعلامات الفرنسية بتبسة ذبحا. ويوم 19 ماي 1956م تم استدعاؤه من طرف فرحات عباس من أجل الالتقاء بهذا الأخير قبل أن يسافر إلى القاهر، وكان هذا الاستدعاء مؤرخا يوم 11 أفريل 1956م. 

في الفترة الممتدة من 21 ماي 1955م إلى غاية يوم 07 جوان 1956م، كان على رأس كومندوس لجيش التحرير يقدر بـ 150 مجاهد، مجهزا أحسن تجهيز من حيث اللباس والسلاح، وقام الكوماندوس بتنفيذ عمليات اختطاف للخونة والعملاء وقاد عدة عمليات فدائية بتبسة. وكان ينشط عبر محور الجبل الأبيض ورأس العش بالتنسيق مع سماعلي صالح بن علي، بينما تكفل كل من: شريط التليلي، وملاح الطيب، وميزوني ميزوني، وعرباوي الطاهر، ودقايشية صادوق، وبوغالم بوغالم، بمسألة تموين وتقديم الدعم وتزويد محمود الشريف بالأخبار.  

وأهم الأعمال التي قام بها في الفترة الممتدة من 08 جوان إلى غاية 22 جوان 1956م، وقعت معركة بتاريخ 08 جوان في جبل الزيتونة، بين الكتيبة التي يقودها محمود الشريف والقوات الفرنسية أصيب خلالها أربعة مجاهدين بجراح وقدمت لهم الإسعافات بمشتى النواصرية، وفي يوم 12 جوان تمكنت السلطات الاستعمارية من تحديد فرقة لجيش التحرير الوطني تابعة لقيادة محمود الشريف، ومجهزة بأسلحة حديثة، على رأسها زروق الوردي وبن عرفة محمد، وسهايلية محمد بن أحمد، ومن بين الأسلحة التي كان تمتلكها الفرقة بندقية F.M وستة بنادق حربية، وقد تلقى هؤلاء أسلحة ومؤن من طرف رامي الطيب بن الشريف بمشتى أولاد علية، وتليلي الطيب بن الشريف مشتى أولاد علية، وتليلي حمزاوي وزديرة حمزاوي مشتة أولاد حمزة، وخمايسية أحمد بن عبيد وخمايسية حاج المكي مشتى خمايسية،  وكان المدعو سي بورقعة الساكن في مشتى الجداونية بدوار تروبية يمتلك قطيع أغنام تابع للمجاهدين من أجل التموين باللحوم.

وفي يوم 18 جوان 1956م، قام محمود الشريف بعمل استعراضي بعد تحقيق انتصار على القوات الفرنسية أمام سكان مشتى بوشيبة وخمايسية ببلدية مرسط، وكان المجاهدون يحملون رأس النقيب بيار PIERRE قائد كتيبة G.M.P.R رقم 03 للرماية على سكان المشتى، وأصيب محمود الشريف بتاريخ 21 جوان 1956م، بناحية قنتيس أو رأس العش في مواجهة مع الجيش الفرنسي حيث أصيب برصاصتين. 

لينقل محمود الشريف المصاب في الصدر على جناح السرعة رفقة عمار عمري إلى تونس عبر الحدود لتلقي العلاج، فألقى عليهما عبد الحي السوفي القبض، فتدخلت قيادة الثورة ممثلة في الوردي قتال وعمر البوقصي للإفراج عنهما.  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك