هكذا قامت الثورات العربية المضادة

في ذكرى ثورة 25 يناير بمصر

يعود المصريون بذاكرتهم اليوم، 25 يناير، إلى تسع سنوات مضت عن اليوم الذي انطلقت فيه الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، ثورة هي الثانية من نوعها بعد تلك التي شهدتها تونس في أواخر سنة 2010 لتتواصل بعدها سلسلة من الهبات التي كان هدفها اقتلاع أنظمة جثمت على ظهور الشعوب العربية لعقود كاملة، سلبتها حريتها وكرامتها وأمسكت بمقاليد السلطة بقبضة من حديد في ظل ما صار يسمى “الجملكيات العربية”، في إشارة إلى اختفاء أنظمة ملكية وراء قناع الجمهورية لاسيما بعد أن تحققت فكرة توريث الحكم في سوريا وبدأت ترتسم في مصر وليبيا واليمن بل بدأ الحديث عنها محتشما في الجزائر.

من الصعب جدا الوقوف على تسمية موحدة لما حدث في المنطقة العربية بين ديسمبر 2010 و مارس 2011، بين الثورات والانتفاضات، فقد مال متابعون من مفكرين وصحافيين من الغرب إلى إطلاق اسم “الربيع العربي” على ما اعتبروه آنذاك منعرجا تاريخيا يعيشه العالم العربي أعاد إلى الأذهان المنعرج الذي شهدته أوروبا الشرقية عام 1989 الذي بدأ بانهيار الاتحاد السوفياتي، الأخ الأكبر، وانتهى بتغيير جذري للأنظمة الديكتاتورية لأوروبا الشرقية التابعة له مرورا باندثار الإيديولوجيات الاشتراكية التي كانت تشكل السند وتضمن الشرعية لتلك الأنظمة.

وبانتشار الانتفاضات الشعبية العربية العنيفة في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين وظهور إرهاصات لها في كل من المغرب والجزائر لم يعد ينظر العالم إليها على أنها ظاهرة عابرة فقد دفعت إلى تشكل حالة تأهب قصوى واعتبرت الأنظمة العربية، بما فيها الأنظمة الخليجية، نفسها في أزمة، مما جعلها تفكر في الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم من خلال تطوير أشكال من الثورات المضادة بالتحالف مع القوى التقليدية المحلية والنخب المهددة بتلك الانتفاضات، سواء العسكرية منها أوى المدنية، في مواجهة تيارات إسلامية ويسارية ركبت موجة تلك الانتفاضات قصد تأطيرها وتوجيهها.

وهذه الفترة التي نقف فيها على حصاد “الثورات العربية” تجعلنا في حيرة حول التساؤل الدقيق الذي ينبغي طرحه، هل يجوز الحديث عن مسار تطور لهذه الثورات نحو إرساء عهد جديد انعكس إيجابا على أساليب الحكامة وعاد بالخير على المجتمعات اقتصاديا وثقافيا؟ أم أن الحصيلة الحقيقية هي حصيلة نشاط الثورات المضادة؟

الواقع أن الشعوب العربية، وهي تتذكر تلك الفترة الحرجة من تاريخها المعاصر،  تعتبرها أحيانا قوسا قد فتح وسرعان ما جعلته المآسي الذي مرت بها المنطقة يغلق في انتظار أن تأتي أجيال جديدة تفتح أقواسا أخرى. لذا فمن الأجدر أن نتحدث اليوم عن حصيلة مسار إخماد الثورات العربية فقد وضعت دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خطة القصد منها إبعادها، أولا، عن القيم النبيلة التي نشأت من أجل تجسيدها مثل الحرية والعدالة والكرامة وإغراق هذه الثورات في حمام من الدماء من خلال إذكاء الفتن الدينية والعرقية والقبلية بين أبناء الشعب الواحد وإشعال حروب أهلية وتغذيتها بالمال والسلاح، يضاف إليها تحويل أرض هذه الثورات إلى مجال حيوي و”منطقة تبادل حر” للسلاح والمخدرات ومرتعا للجريمة المنظمة ولجماعات إرهابية جعلت من أراض سورية وعراقية منطلقا لتأسيس تنظيم إرهابي جديد يوازي تنظيم القاعدة وهو ما يسمى تنظيم الدولة “داعش” قبل أن تمتد أذرعه إلى شمال إفريقيا وليبيا خصوصا، بينما دخلت اليمن في مستنقع حرب بالوكالة بين دول الخليج وإيران كما دخلت الجزائر في حالة استنفار واستنزاف على حدودها الشرقية والجنوبية تحسبا لأي تداعيات أمنية خطيرة للحزام الناري الذي يحيط بها.

 

مصر بين 25 يناير و30 يونيو

تعد مصر من أحسن النماذج عن ثورة مضادة قامت داخل ثورة، فقد كان الزخم الذي انطلقت به الثورة الأولى في 25 يناير، وبالنظر إلى المكانة الاستراتيجية لهذا البلد في العالم العربي، يوحي أن مصر كانت مقبلة على انقلاب عميق فكريا وسياسيا لاسيما وأن الجيش المصري، صانع النظام وقوام الدولة، بدأ منذ البداية ينأى بنفسه عن تأييد نظام مبارك ومن ورائه دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا، دون أن يفصح عن بدائل وهو ما جعل قوى سياسية، إسلامية ويسارية، تقتحم الثورة أسوة بما جرى في تونس من أجل تشكيل توجهات جديدة للنظام البديل الذي لم تعرف سماته بعد. لكن الجميع انخرط في النهاية، بعد سقوط مبارك، في ضرورة الذهاب إلى استحقاقات جديدة تنطلق من المطالب التي عبر عنها في ميدان التحرير بالقاهرة. وبهذا جرت انتخابات الرئاسة التي فاز بها التيار الإخواني ممثلا في الرئيس الراحل محمد مرسي بعد إقصاء شخصيتين فاعلتين في هذا التيار من الترشح.

وبوصول مرسي إلى سدة الرئاسة انغلق الفخ على التيار الإخواني الذي كان ينظر إليه في الأوساط المصرية اليسارية بالأخص على أنه تيار طائفي قائم على سلطة الجماعة ومرشدها العام أكثر من إيمانه بالثورة ولا بالمؤسسات الجديدة التي ينبغي أن تنبثق عنها. وزاد من عزلة الحكومة المصرية الجديدة الموقف المبدئي للعربية السعودية والإمارات العربية من التيار الإخواني الذي تعتبره تنظيما إرهابيا فضلا عن أن إدارة الرئيس مرسي أسرعت إلى عقد تحالف جيواستراتيجي مع تركيا وقطر وهو ما تلقته دول الخليج على أنه موجه ضدها وهو ما دفعها إلى عقد تحالفات سرية مع قيادة الجيش المصري وعلى رأسها الماريشال عبد الفتاح السيسي وهو التحالف الذي مهد لما يسمى ثورة 30 يونيو التي بدأت بنداء وجهه السيسي إلى الشعب ليأذن له بقمع حركة الثورة والتيار الإخواني وبدء عهد “الثورة المضادة” بعقد تجمعات مليونية ملبية لندائه وهي “الثورة” التي أفرزت نظاما شموليا جديدا لا يزال قائما إلى اليوم.

 

ليبيا وسوريا واليمن..من مهد الثورة إلى بركة دماء

وإن أفضت الثورة المضادة في مصر إلى استقرار فرضته ديكتاتورية متجددة فإن الوضع في كل من ليبيا وسوريا واليمن قد أفضى إلى مأساة متعددة العناوين. فقد تحولت هذه الدول إلى ساحات حروب داخلية بأجندات أجنبية فواعلها القوى الكبرى، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإيطاليا، ممثلة إقليميا بالعربية السعودية والإمارات العربية ومصر وقطر وتركيا وإيران. ولا تزال هذه البلدان إلى اليوم تجتر المأساة التي دخلت فيها وما تبعها من قتل وتهجير وفقر وجهل وتمزق للنسيج الوطني في حين لا تزال القوى الأجنبية الفاعلة على الساحة تتزاحم على حجم الاستفادة من أي حل سلمي أو عسكري يفرض على شعوب هذه البلدان خارج إرادتها، فقد استتب الأمر جزئيا في سوريا دون أن تُحدث مأساة عمرها اليوم 9 سنوات أي تغيير سياسي، إذ لا يزال النظام السوري قائما أمام ازدواجية سياسية تلعبها المجموعة الدولية أمام انهيار البدائل المنشودة داخليا لعدم امتلاكها طول النفس في حرب قد يطول مداها أكثر.

أما اليمن الذي اعتاد على النزاعات الداخلية الطائفية منها والقبلية فقد زادته الثورات المضادة دفعا نحو مستنقع لا يدرك عمقه وحدوده بسهولة، فاليمن اليوم صار ساحة حرب تقليدية عليها تقوم بها السعودية والإمارات العربية ودول أخرى في ما يسمى التحالف العربي لمحاربة الإرهاب، حرب وإن كان هدفها المباشر جماعة الحوثي إلا أن ثمنها آفات الفقر والجهل والتمزق والأمراض التي وحدت حولها الشعب إذ أنها لا تميز بين القبائل والطوائف والأحزاب.

وليبيا، وإن التفت إليها المجتمع الدولي هذه الأيام بسبب العوائق التي اعترضت خطة المبعوث الأممي غسان سلامة الذي أوشك على تنفيذ خطة للخروج من الأزمة الليبية لولا تدخل مصر والإمارات العربية لفرض إرادتها بالقوة العسكرية لصالح طرف دون الأطراف الأخرى وهو ما حوّل هذا البلد إلى منطقة نزاع إقليمي بدخول تركيا وروسيا على خط الأزمة قبل دخول الجزائر على خط الحلول بمساعيها الديبلوماسية تجاه جميع الأطراف. لقد كانت هذه الأزمة دائما موضوع حوارات بالجزائر التي تستعد لاحتضان الفرقاء الليبيين في سبيل حل نهائي ينهي معاناة الليبيين ويعفي دول الجوار من التوترات الناجمة عن الأزمة.

بقلم: احسن خلاص

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك