هكذا يكون الإقلاع الاقتصادي أو لا يكون

الحكومة تعيده إلى ساحة النقاش

بقلم: احسن خلاص

شهد هذا الأسبوع عودة قوية للنقاش حول الوضع الاقتصادي وسبل إنعاشه ضمن خطة شرعت الحكومة في إعدادها منذ تنصيبها حيث استنفرت وزارات المالية والصناعة والتجارة لإعداد محيط مؤسساتي وقانوني جديد يسمح باحداث ثورة في الممارسات وطرق التسيير وطبيعة المحفزات لانتعاش الاقتصاد الجزائري الذي تواصل ركوده منذ 2014، أي منذ أن بدأت مداخيل المحروقات في التقلص واحتياطي الصرف في التآكل.

 

وقد كانت السنة الماضية هزيلة بسبب الظرف السياسي الخاص الذي نشأ عن الحراك الشعبي واقتياد العديد من رجال الأعمال البارزين إلى المحاكم بتهم الفساد فقد اعتبرها عالم الأعمال سنة بيضاء ميزها تراجع الإنتاج وتوقف جزئي أو كلي للنشاط في عدة قطاعات فضلا عن تجميد العديد من المشاريع القائمة التي ترعاها الدولة ووقف انطلاق المشاريع التي انتهت دراستها، كما تراجع قطاع الخدمات بشكل ملحوظ لاسيما في مجال السياحة.

 

كان أحسن المتفائلين يأمل مع بداية 2020 أن تؤدي الانتخابات الرئاسية إلى انفراج الوضع السياسي والتمهيد للعودة إلى النشاط ضمن قانون مالية أعد من قبل الحكومة السابقة لكنه كان أكثر طموحا عندما بنى الميزانية على أساس سعر برميل نفط لا يقل عن 50 دولارا. كان هذا ممكنا قبل أن تحل جائحة كوفيد 19 لتفرض على العالم قبضتها وتشل جزءا كبيرا من الاقتصاد العالمي وتنزل ضربة قاضية على أسعار المحروقات التي عرفت انهيارا لم يشهد له مثيل.

 

وكان الوزير الأول عبد العزيز جراد قد دق ناقوس الخطر قبل ستة أشهر عندما قدم برنامج حكومته أمام البرلمان وذكر مستمعيه من النواب أن الوضع يتطلب جهودا خارقة واستثنائية لتداركه. كان ذلك قبل أن يحل كورونا ويفرض مسارا أكثر خطورة ويدخل الجزائر في متاهة جعلت السلطات تفكر في حلول أكثر تأثيرا على الوضع المزري الذي أدخلها فيه الحجر الذي اضطر الحكومة إلى توقيف قطاع كبير من النشاط الإنتاجي والإنجازي والخدماتي وكبح الطلب على استهلاك السلع والخدمات بسبب إجراءات التباعد وغلق المحلات التجارية وأماكن الاستهلاك.

 

وها هو الرئيس تبون اليوم وكأنه يريد أن يمسك بالثور من قرنيه ويشرع في إعداد خطة إنعاش في سياق غير مهيأ بما يكفي من الناحية النفسية للإقلاع في طمأنينة نتيجة انسداد منافذ الرؤية حول تطور انتشار فيروس كورونا على وقع تزايد غير مسبوق لعدد الإصابات وظهور بؤر تشكل خطرا إذا لم يبذل جهد إضافي لتوقيف زحفه. ويرشح أن لا تنتظر الحكومة الدخول الاجتماعي المقبل للشروع في مناقشة خطتها ونموذجها التنموي مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. يأتي هذا وسط مخاوف من تزايد المطالب الاجتماعية وارتفاع التوتر بمناسبة الدخول الاجتماعي المقبل مع تزايد المتضررين من آثار الوباء على مداخيل الأسر التي تعتاش ضمن الاقتصاد الموازي وعمال المؤسسات الصغيرة والمهن الحرة. من هنا بات من الضروري على السلطة، قبل إطلاق خطتها الاقتصادية الجديدة، إعداد الأرضية السياسية والأخلاقية التي ستقوم عليها والفلسفة التي تنبني عليها وقراءة المناخ الذي ستتجسد فيه.

 

ويستشف من التوجيهات التي قدمها الرئيس تبون لفريق العمل الوزاري الذي اجتمع به أن السلطة ترمي إلى البدء في إرساء قواعد واضحة لضبط النشاط الاقتصادي توفق بين تحرير الاقتصاد من هيمنة البيروقراطية والذهنيات القديمة وبين وضع ضوابط صارمة تحول دون عودة نشاط المال الفاسد لاسيما وأن هذا المال صار يوجه نحو عرقلة عجلة التغيير الجذري لانماط وعادات التسيير القائمة، لذا تسعى فلول الاقتصاد الريعي إلى إفشال الأرضية القانونية الجديدة التي هي بصدد الإعداد على مستوى وزارات الصناعة والمالية والتجارة والطاقة والمناجم لاسيما تلك الضوابط المتصلة بمحاربة التهرب الضريبي وتضخيم الفواتير والتبذير في الإنفاق الحكومي وإخضاع النشاط الاقتصادي لمعايير غير اقتصادية بل لمقتضيات ظرفية. ومن هنا كان يجب التفكير في إنشاء اقتصاد وطني حقيقي يقوم على تحرير المبادرة وتشجيع إنشاء المؤسسات الصغيرة المنتجة والمنشئة لمناصب الشغل دون تمييز بين القطاعين العام والخاص إذ يظل المعيار الوحيد لتحفيز النشاط يقوم على إظهار القدرة على خلق القيمة المضافة على يد المنتجين المحليين وتشجيع الشراكة مع الأجانب بعد إلغاء قاعدة 49/51 ودفع مسار تعميم الرقمنة وخلق المؤسسات الناشئة والإسراع في الانتقال الطاقوي واستغلال الحقول المنجمية التي تزخر، مثل الأراضي النادرة، بموارد ثمينة للاقتصاد الوطني تخفف من وطأة التبعية لمداخيل المحروقات المتذبذبة. وهذا ما بدأ يتجسد في اطلاق استغلال منجم غار جبيلات للحديد ومنجم اميزور للزنك في انتظار مناجم أخرى فضلا عن التوجه نحو الطاقات المتجددة.

 

غير أن أم المعارك التي على الحكومة خوضها هي معركة استعادة الثقة في الدولة التي اهتزت في السنوات الأخيرة بفعل العصابة المالية السياسية التي ساهمت في تنفير المبادرات الجادة المؤدية إلى الإقلاع وكبحت إرادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأبقت على تبعية الاقتصاد للريع والاستيراد المكثف إلى درجة تجاوزت معها الفاتورة السنوية للاستيراد  60  مليار دولار، لابد أن يتجه الخطاب كما الأفعال إلى إرساء أرضية اطمئنان تجاه هيبة الدولة وقدرتها على لعب دور الضابط للعبة الاقتصادية وفق قوانين واضحة وشفافة ومفتوحة أمام التنافس النظيف. يضاف إلى هذه الفلسفة الجديدة إعداد العدة لكي لا يخضع تطور الاقتصاد لتقلبات الظروف الدولية والبيئية وتذبذب المداخيل الطاقوية والمنجمية.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك