هل سيواكب التلفزيون إصلاحات الرئيس؟

بعد تعيين مدير جديد على رأسه

أثار تعيين المدير العام الجديد على رأس التلفزيون الجزائري ردود أفعال متباينة في مواقع التواصل الاجتماعي حول هذا الشاب والرجل الجديد الذي سيشرف على مبنى شارع الشهداء، فقد ركز أغلب تعليقات من عرفوه عن قرب على دماثة أخلاقه وروحه الجماعية وتفانيه في العمل ومهنيته الإعلامية، مع أن هناك من سجل مآخذ من بينها أنه كان مناضلا حزبيا ومترشحا باسم حزب جبهة المستقبل في التشريعيات السابقة. فهل كل هذه الصفات الجميلة التي يتمتع بها الشاب احمد بن صبان كافية لتجعلنا نأمل في تلفزيون جزائري جديد؟

بالرغم من التراجع الذي سجله التلفزيون العمومي الجزائري منذ سنوات في استقطاب اهتمام المشاهدين، لاسيما في ظل المنافسة الشرسة التي تعرض لها على يد القنوات الخاصة والدولية، إلا أن شأن هذه المؤسسة لم يكن يعنيها هي فقط ولا موظفيها بل ظلت دائما شأنا وطنيا حيث صارت كل صغيرة أو كبيرة مما يحدث داخلها محل اهتمام وطني بالنظر لما تتمتع به مؤسسة التلفزيون من مكانة سياسية خاصة كونها أحد المكتسبات الوطنية ورمزا للسيادة بعد استرجاعها عن جدارة واستحقاق، هي والإذاعة الوطنية، وإنهاء وصاية امتدت تاريخ إنشائها في ديسمبر 1956 إلى غاية تحولها، في 28 أكتوبر 1962، من فرع للإذاعة والتلفزيون الفرنسي إلى الإذاعة والتلفزيون الجزائري.

لهذه الأسباب، إذن، لا يمكن أن يكون تعيين مدير جديد للتلفزيون العمومي حدثا عابرا، من منطلق أن الجزائريين يعتبرون مبنى شارع الشهداء من الممتلكات الوطنية بل يعتبرون أن لهم على السلطة بشكل عام وعلى مسؤوليه المباشرين حقوقا طبيعية تتعدى مجرد تقديم خدمات تنافس ما تقدمه القنوات الأخرى، إذ اعتبروه منذ الاستقلال، ولا يزالون إلى اليوم، مرآتهم ومركز خدمة عمومية لا يمكن لموظفيه وعماله ولا لمسؤوليه أن يفرطوا فيها، لما كانت تمثله منذ 1962 إلى غاية فترة متأخرة من عهد التعددية الإعلامية كمصدر مركزي للصوت والصورة المعبرة عن مواقف وسياسات الدولة المركزية والجامعة بتنوع برامجها لكل العائلات الجزائرية. من هنا، لا تنجر عن رداءة خدمات التلفزيون العمومي مقاطعة المشاهدين له فحسب، بل يتبعها لوم وعتاب شديدان على القائمين عليه وضغط على السلطة من أجل إجراء تغييرات في مواقع المسؤولية وفي أوساط المسيرين.

ومن منطلق ما سبق اكتسب التلفزيون العمومي دور التيرمومتر الذي تقاس به حرارة ارتباط السلطة بالشعب وارتباط الشعب بالسلطة. فقد جرت الأعراف أن يكون تعيين مدير التلفزيون الجزائري من السلطات الحصرية لرئيس الدولة الذي يعتبر هذه المؤسسة بدوره حيوية واستراتيجية ومركز الخبر الرسمي والترويج لسياسات الدولة في جميع المجالات، فضلا عن أن قسمها الإخباري يعد وسيلة إيصال الأعراف البروتوكولية للدولة، إذ لا يملك مسؤولو التحرير هامش حرية كبير في ترتيب الأخبار التي تبث في نشراتها بل تخضع لدفتر شروط يعطي الأسبقية لنشاطات رئيس الدولة قبل الحكومة ثم تأتي بقية قطاعات النشاط والاهتمامات العامة الأخرى وفق ترتيب تشريفي معروف. وقد ينسحب الترتيب المعياري إلى بث الأخبار الدولية وفق المنظور الرسمي.

وعلى هذا الأساس نجد أن متابعة الأخبار التي يبثها التلفزيون لا تخضع للأذواق ولا تكون بدافع الفرجة بل يكون دافعها الرغبة لدى الموالين للسلطة والمعارضين لها على حد سواء، في الاطلاع على الموقف الرسمي للسلطة من هذه القضية أو تلك وفق الوضع السياسي القائم. لهذا يكون اختيار مدير جديد للتلفزيون عادة استجابة لوضع سياسي جديد مع الحرص أحيانا على بعث رسائل جانبية مثل رسالة التشبيب التي يمثلها المدير الجديد. وقد انعكس الوضع السياسي الانتقالي الذي عاشته الجزائر منذ ما يقرب من عام على التلفزيون الجزائري الذي تناوب على رأسه ستة مدراء، وهذه الانتقالية عبرت عن تسابق محموم من أجل التحكم في هذه المؤسسة الحيوية، تسابق يبدو أن مخرجات الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد تضع حدا له.

وإن كان تعيين المدير العام للتلفزيون يخضع عادة للسنن التي ذكرناها، إلا أن الوضعية غير المستقرة التي اجتازها في المدة الأخيرة أثرت سلبا على أدائه فقد نال نقل مقابلة الرئيس تبون مع مسؤولي وسائل الإعلام حقه من الانتقاد من حيث الشكل والمضمون حيث أعطى الانطباع بأن هذه المؤسسة أصبحت يتيمة حقا وليس فقط كما يحلو للتعبير الشعبي وصفها، ولعل القائمين على قرار تعيين احمد بن صبان قد استخلصوا الدروس ووضعوا الملاحظات المناسبة لتدارك الأزمة التي يمر بها التلفزيون بل الذهاب به بعيدا من أجل إعادة الصورة التي كان عليها في عهد المرحوم عبدو بوزيان.

لكن هل يكفي اليوم تعيين مدير جديد مفعم بالحيوية ومليئ بالطموح والإرادة لكي نطمح لتلفزيون وطني جديد، متفتح على الجميع دون إقصاء ولا تهميش وتواق إلى خدمة احترافية راقية تعكس الإمكانات المالية والمادية التي يزخر بها؟ وهل سيعكس هذا التلفزيون الجديد ويرافق إرادة رئيس الدولة في فتح ورشات الإصلاح السياسي والدستوري؟ وهل يفتح النقاش دون محرمات ولا عوائق على القضايا الحساسة التي تهم المجتمع؟  قد لا يلزمنا وقت كبير من الانتظار للرد عليها ومعرفة ما إذا كان تعيين بن صبان ترجمة لإرادة حقيقية للتغيير أم انعكاس لقوة النزعة المحافظة.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك