هل هي نهاية الهدنة؟

بين السلطة والحراك

بقلم: احسن خلاص

 

هل أعلن وزير الداخلية كمال بلجود هذا الأسبوع عن انتهاء الهدنة مع الحراك الشعبي والتي كانت قد أعلنتها السلطة من جانب واحد منذ تولي الرئيس تبون مقاليد السلطة؟ فقد عاد التصعيد من جديد واتخذ منحى أخطر من ذلك الذي ميز فترة تولي رئيس أركان الجيش الراحل قايد صالح زمام خطاب السلطة.

تصعيد تقول مؤشرات عديدة أنه لم يختر وقته المناسب لاسيما وأن السلطة تستعد لوضع مسودة إصلاحات سياسية على طاولة الحوار وهي مدعوة لمواجهة أزمة اقتصادية حادة في الأفق أفرزها هبوط أسعار المحروقات بحكومة جديدة هجينة لا تزال بعيدة عن الاستقرار في أجندتها وسير عملها وخطابها وبسلطة لا تزال تبحث عن شرعية اجتماعية قوية تغنيها عن تسيير الأزمة وحلها باللجوء إلى القوة العمومية.

لم يختر وزير الداخلية الأسلوب الديبلوماسي الذي اختاره الوزير الأول لدعوة المتظاهرين إلى إخلاء الشوارع والساحات العمومية، وليس من الصدفة أن يتزامن تصريح الوزير الأول لوكالة الأنباء الجزائرية مع التصريح الناري لوزير الداخلية من بسكرة وقد جاءا عقب اجتماع دوري لمجلس الوزراء مما قد يوحي أن السلطة ارتأت أنها استنفدت كل السبل السياسية لإيقاف تظاهرات الحراك الشعبي في الوقت الذي صعد هذا الأخير من لهجته ووسع رقعته ومدد رزنامته إلى ثلاثة أيام في الأسبوع وهناك من يفكر في إضافة يوم رابع.

غير أن تصريح بلجود ملفت للانتباه على أكثر من صعيد، ويبدو أن كلماته اختيرت بعناية لترسل رسائل داخلية وخارجية أولها أن السلطة تعبر لأول مرة وبصراحة تامة عن امتعاضها الشديد من استمرار مسيرات الحراك الشعبي يومي الثلاثاء والجمعة التي قبلتها من قبل، على مضض، لكي لا تدخل في مواجهات أمنية مع طابعها السلمي وتظهر بمظهر المعتدي، غير أن فتح الباب لإضافة يوم السبت كيوم ثالث، أو قد يأتي يوم رابع، قد يفضي إلى وضع أمني لا يمكن التحكم فيه بسهولة بالنظر إلى التبعات المادية والمعنوية والنفسية على قوات الأمن.

غير أن هذا الخطاب الصريح ينسف تماما الخطاب المتسامح الذي ظل يبديه الرئيس تبون عندما بارك الحراك وجعل من يوم انطلاقه يوما وطنيا لالتحام الشعب بجيشه ولو أنه حذر من كيد الكائدين وخوض الخائضين فيه. نحن إذن أمام طبعة رسمية جديدة من مواقف السلطة تجاه الحراك لا تشوبها أي مراوغة سياسية.

وثاني رسائل السلطة التي عبر عنها وزير الداخلية بوضوح مفادها أنها تخشى من أي مخرجات سياسية جديدة قد تبرز إذا ما اتخذ التصعيد سبلا أخرى غير تلك التي اعتادت السلطة التعامل معها منها إعادة سيناريو الإضراب السياسي الذي قادته الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل ما يقرب من 30 سنة والذي أفضى إلى سقوط حكومة حمروش وإعلان حالة الحصار بعد ملاحظة عجز قوات الشرطة عن مواجهة التصعيد عن طريق احتلال الشوارع والساحات العمومية بالعاصمة، وكأننا بالحكومة لا تريد أن تتدحرج الأمور إلى وضع يخرج عن سيطرتها مما يستدعي إعلان حالة طوارئ أو إجراءات استثنائية قد تشكل عقبة أمام الخطة السياسية التي رسمتها للخروج من الأزمة السياسية وهي خطة تتطلب الهدوء والسكينة ومد جسور التواصل السياسي لضمان انخراط أكبر للمجتمع في مسعاها الذي تهدف منه كما قال وزير الداخلية تلبية جميع مطالب الحراك.

تدعو الحكومة الحراك إذن للاكتفاء بما هو متوفر اليوم وانتظار السلطة الحالية حتى تنتهي من العملية السياسية التي شرعت فيها وقد تنتهي في طبعتها الأولى مع نهاية هذا العام، فالمطالبة بالمزيد قد تضع الحراك في مواجهة نفسه وفي وضع “الشيء الذي زاد عن حده ارتد إلى ضده” وقد يضيع معها ما اكتسبه خلال عام كامل من التظاهر السلمي. وهو النداء الذي قد لا يجد آذانا صاغية أمام انعدام بوادر تهدئة حقيقية من قبل السلطة التي لجأت مرة أخرى إلى اعتقال ناشطين في الحراك وفي استمرار غلق وسائل الإعلام في وجه الخطاب المخالف لخطاب السلطة.

وثالث الرسائل أن الحكومة تبرر موقفها الرافض لاستمرار مسيرات الحراك بوجود اختراقات أجنبية تقودها ثلاث دول وهي إسرائيل وبلدين لم يسميهما أحدهما أوروبي وآخر عربي. هذه الدول، تجند حسب تعبير وزير الداخلية عناصر معروفة لدى الدولة الجزائرية من أجل اتخاذ الحراك مطية لتهديم البلاد وإعادته إلى مربع العشرية السوداء. ولأن الحراك يستغل الفضاء العمومي المفتوح على جميع الأطياف والتيارات فإن التحقق من التهمة ليس بالأمر اليسير على الرأي العام الذي لا يمكنه أن يلاحظ تأثيرات أجنبية في مسيرات تخضع لرقابة مشددة من أجهزة الأمن وليقظة شديدة من جزائريين وطنيين رافضين لأي تدخل أجنبي مهما كان مصدره. لذا فإن الرأي العام في انتظار مزيد من التوضيح حول مصدر هذه التهم وطبيعتها وهوية العناصر المتهمة بالخضوع لتحكم دوائر أجنبية قبل فضح هاتين الدولتين الأوروبية والعربية اللتين لا تزال الجزائر تقيم معهما علاقات ديبلوماسية. وقد يختلف إثنان حول ما إذا كانت هذه الرسالة موجهة إلى المجتمع الدولي أم للاستهلاك المحلي في سبيل التحلي بالمزيد من اليقظة الشعبية.

وضمن هذا الجدل السياسي والأمني حول استمرار الحراك وخموده تطل علينا أزمة اقتصادية حادة في الأفق لا ينفع معها الجدل ولا يمكن اعتقالها ولا قمعها إلا بفتح أبواب الشراكة السياسية والاقتصادية أمام الجزائريين في ظل الشفافية والكف عن إعادة إنتاج ممارسات الحكومات السابقة. ولا يمكن تحقيق هيبة الدولة إلا بضمان انخراط الجميع فيها بعقد سياسي واجتماعي متين يشارك الكل في صياغته وتنفيذه.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك