هل تُوقف التّربية الإعلامية الطوفان التّكنولوجي.. ؟؟!

نحو المناداة بإدراج التربية الإعلامية كمادة أساسية ضمن برامج التعليم الابتدائي

بقلم: أ. مغزي إسماعيل (أستاذ التعليم الابتدائي)

تعتمد مناهج الجيل الثاني على العديد من الموارد التعليمية أهمها تكنولوجيات الإعلام والاتصال ليس فقط على المستوى المتوسط أو الثانوي بل حتى على المستوى الابتدائي فمن خلال تجربتي القصيرة في هذا المجال لاحظت كأستاذ للتعليم في المدرسة الابتدائية ميل التلاميذ لكل ما هو مسموع وبصري وشفوي أكثر مما هو كتابي ومن خلال الملاحظة الدقيقة ومرات التجريب على بعض العينات أدركت أن امتلاك أغلب المتمدرسين لهذه الوسائل التعليمية الحديثة في المنازل يجعلهم يتفاعلون مع جل المواضيع التعليمية المصحوبة بسند سمعي أو بصري أو سمعي بصري لأن الأغلبية منهم يكون لديهم خلفية عن المشهد وهذا شيء إيجابي لكن كيفية الاستعمال تختلف من تلميذ إلى آخر وطريقة فرض الرقابة تختلف من أسرة إلى  أخرى، ووسائل التوجيه تختلف من مؤسسة تنشئة اجتماعية إلى أخرى، وباعتبار السواد الأعظم من مستخدمي هذه التكنولوجيات في سن الطفولة فإن احتمالية الانجراف وراء الخطر الرقمي وارد وهنا المسؤولية الكبيرة ملقاة على عاتق كل مؤسّسات التنشئة الاجتماعية الأولياء في الأسرة، رجال الدين من أعلى المنابر، المربين، المعلمين، والأساتذة في المؤسسات التعليمية، لتشخيص الوضع أولا وتبقى مسألة التربية الإعلامية مطلب شرعي وضرورة ملحّة بل قدر محتوم في زمن الطوفان الرقمي وهذا أمر قد لا يختلف فيه اثنان….. 

فالبحث في الأساس النفسي والاجتماعي لبناء سلوك المتعلم (التلميذ) يطرح مفهوم التربية كأحد المفاهيم الأساسية في قاموس التعليم لأن مهارات التلاميذ تُقاس على درجات التربية التي يتلقونها سواء داخل المؤسسات التربوية أو خارجها والتي تساعدهم في بناء أفكار جديدة وتكوين معارف ومكتسبات قبلية وإذا ما سلمنا بحتمية التكنولوجيا كخيار تعليمي جديد مع جيل ثاني شرّع لتجسيدها ميدانيا فإنّ التربية تنتقل من سلوك إلى ممارسة لأن التقنية (الوسيلة) ستكون الطابع الغالب في العمليات التّعليمية التّعلُّمِيّة.

ومع هذا التطور الحاصل فإن المناداة بإدراج التربية الإعلامية كمادة أساسية ضمن برامج التعليم الابتدائي يطرح العديد من التساؤلات الجوهرية باعتبار المستوى المتوسط والثانوي الشريحة الأكبر من المستخدمين الأكثر تعرضا وتأثرا بمضامين هذه التكنولوجيات من حيث التوظيف والممارسة ناهيك عن سرعة الاندماج مع التقنية لهذا الخطاب يكون موجه على أعلى مستوى لهذه الفئات دون أن نهمل الفئة الأدنى وهم تلاميذ المستوى الابتدائي، وهنا تأخذ التربية الإعلامية منحى توجيهي في هذه الفترة وتتعداه إلى تفعيل، رقابة وممارسة في باقي المستويات الأخرى، وهذا ما تناولته نظرية التشكيل الاجتماعي التي ركزت في طرحها على ثلاثية التقنية (الوسيلة والتطبيق) والاستخدام والمستخدمين (مراعاة السمات الشخصية العامة والفروقات الفردية) وخلصت في الأخير إلى أنه كلما ظهرت تقنية جديدة (وسيلة أو تطبيق) ظهر نوع من المستخدمين الجدد وطريقة استخدام جديدة.

 

إذن هي مؤشرات خطر توحي لنا بتساؤل: هل ستنجح التربية الإعلامية في وقف الزحف الرقمي؟ وسؤال كهذا يضعنا منذ الوهلة الأولى في مناخ التحديات ويبعدنا عن مناخ التبريرات، نظرا إلى التناقض الحاصل فمن جهة الوزارة الوصية تُلحّ على ضرورة استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال في التعليم كحتمية تكنولوجية لمسايرة التقدم في المجال التربوي ومن جهة أخرى غير واعية بخطورة الطوفان الرقمي الذي يهدد مصير التلاميذ والأسرة التربوية ككل في غياب الرقابة التي لا تتأتّى إلى باستحداث شرعية التربية الإعلامية كهمزة وصل بين التقنية (الوسيلة) والمستخدم (الأستاذ والمتعلم).

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك