هل يحتاج تبون إلى تحالف رئاسي؟

حرص الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية وهو يتلو قائمة أعضاء الحكومة الجديدة، بقيادة عبد العزيز جراد، على ذكر الشهادات العلمية لأعضائها الجدد في حين اكتفى بشأن غيرهم ممن سبق وأن استوزر بالقول بأن هذا وزير حالي أو وزير سابق. وثمة رسالة مفادها استناد اختيار أعضاء الحكومة الجدد على الكفاءة دون غيرها من الولاءات الشخصية والإيديولوجية أو الحزبية، وبالمختصر المفيد فهي حكومة كفاءات كما بشر بها الوزير الأول من أول يوم.

ولا يمكن الجزم بأن الترتيب الذي جاءت به قائمة أعضاء الحكومة حسب بيان رئاسة الجمهورية يقصد به ترتيب الأولويات في السياسة الحكومية الجديدة أو تنضيد الوزارات وفق أهميتها البروتوكولية أم أنه كان ترتيبا عشوائيا ومصاغا على عجل، إذ أن وزارات اعتبرت ذات أهمية قصوى في برنامج التنمية نجدها تزحزحت إلى مراتب متأخرة بينما تقدمت وزارات المجاهدين والشؤون الدينية على وزارات الصناعة والفلاحة والاتصال لاسيما وأن صاحب هذه الحقيبة الأخيرة، عمار بلحيمر، يعد الناطق الرسمي باسم الحكومة، وهو الذي احتل المرتبة 19 في “الترتيب الرسمي” لأعضاء الحكومة بينما احتل فرحات أيت علي وزير الصناعة والمناجم المرتبة 15 وهو الذي تقدمه بعض المصادر بأنه أحد مهندسي التنظيم الهيكلي الجديد للحكومة.

ومن هنا تصعب قراءة أولويات الحكومة من هذا المنظور ولا يوحي هذا الترتيب بالضرورة بأي قراءة سياسية محددة وقد نضطر للانتظار أياما لنستمع إلى الوزير الأول عبد العزيز جراد وهو يعرض مخطط الحكومة لتتضح البوصلة وتتبين معالم طريقها.

ويلاحظ من جانب آخر أن هندسة الحكومة حرصت على أهمية التخصص وارتباط عضو الحكومة بقطاعه وأن يكون، إلا في القليل النادر، قد اكتسب تجربة تؤهله لفهم أولويات القطاع والقدرة على تسييره، من منظور التصور الذي أعد لهيكلة الحكومة، وقد يستشف من هذا أن هوامش مناورة الوزراء ضيقة إلى حد بعيد، إذ أن مهامهم الأساسية هي تنفيذ وتسيير قرارات تصاغ في مكان آخر، ربما يكون الوزارة الأولى أو “حكومة ظل” في رئاسة الجمهورية.

وإذا عدنا إلى الرصيدين العلمي والمهني اللذين قدم بهما أعضاء الحكومة فإننا نجد الحكومة تتراوح بين المدرسة الوطنية للإدارة والبوليتكنيك والجامعات، يضاف إليها الخبرة المكتسبة لدى بعض الوزراء كإطارات سابقة في القطاعات التي نصبوا على رأسها. وعكس الحكومات التي عرفتها الجزائر في السنوات الأخيرة فإن هذه الحكومة لم يحظ فيها الولاة إلا بنصيب ضئيل جدا وهو ما يوحي بعدم رضا الرئيس الجديد عنهم وبأن تغييرا جذريا في سلك الولاة الحاليين مرتقب خلال الصائفة المقبلة على الأقل.

أما الغائب الأكبر فهو الأحزاب السياسية لاسيما تلك التي وجهت رسائل عبرت عن استعدادها للمشاركة في الحكومة على غرار حركة البناء الوطني التي نال مرشحها المرتبة الثانية في الاستحقاق الرئاسي الأخير. ويمكن أن نفسر هذا المنحى “اللاسياسي” للحكومة الجديدة من منطلق أن عبد المجيد تبون قدم نفسه بمناسبة الحملة الانتخابية على أنه مرشح المجتمع المدني ولم يخطب ود أي حزب بما فيه حزب جبهة التحرير الوطني، على الأقل انطلاقا من كونه عضوا في اللجنة المركزية لهذا الحزب الذي اضطر لمساندة غريمه مرشح التجمع الوطني الديمقراطي.

وتشكل هذه الخيارات نهاية للتحالف الرئاسي الذي شكله أساسا حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني وضم في فترات معينة أحزابا إسلامية وأخرى ديمقراطية فقد انطلق هذا التحالف عام 1997 واستمر لأكثر من 22 سنة منتقلا بين مساندة الرئيس زروال وتأييد “برنامج الرئيس بوتفليقة” إلى غاية أن أنهى مهامه الحراك الشعبي وجعله يتكبد هزيمة سياسية فادحة في آخر موعد انتخابي.

ويبقى السؤال مطروحا بالنسبة لرئيس جديد أمامه إمكانية الظفر بعهدتين رئاسيتين: ما هو المشروع السياسي لعبد المجيد تبون وهل يحتاج إلى تحالف رئاسي جديد يمكنه من دعم سياسي قوي لتجسيد برنامجه في المراحل المقبلة أم أنه مستعد للتعايش مع ما ستفرزه الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة من خارطة جديدة؟

العارفون بمسار الرئيس الجديد يدركون أنه مسار إداري بالدرجة الأولى، فقد انتقل بين الإدارتين المحلية والمركزية ولم يكن له رصيد نضالي سياسي أو حزبي معتبر وتكون طبيعة هذا المسار قد أثرت إلى حد ما على خياره السياسي وهو الاعتماد على المجتمع المدني، وقد سبق وأن اعتبر المجتمع المدني قوة اقتراح هائلة تفوق الأحزاب السياسية. ويذكرنا هذا الخيار بما قام به الرئيس السابق عام 1999 عندما اعتمد على شخصية احمد بن بيتور التقنوقراطية لتقود حكومة كانت مزيجا من التقنوقراطيين وممثلي أحزاب التحالف الرئاسي وهي التجربة التي لم تدم طويلا فسرعان ما استولت الأحزاب على القطاعات الحكومية ورضي بوتفليقة آنذاك بالاختيار في الوزارات السيادية.

هذه كلها تمثل غيضا من فيض من التساؤلات التي تطرح نفسها في بداية عهد تبون ولأن السياسة هي فن الممكن فإن الرأي العام الجزائري ينتظر الكثير من المفاجآت في قادم الأيام.

احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك