هل نحن بحاجة لأحزاب سياسية؟

بقلم: احسن خلاص

 

قد يبدو السؤال غريبا خصوصا وأنه يطرح بعد ما يقرب من قرن كامل من التجربة الحزبية في الجزائر وأكثر من 30 سنة من الاعتراف الرسمي بالتعددية الحزبية من قبل دولة الاستقلال. كيف لا نحتاج لأحزاب وهي التي كان لها الفضل في تشكيل الوعي الوطني وإطلاق نقاشات جادة حول هوية وموقع ومصير الاستعمار في الجزائر حيث شكل نشاطها التعددي عاملا لإعطاء نفس جديد للشعب في سعيه نحو إثبات هويته وافتكاك سيادته على أرضه المحتلة.

 

كما قد يبدو مستفزا لكل القوى التي سعت لتشكيل أحزاب سياسية في وقت كان مجرد التفكير في الخروج عن الأحادية يجلب لصاحبه الويل والهلاك ويرمى في غياهب السجون بتهمة المساس بالوحدة الوطنية والتواطؤ مع قوى أجنبية لضرب استقرار البلاد.

 

كيف لواضع هذا السؤال أن يسمح لنفسه بأن يمحو بجرة قلم ميراثا كاملا من النضالات السياسية لم يجد له غطاء حاميا إلا في ظل أحزاب سياسية معتمدة تنشط في ظل قانون يحميها ويدفع عنها الشبهات؟

 

أيعقل اليوم أن نطرح مجرد السؤال عن جدوى الأحزاب السياسية ونحن أحوج دائما لهياكل تؤوي أفكارنا المتعددة وتصوراتنا المتدافعة والمختلفة بشأن بناء المستقبل وقبله حول قراءة الماضي وفهم الحاضر؟

 

أليست الأحزاب مدارس للتنشئة السياسية التي تربي النشأ على احترام الاختلاف والبناء السياسي للمطالب والمقترحات والتنافس الهادئ للوصول إلى السلطة والقرار؟

 

ألم تكن التجربة الحزبية إحدى غنائم احتكاكنا بالغرب الاستعماري واستلهامنا من تجاربه الحداثية التي بتقليدها أنشأنا نحن أيضا حزبا في باريس يشتغل على فكرة الاستقلال التام عن فرنسا وأخذنا نضرب العدو بسلاحه السياسي؟

 

ألا نخشى أننا لو نفقد هذه الغنيمة التاريخية أن نصير إلى ما كنا عليه قبل الاحتلال من حياة قبلية تقليدية وقابلية للاستعمار وبؤرة تنمو فيها العنصرية والجهوية؟

 

وبالمقابل هل كتب للتجربة الحزبية الخلود؟ ألا تخضع هي الأخرى لقوانين النمو والتطور الطبيعيين، تنشأ وتترعرع قبل أن تذبل وتموت وعندما ينكس خلقها يصير ضرها أكبر من نفعها؟

 

أليس من الضرورة أن نقرأ تجربتنا الحزبية بشيء من الواقعية والموضوعية لعله يتبين لنا أنها صارت كابحة لتطور المجتمع سياسيا عندما تحولت من مشاتل للتنشئة السياسية إلى مراتع للتدجين بدعوى الانضباط الحزبي؟

 

ألم تصبح أحزابنا حلبات للصراع حول الزعامة وحقول ألغام ومجالات مناسبة للدسائس والمؤامرات والانقلابات وفضاءات لنزاعات حول النفوذ مصدرها عادة من خارج هذه الأحزاب لكن الضرر يقع عليها عندما ترضى أن تكون واجهة لمعارك خفية؟

 

ألم تبرهن الأحزاب عندنا على مر السنوات أنها لم تنضج بعد لتنال استقلالها عن السلطة وأجهزتها المتصارعة وتبلور فكرا مستقلا نابعا من نقاشات حرة داخلها  ومن خلال احتكاكها بالمجتمع عامة والحقول الفكرية خاصة؟

 

ألم تستثمر الأحزاب في مقومات الهوية الوطنية إلى درجة جعلت منها عوامل انقسام فيما يفترض أن تكون عوامل وحدة

وتماسك وطني بحيث استولت بعض الأحزاب على أجزاء منها دون الأخرى واتخذتها مطية للتربح السياسي؟

 

ألم تفشل في السنوات التي خلت في أن تتوحد لإرساء قواعد ثابتة للممارسة الديمقراطية بالرغم من محاولاتها المتعددة ووثائقها التي صدرت عن اجتماعاتها وندواتها التي كان مصيرها الأرشيف وبقيت حبرا على ورق؟

 

ألم يظهر الكثير من الأحزاب بمظهر المعارض المستنكر للغش والتزوير في النهار والمتواطئ مع السلطة بالليل سعيا إلى غنائم منها حقائب في الحكومة أو مقاعد في البرلمان وغيرها وقد تحول أغلبها إلى لجان مساندة؟

 

ألم تساهم الأحزاب في إفساد الحياة السياسية وتنفير المواطنين منها ومن المشاركة في العمليات الانتخابية بحيث صارت عناوين للغش والوعود الكاذبة ومصدرا للانسدادات داخل المجالس المحلية التي تضر بمصالح المواطنين؟

 

أليست الأحزاب اليوم ومن قبل مدارس يتعلم فيها المواطن البريئ الأساليب الملتوية للحصول على الشغل والسكن دون المرور على القنوات الرسمية العادية؟

 

ما جدوى إنشاء أحزاب سياسية في ظل برلمان ومجالس منتخبة عديمة التأثير وفاقدة لسلطة صنع القرار، لا تنبثق منها حكومة ولا تستشار في الشؤون العامة حتى ولو أبدت الولاء والتأييد للسلطة؟

 

ما فائدة الأحزاب التي لا تظهر إلا في المناسبات الانتخابية وعندما تختفي لا يسأل عنها الناخب عما فعلت بصوته، ذلك الصوت الذي يتوجه عادة في فائدة ابن العشيرة أو القبيلة أو الحومة والعائلة دون إعارة أدنى اعتبار لانتمائه الحزبي؟

 

وهل كان للحراك أن ينجح ويحقق ما حققه لو لم ينفصل عن الأحزاب التي فشلت حتى في تدارك ما فاتها إذ لم تنفع اجتماعاتها بسبب ما تحمله من إرث ثقيل في رداءة الأداء وما تعانيه من فقدان الثقة بسبب تذبذب مواقفها واضطراب تصوراتها للحلول.

 

لقد جاء الحراك غاضبا على النظام بسلطته وأحزابه سواء تلك التي أعلنت ولاءها التام للسلطة أو تلك التي أنيط بها دور المعارضة، فهو حركة تاريخية في  اتجاه تجاوز مرحلة بكل ما تحمله من فواعل  وآليات وأسلوب حكامة ونمط الحوار السياسي.

 

وأمام الهشاشة التي توجد فيها الأحزاب فإنه لم يعد أمامها إلا تتجدد في هياكلها وآليات سيرها وفي مخرجاتها الفكرية والسياسية أو تكف عن دور المعيق لحركية التاريخ ودون ذلك فالزمن كفيل بأن يقرر مصيرها.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك