هل يحتاج الحراك إلى نص تأسيسي؟

مع دخوله عامه الثاني

بقلم: احسن خلاص

منذ أيام فقط حاولت مجموعة من الشباب عقد “ندوة وطنية جامعة” الهدف منها الخروج ببيان “يشمل جميع مطالب الحراك الشعبي” وميثاق يتضمن ضوابط العمل داخل الحراك. ومع أن هؤلاء الشباب أعلنوا، خشية أن تؤول مبادرتهم على أنها محاولة للهروب بالحراك والاستحواذ عليه، أنهم لا يدّعون تمثيل الحراك ولا الحديث باسمه إنما هم جزء من فئات عريضة من الشباب الذين لا يريدون أن يروا جهود عام كامل من النضالات والمسيرات والوقفات وهذا الكم الهائل من التعابير والشعارات يذهب سدى ولا يثمن في نص جامع يرضى به الجميع، وذكر الشباب في ندوة صحافية عقدوها بهذا الشأن أن هذا النص هو تتويج لعام كامل من التفكير والحرص على أن لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من قاموس الحراك إلا أحصاها وتولاها بالشرح والتوضيح.

ولكي لا يظهر المبادرون على أنهم متمردون على النظام العام اتخذوا الطرق التي يتيحها النظام لعقد ندوة قد تضم المئات من المشاركين ولافتكاك اعتراف ولو إداري للمبادرة من قبل السلطات إذا ما تم الترخيص لها. لكن المبادرة علقت بمجرد عدم توصل المجموعة بترخيص من إدارة ولاية الجزائر لعقد الندوة التي أجدلت إلى وقت لم يعلن عنه بعد.

هذا الحدث الذي قد يبدو عابرا يحيلنا إلى إشكالية عميقة بعد مرور عام كامل على اندلاع الحراك الشعبي. إنها إشكالية النص التأسيسي والتنظيمي للحراك. وهي إشكالية أخرى لا تقل أهمية عن إشكالية التمثيل والتأطير بل قد تبدو أهم الإشكالات على الإطلاق لما للنص من قدسية وثبات أكبر من التمثيل الذي قد يخضع للتطور مع مرور الوقت.

والحق أن الحراك أنتج منذ الأشهر الأولى قاموسا كاملا من التعابير والشعارات بعضها من تأليفه التلقائي الخاص وبعضها استعاره من الرصيد النضالي لدى التيارات السياسية والاتجاهات الإيديولوجية الفاعلة. حتى أنك ترى في الشوارع بمناسبة مسيرات الثلاثاء والجمعة فسيفساء من التعابير وهي تحتل الفضاء العام جنبا إلى جنب دون تصادم أو ازدحام فالفضاء العام الواقعي أضحى، مع الحراك، يتسع للجميع في اختبار حقيقي لقدرة الجزائريين على قبول بعضهم البعض، بينما صار الفضاء الافتراضي ساحة لمعارك إيديولوجية وسياسية ولتنمية الكراهية والجهوية سرعان من تكذبها الشعارات المرفوعة في الشارع وكأننا أمام عالمين متوازيين. والملاحظ في الوقت ذاته أن هناك شعارات اختفت مع مرور الأشهر، بعد أن فقدت مبررات وجودها وشعارات أخرى ظهرت واحتلت الساحة حيث أبان الحراك عن قدرة عجيبة على تكييف خطابه مع التطورات لاسيما المخرجات السياسية والأمنية للسلطة، وهناك مفاهيم ظلت قائمة من بداية الحراك إلى هذه اللحظة من عمره غير أن محتوياتها خضعت للتكييف وفق المستجدات كمفهوم الحرية الذي كان محتواه في البداية التحرر من الولاية الخامسة والنظام القائم ومطلب حرية التظاهر ليضاف إليه مطلب تحرير معتقلي الرأي وتحرير الإعلام وعقد الاجتماعات إثر الغلق الذي شهدته هذه المجالات منذ السداسي الثاني من السنة الماضية.

وأمام دينامكية التعبير الرهيبة التي شهدها الحراك على مدار عام كامل، هل يمكن الحديث عن ضرورة أن يتزود الحراك بنص تأسيسي أم يجب الاستمرار بمنطلق “دعوها فإنها مأمورة”؟ وهل الحيوية والتنوع الذي تحدثنا عنهما يمكن أن يحتوياهما نص تأسيسي أو توجيهي أو تنظيمي؟ ولعل السؤال المؤرق: من ذا الذي يمكن له أن يدعي شرعية إصدار هذا النص التأسيسي أمام الأفقية التي تميز الحراك الذي رضي أن تكون له نخب وأن يتضامن مع ضحايا القمع دون أن يفتح المجال لبروز قيادات ولتمثيله لدى السلطة التي لا يعترف بشرعيتها.

لقد أنتجت الحركة الوطنية أدبيات سياسية ضخمة قبل الثورة التحريرية كان وراءها كوادر سياسية ذات باع طويل من أمثال مصالي الحاج وفرحات عباس غير أن بيان أول نوفمبر ظل المرجع الأساسي الذي نال ثقة أغلب الجزائريين والتفت حوله كل القيادات الثورية دون استثناء مع أنه كان نتاج مجموعة من شباب مغمورين كانوا يعيشون في سرية تامة، مبحوث عنهم من قبل الشرطة الاستعمارية. ولأنه كان بمثابة شهادة ميلاد الثورة التحريرية فإن قدسيته لا تتعلق بمحتواها أكثر مما تتعلق بكونه النص المؤسس بامتياز، ولا يزال هذا النص إلى يومنا هذا مرجعا أساسيا، حتى ولو اختُلف اليوم في تأويله، إلا أنه لا يملك أحد سلطة تغييره.

وإذ يمر عام كامل على اندلاعه، صار الحراك الشعبي عرضة لقراءات سياسية عدة ومتباينة أحيانا فبالنسبة للسلطة فإن 22 فبراير هو اليوم الذي تلاحم فيه الشعب مع جيشه من أجل الديمقراطية، وقد أعطته طابعا احتفاليا رسميا مخلدا، عكس ذكرى 5 أكتوبر 1988 التي بقيت منحصرة في الذاكرة الشعبية، أما أطياف الحراك فقد فضلت اعتباره يوما للحرية والكرامة والسيادة الشعبية وتلاحم الشعب مع بعضه، باعتبار الجيش جزءا لا يتجزأ من الشعب الجزائري، متجاوزا الفوارق الطبقية والفئوية والجهوية واللغوية والدينية.

وإذ يعبر إلى عامه الثاني فإن الحراك بحاجة إلى إبداع أساليب جديدة لتنظيم كفاحه من أجل بلوغ أهدافه في سلمية تامة لكن قبل ذلك عليه أن يفكر في كتاب ما إن تمسك به لن يضل بعده أبدا.

بقلم: احسن خلاص   

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك