هل نلتقي بعد الكورونا؟

بعد أن كشف لنا مواطن الزيف

بقلم: احسن خلاص   

لا تزال مختلف القنوات الإعلامية ووسائط التواصل تنقل كما تنقل الريح النار معلومات متضاربة حول أصل وباء كورونا والمسار الذي اتبعه ليصل إلينا وطبيعته ومدى تأثيره والفترة التي يمكن أن يقضيها على الأرض جازمة أنه مقامه على الأرض لن يدوم، لذا نجد أنفسنا نتساءل الآن: هل نلتقي بعد مغادرة الكورونا وكيف نلتقي وعلى ماذا نلتقي؟ هل نبقي كما كنا دون أن يغير هذا الوباء من تنظيمنا وسلوكنا شيئا؟

لقد طلعت علينا هذه الأيام فيديوهات يقسم ناشروها بأغلظ الأيمان أنهم على حق بإظهار تقاطع معلومات وبيانات لدفع المتتبعين لتصديق ذلك ومن ثم نشرها على أوسع نطاق مثل ذلك التدخل الذي استنجد بتقارير منشورة عن ضلوع الحكومة الفرنسية في إنشاء فيروس كورونا في مختبرات صينية بيوهان عام 2003 قبل أن يأتي “دلال خير” آخر وهو رعية مصرية في هولاند يفهم كثيرا في الأدب والسياسة ينشر تقريرا لمركز أبحاث أمريكي يؤكد أن الفيروس هو في حقيقته غاز فتاك اختبر في أفغانستان لكنه خرج عن السيطرة وأصاب 67 جنديا أمريكيا مما اضطر قادة القوات الأمريكية لإرسالهم إلى يوهان للمشاركة في استعراضات عسكرية وتوطين “الغاز” في هذه المدينة قبل أن تكون نقطة انطلاقه نحو العالم، وتحدث عن تواطؤ فرنسي لمهاجمة الصين وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا والإضرار بالجزائر التي لم ترض فرنسا عن انتقالها إلى نظام جديد ينطلق من السيادة الشعبية فاستعانت بشرذمة العصابة السابقة.

وقد لا تكون هذه الإطلالات الفيديوهاتية هي الأخيرة من نوعها إذ يمكن انتظار أخرى ضمن حملة عامة للبحث عن البروز والسباق نحو الإبهار. قد تكون المعلومات صحيحة أو غير دقيقة لكنها في النهاية قد تلهينا عما هو أهم من ذلك كله وهو كيف نواجه معا هذا الغازي اللعين وكيف نستنفر قدراتنا كلها في تناسق لمواجهة الخطر المشترك وكيف نضع جانبا اختلافاتنا السياسية والإيديولوجية والدينية وغيرها وننظر إلى كل طرف منا على أنه مورد هام من الموارد التي يجب أن تحشد في مواجهة هذا “الكائن الضعيف” الذي يمتلك عناصر قوة لا طاقة للإنسان اليوم بها منها أنه لا يرى ولا يشم ولا يأتي إلا بغتة، يتسلل إلينا في صمت وخبث ولا يشهر سيفه إلا عندما تتهيأ له شروط الفتك.

لكن الأهم هو أن هذا الغازي “الذكي” يختبر وعينا وذكاءنا الجمعي ويمتحن قدرتنا على استنفار قوانا كأفراد وجماعات ومؤسسات وقد وضع الإنسانية جمعاء في معركة لن ينتصر فيها إلا الأكثر تنظيما والأقدر من حيث فعالية قواعده الخلفية على التصدي. وكبقية المخلوقات فإن هذا الغازي فيه إثم كبير ومنافع للناس وإن تحدثنا كثيرا عن آثامه الكثيرة فإن الحديث عن منافعه قليل.

ولعل من أهم منافع ما أصبنا به أنه كشف عورات منظومتنا ووضعنا وجها لوجه أمام ضعف هيئاتنا ومؤسساتنا السياسية والاجتماعية وكشف زيف ما ورثناه عن نظام الزيف والبهتان الذي هيمن على تسيير أمورنا لعقود من الزمن. لقد أصبح جميعنا على حقيقة، بعد أن كان إدراكها يقتصر على بعضنا، وهي زيف البنيات التي قامت عليها الدولة من قمتها إلى قاعدتها بل قطيعتها التامة مع المجتمع.

يجري البحث في عز أزمة كورونا عن المجالس الشعبية البلدية ولجان الأحياء وعن الجمعيات والأحزاب والمنظمات وحتى البرلمان قد وضع في قائمة المفقودين هذه الأيام بعدما منح لنفسه إجازة، وبعض القطاعات الوزارية وجدت نفسها في قاعة انتظار قرارات لا يملكها إلا المجلس الأعلى للأمن الذي كلف الجماعات المحلية بتولي عملية تطهير المحيط وتعقيمه بالاتفاق مع شركات التنظيف التي تعاقدت معها من قبل تماما مثلما كلف قوات الأمن والدرك بالسهر على الامتثال لقرارات الحجر والعزل التي اتخذها. لقد بين لنا الفراغ المؤسساتي الذي نعيشه أننا نملك سلطة قوية بالجهاز الأمني مقابل دولة ضعيفة في مؤسساتها الوسيطة والمحلية والجوارية.

هل يجب أن نشكر كورونا الذي أتانا على غفلة ففضح وهن مؤسساتنا وبين أنها مجرد أجسام بلا أرواح؟ أليس له الفضل في أنه أكد لنا أن بلدياتنا لا تبادر أو لا تملك المبادرة وقد تركت أحياء المدن ومداشر الأرياف تواجه وحدها الوحش المفترس الجديد فارتأت فعاليات المجتمع العميق أن تأخذ زمام المبادرة بإنشاء لجان خاصة لمواجهة الخطر بعد أن غادرت مؤسسات الدولة المنتخبة والمعينة المواقع منتظرة إشارات فوقية بالتحرك في أحسن الأحوال. ألم يكشف لنا كورونا زيف تنظيمنا المدني وتراجع دور حركتنا الجمعوية في توجيه المواطنين وتحسيسهم والمساعدة على ضمان السير العادي للحياة العامة في ظل القيود التي يفرضها قرار الحجر العام أو الجزئي على المواطنين؟ ألم يجد الهلال الأحمر الجزائري غائبا عندما نادى المنادي أن أغيثوا الناس، وهو الذي قاد منذ ما يقرب من شهر حملة لإغاثة الشعب الليبي بأمر من السلطات العليا للبلاد؟ أسئلة لا تقل أهمية، وقد لا تطرح اليوم بحدة ونحن في قلب المعركة مع كورونا إلا أنه لا مناص من تسجيلها في كناشاتنا لتطرح على طاولة النقاش يوما ما عندما نضع نظام حكامة الدولة الجزائرية على المحك ونبحث له عند بديل قوي ينقذنا جميعا.

هذه بعض منافع كورونا الآثم، لقد فتح لحراكنا الجزائري نحو التغيير ورشات جديدة للإصلاح العميق فخراب الدولة لم يكن في قمتها فحسب بل إن أكبره في قواعدها وبنياتها التحتية المشلولة. لابد أن نلتقي بعد الكورونا ونتدبر ما نحن فيه من وهن وزيف وفساد وغياب للوعي والمسؤولية ونعيد النظر في مفهوم المصلحة العامة.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك