واقع العلمانية بين العرب و الغرب

تشويه

بقلم: صالح عوض

 في صيرورة التطور الطبيعي جاءت العلمانية الغربية تحطم مرحلة التجمد العقلي والتدني القيمي و استعباد الناس باسم الإله.. وكان لها من الدفع العملي ما يكفي لانبعاث أجيال من الناس للحرية من سطوة القهر الديني إلى عالم رحب من التحرر الفكري والسلوكي في حالة قطيعة مع سلطة الدين، وكان لذلك أثر بالغ في تطور الحياة عندهم.. ونتيجة إملاءات الاستعماريين على حكام مثل أتاتورك وشاه إيران وآخرين،أو بالاحتكاك مع الغرب من خلال استعماره وحملاته، تسربت المعادلة نفسها لبعض الناشئة، فشمّروا عن ساعد التهديم لموروثنا الحضاري، مفتعلين واقعا وهميا من سطوة الدين ورجاله، وانفلتوا إلى تقليد النموذج الغربي، وتوزعوا على تيارات من اليسار الى اليمين، ورغم تمكنهم من نواصي وسائل عديدة إلا أنهم أخفقوا.. ذلك لأنهم لم يكونوا نتيجة تطور طبيعي في مجتمعاتهم. 

العصور الوسطى:

 لابد من الإشارة سريعا إلى مصطلح قاعدي في عمليات التغريب والعلمنة يستخدم كمفتاح سحري للحديث عن الماضي من قبل العلمانيين العرب والغربيين سواء.. إنه مصطلح “العصور الوسطى”.. عشرة قرون مرت بها أوربا تعرف في الغرب أنها العصور الوسطى، وهي الفترة الممتدة من القرن الخامس حتّى القرن الخامس عشر الميلادي، أي منذ بداية انهيارات الإمبراطورية الرومانية الغربية، إلى بداية عصر النهضة.. وبتأريخ آخر مع بداية الصعود الإسلامي، وحتى بداية التصدع في العالمية الإسلامية الأولى.. وهنا تكمن مفارقة أن قرون العصور الوسطى في الغرب، يقابلها عشرة قرون من النور والمنعة والحضارة عند المسلمين.

 

في هذه الحقبة التاريخية قد بُنيَت الأديرة على نِطاقٍ واسِعٍ كحملاتٍ لتنصير أوروبا الوثنيّة، وتكرّست سلطة الكنيسة والتي تمثلت نتائجها على الصعيد الداخلي في قمع العلوم التجريبية ومحاولات التنوير ومحاربة ما يتسلل من ثقافات تنويرية من الأندلس، وربط العقل باللاهوت والتفسير الكنسي، ووضع المرأة في أسوأ ما مرت به تاريخيا من خلال تفسيرات دينية منحرفة، وجملة كان تحالف الكنيسة بالمؤسسات الحاكمة عبارة عن أسوأ ما مر بالحقب التاريخية في حق الإنسان من تجهيل واستعباد، وخارجيا بتحريض مسيحيي غَربِ أوروبا للسَيطَرة على فلسطين والمشرق العربي من خلال الحملات الصليبيّة حيث أعَلن البابا أوربانوس الثاني(البابا 1088-99) عَن الحملة الصليبية الأولى في مجلس كليرمون في عام 1095 استجابة لِطَلب مِن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنينوس؛ للمساعدة في مواجهة المزيد من التقدم الإسلامي. تم تعبئة عشرات الآلاف من الناس من جميع مستويات المجتمع في جميع أنحاء أوروبا واستولت على القدس في عام 1099. كانت الحروب الصليبية أساس نوع جديد من التنظيم العسكري الرهباني، الأوامر العسكرية لفرسان الهيكل وفرسان الإسبتارية، التي دمجت الحياة الرَّهبانية بالخدمة العَسكرية.

 

 أصبحت الحروب الصليبية الإسبانِية تَنصَهِر في الاستيلاء على الأندلس من المسلمين من خلال محاكم التفتيش و حروب الإبادة الجماعية والأمر نفسه تم انتهاجه من قبل الصليبيين في حملاتهم على المشرق العربي والمغرب العربي حيث كانت المجازر والتنصير بالقوة والاستيلاء على ثروات العباد هي الأسلوب المتبع.   

 

اتّسمَت الفَترة المُتأخّرة من العصور الوسطى بالتنازُع والانشقاق داخِل الكنيسة الكاثوليكية والحروب الأهلية داخل أوربا، و بالمصاعِب والكوارِث التي لحقتها، فالمجاعات والطاعون والحروب هدّدت تعداد السكان، فبين عامي 1341 – 1350 سَلبَ طاعون الموت الأسود حياة ثُلثِ سُكّان أوروبا.. الأمر الذي منح التنويريين الأوربيين فرصة الانقضاض على الكنيسة ومنهجها والانطلاق إلى مرحلة النهضة من خلال دول علمانية نحت جانبا سيطرة الكنائس ورجالها على المجتمع.

 

في هذه المرحلة التاريخية من القرن السابع حتى القرن الخامس عشر ميلادي كانت حركية الإسلام فعالة من خلال الفتوحات التي أخرجت الناس من نظم استبدادية وأوضاع عبودية الى قوانين المساواة والعدالة الإنسانية و تكسير هيمنة الأصنام الروحية بكل أشكالها وبناء مؤسسات مالية وعلمية وإرساء قوانين تضبط سلوك الفرد والمجتمع ومن خلال نهضة علمية أدبية فلسفية ثقافية واسعة استطاع المسلمون فيها نقل علوم السابقين الغابرة والتي طواها النسيان إلى اللغة العربية لتكون جسرا نحو أوربا المتخلفة.. وتميز علماء المسلمين لاسيما المنشغلون منهم في أبواب العلوم الاجتماعية والإنسانية من أمثال ابن رشد بسعة أفق واطلاع فكانوا يقيمون المدارس في الأندلس لتعليم أبناء المسلمين والوافدين من أوربا الغربية سواء الأمر الذي أحدث هزة في وعي النخبة في الغرب و لاقى الرفض في أوساط رجال الدين الذين أسرعوا إلى إنشاء معاهد دينية للتصدي للوافد من أفكار الفلاسفة المسلمين.

في هذه المرحلة مرحلة العصور الوسطى تمتعت العلوم لدى المسلمين باهتمام بالغ في شتى المجالات في الطب والهندسة والفيزياء والفلك والموسيقى والعمران والآداب و الفلسفة.. وشيد المسلمون حضارة تاريخية لم تتسع لمثلها أي من الحضارات السابقة على مستوى الرقعة الجغرافية أو التاريخية ولم ترتق لمثلها أي محاولة بشرية سابقة في إنسانيتها وسعة افقها بتركيبها للإنتاج الثقافي الإنساني.. والبناء عليه في عمل مكثف 

فمن الخلافة الراشدة مرورا بالأمويين والعباسيين ومملكة الأندلس كانت النهضة الإنسانية على الصعيد القيمي والثقافي والإنساني تعني بوضوح أنها كانت مرحلة نهضة و عظم شأن للأمة وبعيدا عن المظالم على الصعيد الداخلي التي مارسها النظام السياسي ضد معارضيه إلا أنها كانت المرحلة المكثفة بالعطاءات و سيادة العقل والاجتهاد والتجريب. 

 

العلمانية الغربية:

 نرى أهمية توضيح منشأ العلمانية الغربية وكيف تطورت لكي نرى خصوصية الفكرة والمنشأ والصيرورة فالمعنى الواضح لـ”العلمنة” حسب بيئتها التاريخية أنها تشير بالتحديد لعملية نقل وظائف وممتلكات ومؤسسات بعينها من يد الكنيسة بمؤسساتها ورجالها الى يد أناس عاديين لا علاقة لهم بالكنيسة من خلال مراحل انتقالية،  وهنا يجب النظر لمصطلح العلماني المعاصر بوصفه مقولة تطورت ضمن العامل المسيحي اللاتيني..إذ كان ينظر في الفكر المسيحي الى بعض الأماكن والأشخاص والمؤسسات والأفعال على أنها وثيقة الصلة بالمقدس أو بالزمن الأعلى.. بينما كان ينظر إلى أخرى على أنها متعلقة بالزمن العادي وحده فيقال أن الدولة هي الذراع الزمني للكنيسة وان أساقفة الابراشيات العاديين علمانيون لأنهم يعملون بالخارج وذلك في مقابل أقرانهم المترهبين في الأديرة والذين يعيشون وفقا لقواعدها هكذا كانت بداية المصطلح في الغرب.

هذا هو الأصل لمصطلح العلمانية وهو نتاج لتطور الحراك داخل الثقافة المسيحية.. تطورت في بداية القرن التاسع عشر ليبرز انشقاقها في بعديها المقدس والعلماني ليسيطر العلماني شيئا فشيئا وينسحب المقدس وهنا يبدأ معنى جديد للعلماني أي المبتعد عن الكنيسة ومن المفيد للتوضيح هنا الإشارة إلى الأنماط التاريخية والتجريبية الفعلية أو المزعومة للتحولات والتمايزات التي وقعت بين المؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمعات الحديثة المبكرة “مؤسسات الدولة والاقتصاد والعلم والفن والصحة واللهو والرفاهية”.. وتطورت مضامين العلماني الى ان يصبح هو المتحكم بالسلطة كلها وقد أقصى الديني من الشراكة تماما وسيعود هذا التوكيد الشرس على العلمانية مع الجمهورية الفرنسية الثالثة، التي تأسست لائكيتها على فكرتي اكتفاء العلماني بنفسه وإقصاء الدين عن مسرح الحياة.. غني عن القول بأن هذه الروح لا تزال تواصل سريانها في فرنسا المعاصرة بتطور متوحش للعلمانية، كما يمكن للمرء أن يرى في ذلك الجدل الذي لا ينقطع حول منع الحجاب إلا سلامي.. إنه الإصرار نفسه إذن: أيجاد الفضاء العمومي، الذي لا بد أن يكون نقيا من أي مرجعية دينية.

كان هذا نتاج صراع حاد بين الكنيسة و صناع الحياة من مثقفين ومفكرين وقوى اجتماعية وسياسية عندما حسم لصالح العلمانيين بدأت نهضة الغرب العلمية الواسعة في شتى المجالات.. فالعلمانية المتولدة من رحم المسيحية اللاتينية نتاج غربي خاص بملابسات خاصة وسيرورة خاصة تماما.

العلمانية في بلادنا:

على عكس التجربة الغربية تماما ولدت النهضة وعصور التنوير عندنا في ظل علو شأن الدين والثقافة الإسلامية والاجتهاد والفلسفة وعلوم الإسلام والآداب والفلسفة الإسلامية.. ثم عبر تاريخنا لم تكن سلطة للمسجد ولا لعلماء الدين يمارسونها ضد النشاط العلمي والتطور ولم يشترك علماء الدين عندنا مع الحكام في ثنائية الحكم والدين.. ولهذا فمن البداية يظهر عدم توافق شروط الميلاد للعلمانية عندنا مع العلمانية الغربية..

العلمانية عندنا لم تكن تطورا في منظومتنا الفكرية والثقافية كما حصل في الغرب إنما كانت بقرار من الحكام كما حصل في تركيا وإيران بفعل مراسيم حكومية من قبل أتاتورك والشاه في بدايات القرن العشرين في عملية قهرية لا علاقة لها بالثقافة ولا بحاجة اجتماعية انما خضوعا لأوامر الأجنبي.. و لذلك كانت العلمانية عبارة عن ضربة سيف لقطع التواصل التاريخي مع الثقافة الإسلامية تستبدل نظم الحياة جميعها بسلسلة قوانين وتشريعات ليس لها علاقة بوجدان الأمة ولا ثقافتها وقد افتعلت العلمانية المفروضة صراعا مع الموروث الثقافي والحضاري الى درجة تغيير لغة الآذان والحرف والدستور وأنماط الحياة وزي المرأة وقوانين المواريث والأحوال الشخصية..

تسللت العلمانية في الدول التي احتكت بالاستعمار والحملات الفرنسية في المشرق العربي والمغرب العربي  من خلال  التقاط الاستعماريين لبعض المثقفين العرب وتحميلهم بالشعارات الفرنسية عن العلمانية وتنحية الدين على اعتبار أنه معطل للنهضة والتنوير، وبرز جيل في المشرق والمغرب العربيين يروج لفصل الدين عن السياسة وهو في الحقيقة كما قال ابن باديس رحمة الله عليه انها دعوة لتدخل السياسة في شئون الدين.

فيما ذهبت العلمانية في الغرب لاقتحام معركة مع الواقع الماثل المكرس في السلطة والإدارة ذهب العلمانيون عندنا لافتعال معركة مع التاريخ وموروثه الثقافي في أبهى مراحله وصوره.. ولكي يستقيم لهم الأمر ذهبوا للتشكيك في مصادر ثقافتنا وشرعيتها وافتعلوا جملة معارك بدأ بموقفهم من اللغة العربية والتشريعات و أصول الدين و دوره في حياة المجتمع.

انشغل العلمانيون في بلادنا بمحاربة الدين او برفع شعار فصله عن السياسة كما رفع الفرنسيون فيما لم يقتربوا خطوة من بناء مجتمعات اقتصادية وصناعية كما بنت العلمانية الغربية.. ورفعوا شعارات الديمقراطية وحرية التعبير وحرية العمل السياسي والحزبي وفق النموذج الغربي ولم يكونوا أمناء مع ما يطرحون، فلقد كانت هذه العناوين مقبولة ومرحبا بها طالما كانت تنتهي لصالحهم في حين يتحولون إلى وحوش ضارية إن فلت الأمر من بين أيديهم رافضين أن يكون للدين أي حضور في المشهد السياسي.

ورغم ان العلمانيين في بلاد العرب لا ينضوون تحت لون واحد فمنهم اللاديني الليبرالي ومنهم الشيوعي ومنهم الذي يخلط شيئا من الدين على صعيد السلوك الشخصي ويتبنى رؤية الحضارة الغربية لاسيما فرنسا في فلسفة إدارة المجتمع والدولة ومع هذا فإن مشكلة العلمانيين في بلاد العرب والمسلمين أنهم لم يستطيعوا بناء سيادة وطنية أو قومية ولا اقتصاد ولا انتصارات، وكانوا دوما يسيرون في فلك الأجنبي أما الرأسمالي او الشيوعي الأمر الذي عرض بلداننا دوما الى التبعية الاقتصادية والارتهان السياسي..

ملخص المسألة:

إن العلمانيين في بلاد العرب والمسلمين ظاهرة ثقافية منبتة لا صلة لها بتطور ثقافي اجتماعي في مجتمعاتنا، وهي عبارة عن ترديد صدى للشعارات الثقافية الفرنسية والليبرالية عن الدين عموما، والتشكيكات التي يطلقها المستشرقون بحق تاريخنا وإسلامنا.. ومن الملاحظ ان العلمانية في بلاد العرب والمسلمين لم تصعد من تحت حيث الحراك الشعبي الثقافي، إنما نزلت بفرمان الحاكم الخاضع لإملاءات الغربيين كما كان شأن شاه إيران وأتاتورك تركيا او الحبيب بورقيبة أو من خلال شريحة تتلمذت على الثقافة الفرنسية خصوصا.. و تلجأ طبقة العلمانيين عندما تحاول العمل السياسي إلى الاتكاء على الغرب لاسيما فرنسا زعيمة العلمانية الغربية.. وتتجند وسائل الإعلام الفرنسية والتابعة لها في الترويج وتضخيم التيار العلماني في بلد ما متجاهلة كل مبادئ المساواة والحريات وحقوق الآخرين في العمل السياسي والتعبير عن الرأي.. وهذا يقود العلمانيين إلى تزاوج موقفهم النافر من الدين بموقفهم المائع من فلسطين فمن أتاتورك والشاه إلى الحبيب بورقيبة ورهط العلمانيين يساريين أو ليبراليين يعتبر الإقرار بشرعية وجود إسرائيل مسلما من رؤاهم السياسية..

حيث تتواجد العلمانية في أي بلد من بلادنا العربية يبدأ الصراع على الهوية والدين وفلسطين.. الأمر الذي يفقد العلمانيين العرب مسوغات خطاب واقعي الأمر الذي يلجئهم دوما الى الحسم المتطرف في الأخر.. رغم ذلك ينبغي ان يواجه العلمانيون بالحوار والنقاش وتغليب منطق البحث عن مشترك وعدم السماح أن يتحول ذلك الى انشقاقات مجتمعية لأن ذلك ما يبغي الاستعماريون والله غالب على أمره.

 

  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك