هل يسقط الغنوشي غدا ؟

قصة حركة النهضة غير الكاملة

كل الأنظار سوف تُشّد غدا صوب البرلمان التونسي ، الذي ازمع عقد جلسة سرية ، دون نقاش ، تطبيقا لمبدأ توازي الإجراءات(نفس طريقة انتخاب الرئيس)، لغرض سحب الثقة من رئيسه راشد الغنوشي ، وعلى الفصيل المناوئ ، بقيادة رئيسة الحزب الدستوري الحر ، السيدة عبير موسي الذي بلغ به الخصومة إلى الاعتصام داخل مقر البرلمان ، جمع أكثر 109 صوت.

تعتبر اللعبة السياسية ، لعبة موازين قوى و توزيعها ، هذه القوة التي تفرزها صناديق الاقتراع الشعبي ، فمن النادر النجاح في إضعاف من يستمد قوته من سلطة الشعب .

فهل تنجح عبير في سحب البساط من الشيخ الغنوشي ؟

راشد الغنوشي كاريزما ، شيخ مخضرم ، حلب الدهر شطره في المنافي ، من مواليد 1941 ، علم من أعلام حركة النهضة ، و أحد زعمائمها الاوائل ، ممن حضروا لحظة الصرخة الأولى لها ،  عايش منشطها و مكرهها ، ازدهارها و نكساتها و محنتها (1991-2010) ، تربع على رئاستها في السر و العلن ، ساهم بمنجزاته الفكرية في بسط و تأسيس مهادها النظري ، يحسبه الكثير من المهتمين بالاسلام السياسي شخصية توافقية ، معتدلة داخل المعادلة السياسية التونسية ، كما يعتبر رقما صعبا فيها و ركن أساس داخل المشهد السياسي . متمرس مثقف ، مجيد للمحاورة و المناورة ، نجح في إعادة هيكلة الحركة ، بعد 20 سنة من الحطام و الشتات و النفي والسجن الذي عاناه مناضليها و أتباعها . 

يعتبره البعض المحور الاساسي الذي تدور حوله خيارات الحركة ، و سياساتها ، آلت إليه رئاستها من جديد في أول مؤتمر علني عقدته النهضة في تونس (من 12 إلى 17 جويلية 2012) ، حيث فاز بنسبة 72،8 % من الأصوات من مجموع 1103 صوت يمثلون المؤتمرين .

قاد الغنوشي الحركة إلى الفوز في انتخابات المجلس التأسيسي و قيادته و الفوز في الانتخابات التشريعية و ترأسه للبرلمان التونسي ، مما يعكس أمارات إيمان النهضة بالعمل السياسي الديموقراطي التشاركي ، انطلاقا من داخلها ، فنلاحظ خروجها من الطابع المشيخي البطرياركي الى طابع مؤسساتي هيكلي .

فمن يريد رأس الغنوشي ؟ و ما السر في احتدام الصراع السياسي داخل البرلمان الذي يجمع الكل على أنه جاء من رحم صناديق اقتراع نظيفة ؟! لماذا سحب الثقة من الغنوشي الرئيس الشرعي للبرلمان ؟ ومن يقف وراء النائب عبير موسي ؟ وهل سوف تنجح غدا في جلسة سحب الثقة ؟

شكل فوز حركة النهضة في الانتخابات التشريعية الاخيرة ، و فوزها برئاسة البرلمان ، صدمة للخصوم. التقليدين لها لا سيما بقايا النظام البائد ، و المغايرين الايديولوجيين ، قبل أن يكون هذا الفوز حدثا تاريخيا مهما ، هو منعرجا سياسيا خطيرا الكثير منهم ، و تحدي كبير في مسار الحركة ، ذاتيا و موضوعيا ، فمن الجانب الذاتي نجحت الحركة في كثير من المسائل التي سكلت تحديات فعلية ، لا سيما على مستوى تجديد الخطاب ، و إعادة بعث الحركة ، فكما قلنا في المقال السابق ، ان برنامجها المتكامل المتضمن 364 نقطة جاء متماشيا مع السياق الثقافي و الاجتماعي وعبر بصورة واضحة على هموم المواطن ، مما مكن الحركة بالفوز باغلبية الأصوات .

تبقى التحديات الموضوعية التي تواجه الحركة في إدارة الشأن السياسي العام ، ومنها ما تعيشه اليوم من خصومة سياسية  مع بعض المعارضة الاقصائية ، التي تسعى الى سحب البساط براشد الغنوشي ،  التي تخشى من تحويله النجاح الانتخابي للنهضة ، إلى نجاح تنموي ، فتزداد قوتها ، و تجذره داخل اوساط الشعب ، فعمدت هذه الزمرة ، الى تحريك اذرعها ،  داخل اتحاد الشغل ، وأبواقها داخل وسائل الإعلام ، محاولين عبثا الى الانزياح الى الجدل الأيديولوجي و الاستقطاب الثنائي بين الاسلاميين و العلمانيين ، بدلا من جدل البرامج و الفكر التنموي العملي .

صار جليا أن وراء هذه الزوبعة ، فلول النظام السابق ،من بقايا حزب التجمع الدستوري الديموقراطي المنحل ،  التي تخشى المحاسبة و العزل من المناصب ، بعد أن بدأت هيمنتهم على المشهد السياسي تتراجع ، و بدأ ودخولهم في عطالة سياسية ، بعد أن تم منعهم من الترشح لانتخابات المجلس التأسيسي ، و تجحيم و تقزيم دورهم الديماغوجي داخل أوساط الشعب ، فعمدوا الى تجييش الشباب المهمش و العاطل باستعمال المال الفاسد ، بهدف الإجهاز على مرافق الدولة المدينة الفتية الجديدة . 

وتأتي في المقام الثاني العائلات المافوزية التي تشكلت في ظل الحكم البائد ، و انتهبت المال العام ، و أسست وثروات طائلة من خلال السطو على كبريات الشركات و المشاريع الاستثمارية ، فهي ترى صعود النهضة خطرا على مصالحها الفاسدة ، وتهديدا لها بقودها إلى أروقة القضاء ، الذي لا مناص منه ، باعتباره الإجراء الأساس لإعادة توزيع الثروة توزيعا عادلا .

كما تعتبر مجموعة الاحزاب السياسية التي فشلت سواء في الاستحقاقات التشريعية ، او في المجلس التأسيسي ،و هي أحزاب اليسار الرديكالي و بعض الأحزاب سليلة التجمع الدستوري الديموقراطي المنحل ، التي ظهرت بتسميات جديدة ،  بقيت رافضة للوضع السياسي الذي انتجته صناديق الاقتراع .

كما استغل خصوم الحركة العصبيات القبلية و الجهوية في اذكاء نار الفتنة ، و الصراع الهوياتي و تتاحر داخلي ، لإفشال بناء دولة المؤسسات و معركة التنمية التي تقودها الحركة . كما استغل خصوم حركة النهضة حضورهم داخل اتحاد الشغل و حولوه من نقابية عمالية عريقة تدافع عن حقوق العمال ، الى منظمة تخدم اجندات حزبية ضيقة مت خلال الاعتصامات و الاضربات و احتلال الفضاءات العمومية ، مما عطل إقلاع عجلة التنمية بهدف كسر نجاح حركة النهضة . 

في خضم هذه التحديات ، و المعارك السياسية تبقى النائب عبير موسي ماهي إلا رأس جبل الجليد الذي يعترض سفينة تونس التي اقلعت بقيادة النهضة تروم إلى الوصول الى مرافئ الرفاه الإقتصادي و شوطئ الحرية و المساواة

فهل ينجح هذا اللفيف غدا في سحب الثقفة من ربان سفينة البرلمان ؟ 

من الصعب زحزحة راشد الغنوشي من منصبه ، فإن نجحوا في ذلك سوف يحل البرلمان لأن الحكومة الجديدة تنتظر افتكاك الثقة منه ، و للنهضة كلمتها العاليا فيه ، و دون منح الثقة لهذه الحكومة يعني حل البرلمان وجوبا ، و الإعداد لتشريعيات جديد في سقف ميعاد شهرين . فراشد او انتخابات تشريعية أخرى ، فمن يجازف ؟ 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك