واجهة الدولة ..خطاب وكيان

رئاسة الجمهورية و الفواعل المجتمعية ومؤسسات الدولة

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

تقتضي المرحلة المقبلة سياسيا بما تعنيه للجزائريين ،ولكيان الدولة الجديد من آفاق تعزيز استراتيجية الاتصال بين رئاسة الجمهورية وباقي الفواعل المجتمعية ومؤسسات الدولة ،وقد أضحى من الضروري استحداث هيئة اتصال فعالة ،ومؤثرة في الدولة تخاطب الجزائريين وتؤطر الاتصال الرسمي لمؤسساتها خاصة وأن الفراغ الاتصالي الذي أضر بالدولة قزم الكيان وألغى بنيتها المؤسساتية وميع النقاش حول قضايا الدولة وقد شكل أيضا خطاب رئيس الجمهورية المنتخب عبد المجيد تبون نقطة تحول هامة في الاتصال المنتهج بين الرئاسة والشعب الذي لم يرى رئيسا يتحدث منذ ازيد من ستة سنوات لذا أضحى من الضروري تنمية مهارات الاتصال لدى القيادة السياسية كضرورة ملحة وقصوى ترتكز على خطاب اتصالي فعال يستوعب الموجود ويحقق المنشود.

فلو عدنا الى تجارب سابقة فقط غاب في الاتصال بين رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة الفعالة والشعب ولم يلتقط الرأي العام الوطني إلا أخبارا غير كاملة أو اشاعات مغرضة أو تحريضا ممنهجا على الدولة ومؤسساتها فإننا ندرك تماما أن الاتصال على المستوى القيادة السياسية على مستويات مؤسساتية عالية أضحى ضروريا ،ولم يعد نشاطا ثانويا كما يراه البعض فالاتصال المؤسساتي يعبر الآن ،وضمن المرحلة المقبلة عن جزء هام من التحول السياسي العميق الذي تشهده الجزائر وقد صار من الضروري استحداث هيئة عليا للاتصال على مستوى مؤسسات الدولة تؤطر الاتصال الرسمي لمؤسساتها عبر كافة المستويات وهذا لإحالة الرأي العام الوطني إلى المعلومة الرسمية وتقاليد الاتصال المنظمة التي تعبر عن استراتجية الدولة في الاتصال والإعلام .

هذه الهيئة التي يجب أن تتولى سياسة الاتصال مع جميع الفواعل المجتمعية من جمعيات واحزاب وفواعل شبانية وطاقات فاعلة في الشأن العام وأعتقد أن هذه الهيئة الوطنية سيكون لها دور فعال وبارز في تعزيز ثقافة الاتصال المؤسساتي في الدولة التي تضررت فعلا من غياب الاتصال والإعلام في مختلف هياكل الدولة وترك الأمر لمسؤولين يرتجلون حديثا خارج فنون الاتصال السياسي ،وما يجب يكون عليه اتصال الدولة مع الشعب والذي يقتضي أن يكون فعالا غير نمطي أو متذبذبا أو ارتجاليا وفوضويا .

لقد خاطب الشباب الذي يعتبر القوة الضاربة للحراك الشعبي النظام السياسي خارج المؤسسة ومنظومة الاداء الرسمي ولم يعد مقبولا على الاطلاق ان تبقى الدولة ومؤسساتها التي يخاطبها الشعب في موقع “ردة الفعل ” بل عليها أن تدرك وهذا لا يعيه الا اطارات مهنية في الاتصال أنها مطالبة بحركة اتصالية وبخطاب قدرات الاقناع فيه نوعية ومؤثرة بعيدا أن أي ديماغوجية في الخطاب والأداء فالاتصال يجب أن يكون شفافا وفعلا ،وتفاعليا بين مختلف مكونات وفواعل الدولة ومؤسساتها يحقق اتصالا يعزو من قوة الدولة ،وكيانها المؤسساتي الذي غاب بفعل غياب استراتجية اتصال ،وإعلام فعالة ومؤثرة يستثمر فيها على مستويات عديدة .

لقد أبانت تجارب سابقة أن غياب أي تكون للمسؤولين السامين في الدولة في الاتصال أنتج هشاشة في الخطاب والأداء ولم ينتج قدرات في الاقناع ،ولم يحقق المرجو من وجود تمثيل للدولة على المستوى المحلي بل وجدنا ولاة لا يمكن ان يديروا بالاتصال ازمات وقعت في الولايات ولم يتم إدارة المواقف بمهنية خاصة على المستوى الاتصالي وهذا الاخفاق رآه الجزائريون عبر حوادث واحتجاجات قام بها مواطنون في ولاياتهم وقد أضحى من الضروري الآن الاستثمار في الاتصال ومعارفه ومنابر التكوين في الجامعة التي تتيح تكوينا على يد مهنيين وخبراء أكاديميين في الاتصال لجعل الدولة تتصل عن طريق كفاءات وتسد فراغا قاتلا في هذا المجال ألغى كيان الدولة المؤسساتي ،وعزز من ثقافة “شخوص النظام ” .

إن الدولة الجزائرية تشهد مرحلة تحول هامة تقتضي طرحا واقعيا في الاداء ولا يمكن إنتهاج أي خطاب شعبوي لاستقطاب رضا الناس فهذا الأسلوب قد كشف الضرر العميق ،والخطير على الدولة قزم كيانها وجعل حركة الشخوص أقوى من إيقاع المؤسسات وهذا الواقع تسبب فيه غياب استراتجية اتصال للدولة كمؤسسة تخاطب عن مضمون الشعب الذي لم يجد خطابا اتصال يستقطبه الأمر الذي حول منصات للتواصل الاجتماعي إلى فضاء اتصالي بديل بالنسبة لشرائح اجتماعية عديدة خاصة منها الشباب الذي يميل إلى ممارسة الاتصال عبر هذه المنصات الاتصالية الحديثة لغياب أي منابر أخرى للاتصال فعالة ومؤثرة .

 

وانطلاقا من هذا المعطى يجب الانتباه إلى أن الدولة الجزائرية مطالبة اليوم بتفعيل آليات حقيقية ،وملموسة لتطوير سياسة الاتصال على مستويات عديدة بداية من مؤسسة رئاسة الجمهورية التي يجب أن تنتهج خطابا اتصاليا وتمارس تقاليد اتصال فعالة الى مؤسسات الدولة الأخرى التي تمثل الجهاز التنفيذي ،والمنتخب فيجب أن يشعر الجزائريون أنهم أمام مناخ اتصالي جديد تؤسس له آفاق الدولة الجديدة التي تحتاج فعلا إلى مسار إصلاحي في مختلف المجالات والقطاعات فقد تأخر وقت الدولة .

كما يجب على الدولة التي تسعى الى حوار جاد مع “الحرك الشعبي ” أن تنتهج في هذا الحوار الوطني سياسة اتصال مغايرة تماما عن سياسة الاتصال التي تم انتهاجها في سنوات تجسد فيها مفهوم “الزعامة ” على حساب كيان الدولة ،وهذا الحوار الذي يعتبر فضاءا اتصاليا هاما لإيجاد حل توافقي للازمة السياسية وتمكين الشباب من أن يكون فاعلا في منظومة الدولة الجديدة يحتاج هو الآخر كمحطة تحول ،وطنية سياسية تاريخية لخطاب اتصالي فعال بين مختلف اطراف الحوار المؤثرة في المشهد الوطني ولا يمكن تبعا لهذه الخطوة الهامة التي تقوم بها الدولة ان تتحقق نتائج ملموسة الا اذا كان الخطاب الاتصالي فعالا ومؤثرا وهذا مسالة حيوية وهامة لا يمكن اغفالها في انتاج هذا المشهد الاتصالي الجديد الذي يعبر عنه الحوار بين الدولة والحراك الشعبي الذي خاطب السلطة خارج المؤسسات .

لذا فان المحطات القادمة للإصلاح التي ستبادر بها القيادة السياسية الجديدة للدولة أرى أن ورشاتها تحتاج لإستراتجية اتصال فعالة تحرك الخطاب الاتصالي للدولة وتنتج أداء مقنعا يمكن على أساسه استعادة التوازن المطلوب في ساحة العمل العام ،والعمل السياسي الذي يجب أن يثري المشهد الوطني بدل أن ينتج هشاشة تضعف الدولة ،وتلغي كيانها ولم يعد مقبولا على الاطلاق ،والجزائر تشهد تحولا سياسيا عميقا أن تبقى سياسة الاتصال المنتهجة ممركزة في جهة ما أو مؤسسات معنية بل يجب الاعتماد أيضا على وسائل الاعلام عبر تقاليد اتصالية جديدة ،وطرائق عمل مغايرة لتعزيز الخطاب الاتصالي للدولة ،وجعل القيادة السياسية أكثر اقناعا وخطابها أكثر فعالية .يتبع…

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك