هل تفكر تونس في نظام جديد؟

أمام الأزمات السياسية المتوالية

بقلم: أحسن خلاص

في الوقت الذي تعيش الجزائر بعض الإفرازات الأولية للحراك الشعبي الذي استغلته السلطة لوضع أجندة إصلاح سياسي ودستوري وتقديمها للنقاش من قبل القوى السياسية والاجتماعية التقليدية، تعيش تونس على وقع أزمة سياسية عميقة يغذيها وضع اقتصادي واجتماعي يحمل الكثير من المخاوف على مستقبل الاستقرار في هذا البلد لاسيما وأن المؤسسات السياسية باتت مكبلة ورهينة النظام السياسي الذي أفرزته الثورة التونسية لعام 2011، إلى درجة أن أصواتا تعالت للمطالبة بإعادة النظر في النظام القائم الذي،على فضائله الديمقراطية، لم يق تونس من الوقوع في أزمات لا يمكن لتونس أن تتحمل تبعاتها طويلا.

تسود، إذن، وضعية احتقان وتذمر شديدين لدى المعارضة وفي الأوساط الشعبية والجمعوية من الحلقة المفرغة التي يدور فيها الوضع العام في تونس والذي تصاحبه مخاوف من تداعيات أزمة كوفيد 19 على السياحة والأعمال والشراكة مع الأجانب كمورد رئيس للموازنة العامة التونسية، إذ بعد ما يقرب من عام عن الانتخابات الرئاسية التي أفرزت شخصية قيس سعيد غير المتحزبة على رأس الدولة ومرور أكثر من 6 أشهر عن انتخابات برلمانية أفرزت فسيفساء سياسية عسّرت أمر تشكيل حكومة جديدة الذي تأخر إلى 27 فبراير من هذه السنة، لا يزال الوضع مثار الجدل ويستدعي النظر في حلول جذرية قد تذهب إلى تجسيد مطلب استفتاء شعبي حول تغيير النظام السياسي قصد تحويله إلى نظام رئاسي وهو الأمر الذي يسعى الرئيس التونسي قيس سعيد إلى حشد أكبر تأييد له لاسيما بعد لقائه بالرجل الأول للنقابة التونسية للشغل مغتنما فرصة الحيرة السائدة والرغبة المشتركة إلى حد الإجماع في ضرورة الوصول إلى تغيير مؤسساتي ودستوري عميق يجسد الجمهورية الثالثة.

ويعد نوع الأزمات التي اجتازتها تونس قبل تشكيل حكومتها الجديدة معتادة في الدول العريقة في الديمقراطية لو لم يخلف متاعب لتونس جراء المزايدات السياسية بين الكتل المختلفة في البرلمان، هي في غنى عنها، وهي التي تعيش على نار أزمة اقتصادية خانقة تحتاج إلى حكومة مخولة باتخاذ القرارات الحاسمة وإيجاد الحلول المستعجلة فضلا عن الوضع المتوتر على الحدود مع ليبيا، والوضع الدولي بشكل عام. وحتى مع تنصيب حكومة الفخفاخ الائتلافية لا يبدو أن النظام القائم بإمكانه أن يكون إطارا للحلول العملية بحيث ترك الحكومة في وضع الرهينة أمام الجدل حول الخيارات الاقتصادية والسياسية المنتظرة.

لقد ساهم نظام الاقتراع العام في تونس في إحداث توازنات خدمت الديمقراطية في البرلمان لكنها لم تخدم بالضرورة التصدي للوضع المحتقن الذي ينذر بالانفجار أمام عجز الحكومة التونسية على مواجهته مما قد يعجل بسقوطها ودخول تونس من جديد في دوامة البحث عن حكومة جديدة وفي نفس المناخ الذي تشكلت فيه حكومة الفخفاخ وهو مناخ تميز بانعدام الثقة بين التشكيلات السياسية وتقاذف التهم بالفساد والمحسوبية والحرب الشرسة داخل مجلس النواب مما يؤدي إلى تعطيل عجلة القرارات السياسية والحكومية.

لقد تمكنت الثورة التونسية من إرساء نظام سياسي جديد دون أن تتمكن من إحداث تغييرات جذرية في الدولة وهياكلها تجعل الإدارة بمنأى عن التقلبات السياسية التي يفرزها النظام البرلماني، وقد ترك وضع كهذا الإدارة العمومية في تونس في انتظار انفراج الوضع السياسي وظهور الجهة التي تتلقى منها التعليمات والتوجيهات العامة لتحريك عجلة الاقتصاد وتقديم الخدمات العمومية كما أن الثورة لم تكن لها آثار عميقة على النظام الاقتصادي التونسي الذي بقي على النمط السائد في عهد بورقيبة وبن علي وهو نمط ليبرالي لكنه يستند إلى نظام حكم مركزي شمولي محكوم بقبضة من حديد، كما ظل يعتمد على موارد ثابتة لاسيما المتأتية من الخدمات السياحية لكن الوضع الأمني غير المستقر وتداعيات أزمة انتشار كورونا ستنعكس سلبا على مداخيل تونس وستزيد الاحتقان الاجتماعي ضراوة مما قد يعجل المطالبة بضرورة الذهاب إلى نظام سياسي أكثر مركزية وأكثر قدرة على ضمان السير العادي للدولة.

ويتفق الملاحظون للشأن التونسي على أن التجربة السياسية التي مكنت من تعدد مصادر القرار وترسيخ التعددية السياسية والنقابية والجمعوية قد مكنت أيضا من ظهور تكتلات لاحتماء هؤلاء من أولئك جراء التقلبات السياسية السريعة التي تورث نزعات انتقامية لدى أقوياء اللحظة في الوقت الذي لم تعرف الإدارة إصلاحا عميقا ينأى بها عن الصراعات السياسية وقد جعلها تتأثر بتفتت مصدر القرار وتنشئ بالتالي علاقات تواطؤ مع مختلف التكتلات السياسية والنقابية والجمعوية المنطوية على نفسها مما يؤثر على التنسيق الحكومي وسيولة مرور القرارات السياسية نحو التنفيذ وبالمقابل يشجع بروز وتطور الفساد الإداري الذي زاد الطين التونسي الراكد بلة.

الوضع الذي أشرنا إلى بعض جوانبه يضع تونس في مفترق طرق يدعوها إلى فتح نقاش عميق حول مستقبل النظام السياسي الذي أسسته الثورة التونسية وتقدير ما إذا كان ما يعيشه مجرد أزمة طبيعية وعابرة كونها من سنن الأنظمة المشابهة أم أن مستقبل الاستقرار والسيادة التونسيين يفرضان الإقدام بشجاعة على تغييرات مؤسساتية ودستورية عميقة تحفظ سيادة الدولة دون التفريط في المكاسب الديمقراطية للمجتمع. قد يكون على تونس الاختيار قريبا بين نظام يقوي منسوب تعددية صنع القرار والحكم الجماعي النسبي مقابل منسوب تداول الطبقة السياسية ببرامجها على الحكم باسم السيادة الشعبية من خلال نظام رئاسي بالرغم مما يمثله من مخاوف من التراجع عن مكاسب الثورة على صعيد التعددية والحريات الديمقراطية.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك