هل كنا على ضلال؟

العرب والتطبيع…

بقلم احسن خلاص

هل كنا على ضلال؟ هذه العبارة الشهيرة التي تنسب لهند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وقد وجهت السؤال لزوجها وهي تطل من شرفة منزلها عندما رأت الجموع الحاشدة من المسلمين وقد قدموا إلى مكة فاتحين ودخول الناس في دين الله أفواجا. نستعيرهذه العبارة اليوم على لسان بلدان عربية صارت تسارع بكل اطمئنان لحجز مكان لها في قافلة الذين اختاروا الانتقال من مجرد الاعتراف الضمني والصريح بإسرائيل إلى اتباع مسار جديد وهو التطبيع، هذه الكلمة التي لا ترد عادة في الأدبيات الرسمية للأنظمة بل تعلب تحت مسميات السلام ومرادفاتها.

في عام 1978 أقدمت الشقيقة العربية الكبرى جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس أنور السادات على خطوة التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد للسلام وقد أثارت سخطا عارما عم جميع البلدان العربية في انسجام تام بين الشعور العربية وحكامها في عز الصراع العربي الإسرائيلي إلى درجة أن بلدانا كثيرة منها الجزائر قاطعت مصر وحول مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس التي كانت تأوي إلى جانب الجامعة العربية مقر منظمة التحرير الفلسطينية التي ينص ميثاقها على أن مبرر وجودها العمل على زوال الكيان الصهيوني الغاصب وإقامة الدولة الفلسطينية التاريخية الكبرى على الأرض التاريخية المحتلة عام 1948. وكان الفلسطينيون والعرب يسمون يوم تأسيس الكيان العبري بيوم النكبة ويوم الهزيمة في جوان 1967 واحتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وجزء من الأراضي السورية واللبنانية والمصرية بيوم النكسة ويأتي يوم الاتفاق المصري مع حكومة تل أبيب ليدشن عهد الخيانة لاسيما وأن الاتفاق أتى بعد فترة استعاد فيها العرب التوازن بتحقيق الانتصار في الحروب العربية الإسرائيلية عام 1973 وهو ما دفع بلدانا أخرى مثل الجزائر والعراق وسوريا وليبيا تشكل ما أسمته جبهة الصمود والتصدي. وبعد فترة لا حرب ولا سلم فيها ما عدا اجلاء منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا انطلقت الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 لتدفع بالقضية الفلسطينية خاصة والصراع العربي الإسرائيلي عامة إلى محيط الديبلوماسية الدولية لاسيما وأن ذلك أتى في سياق إنهاء الحرب الباردة.

اعترفت واشنطن بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1989 وكان زعيمها ياسر عرفات من قبل قد قدم عرضا للسلام من على منبر الأمم المتحدة بجنيف بعد أن رفضت واشنطن منحه تأشيرة دخوله الأراضي الأمريكية وإلقاء الخطاب أمام الجمعية العامة بنيويورك. تحولات جعلت منظمة التحرير الفلسطينية تلغي من أدبياتها وميثاقها ازالة الكيان الصهيوني في الوقت الذي جرت عملية تصفية قيادات فلسطينية كانت تمثل التوجه الراديكالي مثل أبو جهاد وأبو أياد وغيرهما وبهذا أتيح المجال ليدخل الفلسطينيون ومعهم السوريون واللبنانيون في دوامة من المفاوضات انطلقت عام 1992 بمدريد ولا تزال مفتوحة إلى اليوم وقد مرت بأوسلو وواشنطن وأفضت إلى إنشاء سلطة فلسطينية تقابلها إمارة غزة بحكومة موازية ولا يزال الفلسطينيون في رحلة بحث عن دولة قابلة للحياة.

مسار طويل تميز بصعود منحنى الصراع بعد انطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965 قبل أن يبدأ في الانحدار عام 1989 وليس عام 1978 لأن اتفاقيات كامب ديفيد أججت الصراع وكرست التصميم العربي على معاداة إسرائيل وعملائها من الخونة. هذا الانحدار هو الذي جعل جيهان أرملة السادات في البرنامج التلفزيوني “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة القطرية تذكر الاتفاق المصري الإسرائيلي بكثير من الاعتزاز وتلوم العرب على تأخرهم عن إدراك أن السلام مع إسرائيل كان خيارا استراتيجيا عقلانيا وذكيا مكن مصر من استرجاع أراضيها المحتلة وهاهم العرب اليوم، تقول جيهان، يهرولون الواحد تلو الآخر سرا وعلانية للاقتراب من الكيان الصهيوني.

هل اكتشف تيار داخل الجامعة العربية اختار التطبيع مع إسرائيل أنه كان على ضلال لما ابتعد عن السلام مع هذا الكيان دون أن يكون قادرا على إعلان الحرب عليه؟ أليس لسان حاله يقول إنه ما دمنا لا نستطيع الحرب لماذا لا نجرب السلام؟ وهل اكتشف أن إسرائيل ليس إلا عدوا وهميا ورثه هذا التيار عن أدبيات صراعية اكل عليها الدهر وشرب وسار بها جيل ولد مع الصراع وعاش معه؟ تضاف إلى هذه التساؤلات محاولات لإجراء قراءات أخرى للمشهد واستشرافاته تنطلق من أن العدو الخارجي الحقيقي اليوم إنما هو إيران التي تهدد بلدان الخليج على المستويات الأمنية والاقتصادية والدينية وليس إسرائيل التي لا يتنافى التطبيع معها الإبقاء على الإجماع العربي حول ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي كشرط لتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط وهو ما أكده مؤخرا الأمين العام للجامعة العربية أبو الغيظ الذي ذكر أنه على ثقة من أن التطورات التي تشهدها المنطقة في إشارة إلى عمليات التطبيع لن تؤثر على الإجماع العربي بشأن شروط السلام مع إسرائيل على ضوء المبادرة العربية للسلام المتفق عليها في قمة بيروت عام 2002. ويلجأ مناصرو تيار التطبيع إلى ضرب المثال بتركيا التي تقيم علاقات مع إسرائيل دون أن يمس ذلك بمواقفها الثابتة حول حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أراضيه وانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل جوان 1967.

غير أن ثمة محاولة قامت بها الأردن لاستصدار موقف عربي مشترك يترك مجال الحرية واسعا أمام الدول العربية لإقامة علاقات مع إسرائيل واختارت لهذا المنحى قمة الجزائر عام 2005 إلا أن مستضيف القمة رفض أن تتخذ جزائر الثورة والشهداء منطلقا للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب. وتعد الجزائر من الدول القلائل التي تمتلك مقومات الصمود أمام موجة الترغيب والترهيب التي تعيشها البلدان العربية في سبيل الجنوح نحو السلام الجديد مع الكيان الصهيوني. غير أن هذه المقومات وعلى رأسها انسجام موقفي الحكومة والشعب في رفض أي شكل من أشكال التطبيع لا يمنع الجزائر من أن تتعرض لضغوط شتى على الجبهة الداخلية وعلى الجبهة الإقليمية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك