هل اغتالت فرنسا الشاعر مبارك جلواح؟

من يعرف الشاعر رمضان حمود؟

د-وليد بوعديلة /جامعة 20أوت 1955- سكيكدة

    

 من يقرأ الشعر الجزائري الحديث والمعاصر سيجد الكثير من التجارب الشعرية الرومانسية، التي عبرت عن جماليات الطبيعة والتحولات الذاتية، لتحيل القارئ العربي لملامح أصوات الفؤاد، بعد أن عرف الجزائريون بثورتهم وبشعرهم الثوري.

 

ذاكرة الظهور الرومانسي..

     أسهمت عوامل عديدة في ظهور الاتجاه الوجداني(الرومانسي) في الشعر الجزائري ، ويمكن تقسيمها لعوامل سياسية وثقافية، حيث نجد من الباحثين من يرجع لظروف الحرب العالمية الأولى وظهور مشاعر الحزن والكآبة في العشرينات،مع صراع الإصلاحيين مع المفرنسين ومع الطُرقية، وبدأت أصوات تدعو لتجاوز القديم، كما يذهب لهذا الموقف الباحث عبد الله ركيبي في كتابه “الشعر الديني الجزائري الحديث”.

    وقد قرأ بعض الشعر الحزين عند محمد العيد ومبارك جلواح، ويمكن قراءة عناوين قصائد جلواح لنتأكد، ومنها: دمعة شاعر-1936،أبكي على وطن-1936،إني سئمت حياتي-1937…

    وأسهمت العوامل الثقافية في ظهور الرومانسية في الشعر الجزائري، نتيجة الإطلاع على الكتب والمجلات في المشرق او المهجر(مطران، مدرسة الديوان، جماعة ابولو…)، وكانت مجلة الشهاب  الجزائرية على تواصل مع مجلات المهجر.

    وقد تأثر شعر رمضان حمود بكتابات جبران خ جبران، وكتب ابن باديس رثاءا عن جبران نشره في جريدة الشهاب ماي 1931:”مات جبران بعدما حمل لواء الزعامة في الفن بقلمه وريشته….وكان حجة الأدب والنبوغ العربي والشرقي أمام الغرب في هذا العصر….فموته رزية عامة عظيم وقعها…”.

    وكانت لمفدي زكرياء صداقة مع أبو القاسم الشابي، ويعتبر الشاعر عبد الكريم العقون الشابي ملهمه، وكان رمضان حمود يدعو للتعرف على الأدب الغربي عبر الترجمة، واطلع على الادب الفرنسي في الصحف والمجلات. وأعلن رضا حوحو عديد المرات حبه للشابي وأفكاره الوطنية والتجديدية، وتأثر به شعراء من قبيل عبد الله شريط، محمد الأخضر عبد القادر السائحي…

 

هوية الشعر الوجداني…

 

    ويتميز الشعر الوجداني الرومانسي في الجزائر بنفس الملامح التي تميز بها هذا الشعر عالميا وعربيا ومنها:

-الدعوة إلى التحرر من القوالب الجاهزة.

-التركيز على  الطبيعة والعاطفة  والطفولة والحنين للماضي .

-الأسلوب هو الذي يصنع المبدع ويميزه عن غيره.

-الرؤية المستقبلية للإبداع –الشاعر النبي

–اعتماد لغة شعرية تصويرية ورمزية.

جماليات الكتابة…

      ينزع الشعر الوجداني لتجاوز القوالب التقليدية، وقد كتب رمضان حمود سطورا متتالية متساوية الطول تنتهي بقوافي لا تعتمد الوزن أحيانا، يقول:

” أنت يا قلبي  فريد في الألم والأحزان

 ونصيبك من الدنيا الخيبة و الأحزان

أنت يا قلبي تشكو هموما كبارا وغير كبار

أنت يا قلب مكلوم، ودمك الطاهر يعبث به الدهر الجبار

ارفع صوتك للسماء مرة بعد مرة

و قل اللهم إن الحياة مرة

أعني اللهم على اجتراعها

وامددني بقوة فإني غير قادر على احتمالها

اللهم إنها مرة ثقيلة فليس لي فيها طريق”

           ثم تأتي بعد هذه المقطوعة الموزونة المقفاة:

ويلاه من هم يذيب جوانحي       فكأنما في القلب جذوة نار

نفسي معذبة بهمة شاعر          دمعي على رغم التجلد جار

حظي على متن النوائب راكب   تمشي به لمحطة الأكدار

        

          ثم يعود للنظام الأول ويظل ينتقل بين الالتزام و التجاوز، في محاولة لتقديم تجربة شعرية موسيقية مختلفة عن الشعر العمودي القديم،يقول محمد ناصر عن التجربة:”لقد كان رمضان حمود على وعي كامل بإتيانه بهذا النموذج الذي هو تطبيق لنظريته التي دعا فيها إلى عدم اتخاذ الوزن و القافية مقياسا للشعر،وقد اتجه إلى كتابة القصيدة ذات القوافي المتراوحة في وقت كان فيه الشعراء المعاصرون له يلتزمون القافية المطردة والشكل العمودي الصارم”.لكن أغلب الشعراء الجزائريين الرومانسيين قد ساروا على النط الموسيقي الخليلي ولم يغيروا كثيرا في البنية الموسيقية.

       وجاءت اللغة الشعرية في هذا الاتجاه بطابع يحاول الاختلاف عن النمط القديم، ففيها الترميز، يقول عبد الله شريط في أسلوب رمزي غير مباشر:

وأرى الليل قابضا  يديه   عُنق الكون باردا كالحِمام

جاء كاليأس يتمشى   مثقل الخطو في فؤادي الدامي

في حشاه البعيد يبتلع الدنيا   فتخفى في جوفه المترامي

وتجف السماء من بسمة النو   ر، فيغفو مثقلاً بالركام

       نقرأ تفاعلا مع الذات وأجوائها بطريقة تعبيرية مجازية راقية، تتلاحق فيها الكلمات الرومانسية والعواطف الصادقة،في محاولة للمزج بين المجرد والواقعي في كتابة شعرية لم يألفها القارئ التقليدي.

     كما نجد اللغة الهامسة في الشعر الوجداني،ف” الشاعر الوجداني لا يملك العين التي تنتقي المنظر الطبيعي المثير فحسب،و إنما هو يملك أيضا الأذن الموسيقية الحساسة ذات الدقة البالغة في اختيار الألفاظ الشاعرية، الزاخرة بالدلالات الشعورية و الجمالية”(كتاب الشعر الجزائري الحديث).

         نقرأ للشاعر السائحي في ديوان همسات وصرخات:

ذاهلٌ ينظر كالحَمام في الأفق البعيدْ

وادع النظرة والبسمة كالطفل الوليدْ

في محياه سهومٌ أو ظلالٌ من جمودْ

وعلى عينيه نجوى وابتهال وسجودْ

سكن الكونُ وأغفى كل شئ في الوجودْ

        ويقول ويرثي الشاعر أحمد زكي أبو شادي في “مصرع البلبل”، من ديوان همسات وصرخات:

 حبس النغمة في أعماقه    ورنا ينظر في حيرته

كيف يطوي الروض في أرجائه   لحنه الساحر في قوته

 ويكف النهر عن ترجيعه    وهو كالانسام في رقته

 ثم أصغى لنسيم عابر   هدهد الأغصان في سرحته

همس اللحن الذي انشده    ومضى يختال في خطرته

         يخلق الشاعر الجو الهادئ الهامس، ويحاور عناصر الطبيعة ليعبر عن مشاعره وافكاره، فيرتفع الصوت الرومانسي أثناء رثاء الشاعر، وكأنه لا يجد إلا عالم الراحل ولغته للتعبير عن الحزن لفقده.

         وعندما نقرأ المعجم الشعري في هذا الاتجاه نجد الجرأة في التعامل مع اللغة وتوظيف المفردات الجديدة،كما يحضر المعجم التقليدي أحيانا، بمعنى هناك المراوحة عند الشاعر الواحد وبين مختلف الشعراء في القصيدة الواحدة وفي قصائد مختلفة.لكن غلب على رمضان حمود ومبارك جلواح محاولات الابتعاد عن التوظيف التقليدي رغم صعوبة المهمة.

        وقد لاحظ محمد ناصر أن اغلب قصائد مبارك جلواح تتميز باللغة الجزلة القديمة، وإنه في نظره تقليدي محافظ في صوره ومعجمه الشعري، رغم كتابته في موضوعات رومانسية. وهي -حسبه- ظاهرة في الشعر العربي ،فكثير من الشعراء الوجدانيين لم يستطيعوا التحرر من القوالب اللغوية التقليدية، ومنهم مطران، العقاد، عبد الرحمان شكري….

  1. الصورة الشعرية:

    -اهتم هذا الاتجاه بتشكيل الصورة الشعرية ونجح الشعراء في تطويرها وتجاوز الصور القديمة.

-أصبحت الصورة جزءا لا يتجزأ من شخصية الشاعر.

-عندما يكون الموضوع تربويا تكون صوره بسيطة، وعندنا يكون عن الطبيعة و المشاعر تكون الصورة مجازية، مراوغة، بليغة.

-توسّع الشعراء في استعمال المجاز وابتكار الصور الجديدة بفضل اعتماد الاستعارات والتشبيه.

اهم التجارب الحديثة…

 

    لا يمكن البحث في تاريخ الشعر الجزائري الرومانسي دون البحث في شعر رمضان حمود، وقد  ولد الشاعر عام1906 بغرداية، وتوفي عام 1929،توجه لغليزان في السادسة من عمره  مع والده التاجر،والتحق بمدرسة فرنسية، ثم توجه لتونس للدراسة  مع البعثة الجزائرية التعليمية وشارك في الحياة الثقافية.

   تتميز شخصيته بحب الأفكار الثائرة ضد الجمود، رفض الشعر التقليدي، رفض الاستعمار الفرنسي، وكان محبا لقصص الشجعان والأبطال…

       اشتهر بقصيدة الحرية، ومطلعها:

لا تلمني في حبها وهواها    لست أختار ما حييت سواها

        وقد قال عنها عبد الملك مرتاض:” قد تكون هذه القصيدة من أجمل الشعر الجزائري في الأعوام العشرين وقد يكون محمد العيد تأثر بها بعد عشر سنوات من ظهورها (1938)،فكتب رائعته أين ليلاي أينها؟”.

         

         وفي جانب الموضوعات التي كتب فيها فنجد موضوعات وطنية ترفض الجمود والتخلف، وتطلب من الشعب التحرك ورفض واقعه البائس،من خلال وصف الواقع المرير للمجتمع،مثل قوله:

        بكيت على قومي لضعف نفوسهم      على حمل أثقال العلى والفضائل

            بكيت عليهم والحشى متقطع            بكائي على طفل ضعيف العزائم

   ويقول :

          ولم أبك جبنا أو مخافة ناطق       فلي همة منتامة للجلائل

       تمر على المكروه وهي طليقة     وتلبس ثوب الصبر عند العظائم

      ولكنما أبكي نفوسا ضعيفة          رأت خدمة الأوطان ليس بواجب

     يقول محمد ناصر عن رمضان حمود:” ويطالعنا في كل ما كتبه بنفسية متأبية تكره الذل، وتمقت الجبناء، وتتعشق الفضاء الواسع، وتتطلع إلى الحرية بوله شديد… ومن الواضح أن حمودا كان يعاني معاناة شديدة في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية، ويلقى معارضة عنيفة لا من طرف المستعمرين وحدهم ولكن من طرف بعض الأنانيين أيضا.”

 

       وهناك اسم شعري آخر هام هو مبارك جلواح،ولد  سنة 1908، بقلعة بني عباس بسطيف، ورواية أخرى تقول بأنه ولد سنة 1910،بحسب الشاعر عبد العالي رزاقي والشيخ عبد الرحمان العايب(صرّح بهذا للدكتور عبد الله ركيبي بقسنطينة)،نشأ نشأة محافظة متدينة،واجبر على الخدمة العسكرية بالجيش   الفرنسي أواخر العشرينات (1928-1928) في مدينة فاس بالمغرب ، فانكب على المطالعة بالثكنة العسكرية.

         اتصل بعبد الحميد بن باديس، وتوجه في الثلاثينات لفرنسا قبل 1933،فاطلع على الثقافة الأجنبية،و لعب دورا هاما في نشر الأفكار الإصلاحية وسط الجالية الجزائرية و العربية.

      وقد وجد ميتا في نهر السين سنة 1943، عندما انهزمت المانيا، وتقول الروايات:

    1- تأثر وتعاطف مع الألمان فانتحر.

2-انتقم منه الفرنسيون بعد انتصارهم فاغتالوه.

  1. انتقم منه اليهود لدعمه فلسطين فاغتالوه.

     ويعتبره الناقد عبد الله ركيبي منتحرا بحسب شعره، ويقدم الأدلة، فمن نصوص الموت نجد:

                 يا موت هذا زمامي   يا موت خذ بالزمام

                   إني سئمت حياتي    في ذي الدنى ومقامي

        ويقول  في نص “وتر الانتحار”:

إني سئمت من الوجود ومن    حمق المسا وغباوة البكر

وسئمت من كيد  الحياة ومن    إحن القضا وضغائن القدر

          وكان الشاعر يتردد على نهر السين ويبثه المواجع:

ياسين جئتك في ذا الليل ملتمسا             بعرض لجك إخمادا لأنفاسي

 فابسط بهذي الدياجي الحالكات يدا        عذارء تنقذني من برثن الباس

        لكن مسألة وفاة هذا الشاعر تحتاج لفتح تحقيق قضائي فرنسي وجزائري مشترك، لكي لا يبقى الغموض حول القضية، ولكي لا ينساها التاريخ ويحفظها ضد مجهول؟؟ كما حفظ الكثير من المسائل، مثل الجماجم وجثث الشهداء التي لا نعرف مكانها؟؟ ومسألة التعويض عن التفجيرات النووية….؟؟؟

    

      ولشاعر جلواح نماذج عديدة عن التفاعل مع عناصر الطبيعة والحنين إليها، فيكتب الشعر الرومانسي على طريقة التجارب الشعرية في المشرق، بأسلوب شعري مجازي، فيه الصور الراقية و الموسيقى الهامسة العذبة.  ترك الشاعر ديوان “دخان اليأس”، يقول الركيبي”:شعره مرآة لحياته وتعبير عن شخصيته،فقد ربط  بين شعره وبين حياته فكان صادقا في تصوير حياته وفي التعبير عن ذاته التي تتجلى واضحة قوية متأزمة.”

في الختام…

 

      هذه وقفة تعريفية للشعر الجزائري الرومانسي الحديث ، ثم جاء جيل معاصر كتب نصوصا جميلة، نجدها عند نادية نواصر، سليمان جوادي، عبد الرحمان بوزربة،شارف عامر عبد الحميد شكيل…. وقد أنجزت حولهم الدراسات النقدية الهامة وعرفت بنصوص وخصائص المبنى والمعنى ،كما يمكن الاطلاع على كتب هامة منها كتاب محمد ناصر: الشعر الجزائري الحديث، وله “رمضان حمود حياته وآثاره”، وألف الناقد عبد الله ركيبي كتاب “الشاعر جلواح من التمرد إلى الانتحار”،وألف عمر بوقرورة”الغربة والحنين في الشعر الجزائري الحديث”…

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك