هموم غمرت الحملة حول الدستور

وطفت من خضمها

بقلم احسن خلاص

تجتاز الحملة الانتخابية في أفق الاستفتاء على الدستور أسبوعها الأول دون أن يرى الرأي العام المتابع نقاشا حادا بين المؤيدين للتعديلات الدستورية والرافضين لها. ولعل ما صار يثير الانتباه أكثر المحاكمات المستأنفة في حق المسؤولين السابقين المتورطين فى الفساد في عهد بوتفليقة. وقد قفز الوزير الأول عبد المالك سلال إلى سطح الاهتمام بمواقفه الهزلية المعتادة كما فازت بصدارة الأحداث قضية السيدة مايا البنت المزعومة للرئيس السابق وقضايا أخرى أعلن عنها مثل إعادة فتح ملف الخليفة واستدعاء الوزير الأول السابق نور الدين بدوي للتحقيق. ولعل آخر الملفتات للانتباه والاندهاش إعلان وزارة التربية عن إقرار النجاح في امتحان البكالوريا بمعدل 9 من 20 بدل المعدل العادي التقليدي وإعلان وزارة العدل عن احتمال تفعيل حكم الإعدام في حق المعتدين على الأطفال.

أحداث كثيرة دخلت على خط الحملة الانتخابية وشوشت اهتمام المتابعين لها وأكثر هذه الأحداث ليس تلقائيا في ذاته، إذ كان يمكن النظر فيها بعد انتهاء الاستحقاق الدستوري بالنظر إلى أهمية هذا الأخير في تحديد معالم المرحلة المقبلة. لقد تدحرج الدستور إلى المراتب الأخيرة في سلم الاهتمامات واقتصر مجهود المتدخلين من وزراء ورؤساء أحزاب تقليدية على تبيان المزايا العامة والكبرى التي يحتويها الدستور الجديد وتقديم هذا الأخير بصورة تجعله مفتاح كل معضلات البلد وأن ما بعد 2 نوفمبر سوف لن يكون مثل ما قبله إذ ستنطلق الجزائر الجديدة، جزائر الحريات التي ستقطع مع جميع أساليب القمع والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وستنتهي جميع الأسباب التي أنتجت الحراك من احتكار الحكم واستعمال النفوذ ونهب المال العام… وحتى وزراء البيئة والموارد المائية سخروا خطاب الحملة من أجل تبيان فضائل الدستور على البيئة والتنمية المستدامة وعلى الثروة المائية التي أوصى بها خيرا للأجيال القادمة وعلى الدرب ذاته سار وزراء الثقافة والسياحة والتضامن الوطني وغيرهم، الكل يذكر فضل الدستور الجديد على قطاعه.

ولعل من الغرابة أن أحزاب المرجعية الإسلامية التي انخرطت كلها في العملية الاستفتائية بين مؤيد ومعارض للدستور لم تفلح هذه المرة في حشد اهتمام الناخبين ولا لفت انتباه المتابعين بالرغم من تركيز خطابها على مسائل مرتبطة بالأسس والثوابت والمسائل الدينية والحضارية المرتبطة بتفعيل أكبر للمرجعية الإسلامية في التشريع وإعادة النظر في دور ومكانة المدرسة والمسجد في المجتمع. والمفارقة الثانية تكمن في أن هذه الأحزاب اختلفت في النظر إلى هذه الأسس بالرغم من أنها من مشرب واحد. وقد توحي هذه المفارقة بأن الدافع إلى هذه الاختلافات السياسية لا علاقة له بتباين فكري أو مذهبي انما يدخل ضمن حرب مواقع واصطفاف ترقبا للمواعيد المقبلة.
ومن هنا فإن السلطة أمام تيارين متنافرين في الظاهر غير أنهما متكاملان إذ يصب عملهما في مصب واحد تصبو إليه السلطة وهو ضمان مشاركة أكبر عدد من الناخبين.

وتعد الجزائر مثالا فريدا في تقسيم خارطة العمل السياسي الإسلامي فهو البلد الذي ولدت فيه المرجعية الإسلامية ما يقرب من ستة أحزاب لا يفرق بينها إلا الموقف التكتيكي من معطيات الساحة السياسية الداخلية ومقتضيات التعامل مع السلطة أو صراعات شخصية ذات خلفيات قديمة أو مرتبطة باحتلال مواقع لذا نجد مواقفها منسجمة تماما ازاء القضايا الاقليمية ذات الاهتمام المرجعي مثل الاتفاق على دعم المحور الإخواني التي ترعاه تركيا وقطر مقابل معارضة محور الإمارات العربية المتحدة والسعودية المعادي للتيار الإخواني ودعم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة مقابل اهتمام أقل بسياسة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لكنها تنفلت عن الانسجام عندما يتعلق بالتعامل مع السلطة والمحيط السياسي الجزائري.

لقد أدى تدخل الإسلاميين في النقاش حول الدستور إلى توجيه الرأي العام نحو قضايا الهوية والأسس الحضارية والاجتماعية وبالمقابل أهملت إلى حد كبير الخوض في قضية نظام الحكم وقضايا أخرى تتعلق بالمجالين الاقتصادي والثقافي وانصرف بها حديثها بمواليها ومعارضيها إلى قضايا ظلت تشتغل عليها منذ عشرات السنين دون أن تجدد مواقفها.

وأغرب ما يلاحظ أن الصراعات التي تحدث بين الأحزاب الإسلامية على مستوى قياداتها أنه لا يعاد انتاجها على مستوى الأرض مع مناضليها في القواعد، فهي مرتبطة باحتكاك القيادات بمحيط السياسة والمال وتكاد لا تختلف هذه الصراعات عن تلك التي تحدث بين قيادات حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي حول المواقع داخل الأحزاب ذاتها وفي فلك دوائر خارجية.

وبالمقابل تظهر الأحزاب المقاطعة مواقف سلبية فهي لا تقاطع بسبب موقفها من هذه المادة أو تلك من الدستور بل لأن موقفها معارض تماما للمسار السياسي المنطلق عقب استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. لذا لا تضع نفسها ضمن النقاش الدائر حول الدستور من أصله. ومع اقتراب موعد الاستفتاء انتقل هذا النقاش من اهتمام الامة والمجتمع ليتقلص الى اهتمام الدولة قبل ان ينتهي الى مجرد اهتمام ضيق للسلطة والأطراف المحلقة حولها ابتغاء الظفر بمواقع في الترتيبات السياسية القادمة كما دأبت على ذلك منذ سنوات.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك