هل أنقذ الحراك النظام؟

بعد تفجيره من الداخل

بقلم: احسن خلاص     

بدت السلطة في الجزائر، قبيل اندلاع الحراك الشعبي، في حالة من التيه في الظلمات فاقدة للبوصلة وفقيرة من حيث الأدوات التي تسوس بها المجتمع، هزيلة في المقترحات السياسية والاقتصادية معتمدة كليا على تطويع الأجهزة الأمنية ومسخّرة وسائل الإعلام الخاصة والعامة ولاسيما القنوات التلفزيونية في خدمة هدف واحد وهو الاستمرارية في ظرف تجلياته كانت تعطي جميع الإشارات والدلائل على أن البلد آيل إلى طريق مسدود.

وإذا ما حاولنا البحث عن جذور النكسة التي وجدت فيها سلطة بوتفليقة نفسها في بداية عام 2019 فإننا نجد أن الانحدار نحو النار قد بدأ عام 1999، أي في اليوم الذي استلم فيه السلطة. فما هو معهود في مسارات القادة السياسيين أنهم يبدأون صغارا حولهم قلة من المؤمنين بأفكارهم وينتهون كبارا وقد وسعوا دائرة تأثيرهم ونجحوا في استقطاب أشد المعارضين لهم إليها ومكنوا من تحقيق أكبر مشاركة لأفكارهم.

 

بوتفليقة والاتجاه المعاكس

غير أن مسار الرئيس بوتفليقة بدا معاكسا تماما لهذا المنطق، فالرجل بدأ ولايته الرئاسية الثانية معززا بدعم كبير من إطارات سياسية وقادة عسكريين مصحوب بصمت المنافسين له، المنسحبين من السباق  في انتخابات الرئاسة من كبار الشخصيات مثل ايت احمد والإبراهيمي وحمروش والخطيب وسيفي وجاب الله. لقد وجد بوتفليقة، رجل الإجماع،  الفضاء أمامه رحبا في 1999 وكانت أدوات السلطة متوفرة إلى حد بعيد بين يديه، ثم أن الانخراط الواسع مع عرض الوئام المدني الذي قدمه آنذاك كان كفيلا ليعوضه ما كان ينقصه من شرعية انتخابية قبل أن يعززها بجولاته المكوكية نحو أهم عواصم العالم، فبدل أن يُظهر مخططه البياني صعودا أظهر انحدارا ظل يتأكد من عام إلى آخر وبدل أن يستقل قطار السلطة مزيد من الكفاءات القوية ويفتح أبوابه للمجتمع صار يشهد بمناسبة أي تغيير حكومي أو “انتخاب” برلمان جديد أو أي تغيير ذي بال في أجهزة الدولة التوجه إلى مزيد من الضحالة والهشاشة واختيار المسؤولين وفق قاعدة الولاء الجهوي والعشائري والانبطاح فضلا عما صاحبها من قلة الحيلة وهزال الفكرة قبل أن تدخل في آخر عمرها في مرحلة التهريج وتصبح مثارا للسخرية والتسلية الممزوجة بالامتعاض مما وصل إليه البلد من انحطاط سياسي والبحث عن سبل التخلص من الوضع المخزي حتى وصل الأمر ببعض رجال السياسة وبشخصية تاريخية، عضو لجنة 22، إلى دعوة الجيش إلى تنفيذ “انقلاب” ناعم على الرئيس الذي أقعده المرض منذ 2005 وازداد حدة بعد 2013 ومع ذلك تحدى الرفض لتوليه ولاية رابعة وهو ما أفاض الكأس ومكن الحراك من تفجير السلطة من الداخل.

لا يمكن الحديث عن مسار السلطة خلال عشرين سنة، كما رأينا، دون الحديث عن مركزها وهو بوتفليقة الثابت، لأن ما دونه ملحقات ومتغيرات، بما فيه المؤسسات العسكرية والأمنية التي لم تعد تحدث في ظل حكمه أي توازن في صناعة القرار، فقد أدى تكريس الحكم الفردي المستبد للرئيس ومن حوله إلى ازدهار بؤر الفساد وتنامي دوائر نفوذ رجال الأعمال الطفيليين وانتشار المال السياسي في كل المؤسسات فزادها هشاشة وضعفا. وعندما حلت ساعة الحقيقة لم يجد المركز أطرافا قوية تصون بناءه الكرتوني فهوى به إلى قاع سحيق.

هكذا وجد الحراك السلطة عندما قام. وجدها وقد “طاب جنانها” ووصل إلى مرحلة متقدمة من التعفن عما عبر عنه بوتفليقة في آخر خطاب له في ماي  2012.

 

النظام ينفجر من الداخل

وصفنا الحراك في المقالين السابقين بأنه حركة رفض شملت المنظومة السياسية التي صاحبت النظام البوتفليقي من مركزها إلى أطرافها، من أحزابها إلى منظماتها، من رئاستها إلى حكومتها وبرلمانها ومجلسها الدستوري، من عصبها إلى شخوصها ورموزها السياسية والعسكرية. وقد أحدثت هذه الحركة هزة عنيفة زعزعت أركان السلطة وأحدثت فيها ثورة داخلية عنيفة، فبعدما أبعدت الرئيس بوتفليقة ومهدت السبيل للزج بأخيه المستشار في السجن العسكري رفقة قادة سابقين للمخابرات وإدانتهم عن تهمة التآمر على الجيش، عرف سجن الحراش نزلاء لم يكن لهم به عهد مثل احمد أويحيى وعبد المالك سلال والطيب لوح ووزراء آخرون رافق أغلبهم الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة.

ولم يتوقف انفجار السلطة عند تفكك حكومة بوتفليقة فقد تجاوزه إلى “أحزاب السلطة” ومنظماته التي فقدت قادتها في لحظة واحدة، ليس بحركات تصحيحية داخلية ألفتها هذه الأحزاب لسنوات، بل بإيداعها الحبس بتهم الفساد، ولا تزال إلى اليوم تحت الصدمة غير قادرة على هضم ما جرى لها بل لا تزال عاجزة عن مواجهة الرأي العام، وهي التي كانت عشية اندلاع الحراك الشعبي منتشية بتكريم “الكادر” والهتاف باسم الاستمرارية التي يمثلها شبح بوتفليقة.

 

الحراك في نجدة السلطة

غير أن هذه الثورة الرافضة لمنظومة بوتفليقة، بقدر ما أفادت الأمة بأن خلصتها من ورم خبيث هدد الأمن القومي وتماسك المجتمع وكاد يعرض الدولة للانهيار، فقد مكنت السلطة نفسها من ترتيب أوراقها بعد أن دخلت قيادة الجيش على الخط وأخذت بزمام الحل والعقد وأعادت توزيع الأوراق بين أطراف السلطة فكانت النتيجة انتخابات كرست الاستمرارية بثوب مغاير، وخرجت بتمثيل للسلطة تعتبره الأقل ضررا والأكثر ميلا للقبول لدى الرأي العام المحلي. لقد توجت انتخابات الرئاسة مخاضا عسيرا خاضته قيادة الجيش مع نخب من الحراك التي زُجّ ببعضها في السجون بتهم إضعاف معنويات الجيش وتهديد الوحدة الوطنية التي صارت تمارس الخطاب السياسي من موقع الحاكم الفعلي فقد خرج رئيس الأركان السابق احمد قايد صالح بأكثر من 50 خطابا “سياسيا” خلال 36 أسبوعا ألقي أغلبها من مباني المؤسسة العسكرية. لقد ظل الراحل قايد صالح شخصية مثيرة للجدل، بين مؤيد له ومعارض حتى بعد وفاته المفاجئة بعد الانتخابات الرئاسية وهو الذي مارس السياسة بالزي العسكري وقد أتاح ما بعد وفاته التأمل في قيادته لفترة انتقالية عصيبة بقبضة حديدية، كما هو شأن العسكر في كل زمان ومكان، قبضة حديدية تراجعت من خلالها الحريات وأغلق بها المجال الإعلامي وأدت إلى اعتقالات في صفوف أصحاب الرأي وحاملي الراية الأمازيغية غير أنها عرفت بالمقابل قيادة محكمة ومشددة للوضع الأمني كانت إحدى الضمانات لخوض الانتخابات الرئاسية الأخيرة في أمن وسلام رغم ما تخللها من حدية في الطرح ورفض جزء كبير من الحراك.

لقد مكن “الحراك المبارك”، على حد تعبير تبون، من إنقاذ السلطة من نفسها بالتخلص من عبء الأعضاء المريضة الفاسدة والمشلولة فيها ووفر لها فسحة جديدة لترتيب البيت بانتخاب رئيس وإطلاق مبادرة تعديل الدستور وإقامة الإصلاحات السياسية والتفتح نحو مجتمع سياسي جديد إذا أرادت تجاوز أزمتها التي طالت دون أن تخرجها من عنق الزجاجة. فهل تغتنم السلطة هذه السانحة الجديدة؟

بقلم: احسن خلاص      

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك