“هكذا شاركت في دفن شهداء معركة قعور الكيفان – تازربونت 15 جوان 1957م”.

المناضل فرحاني محمد بن يوسف يفتح قلبه لجريدة الوسط

 

طارق عزيز.ف

 

بمناسبة الذكرى الـ 58 لعيدي الاستقلال والشباب، توجهنا إلى منزل المناضل فرحاني محمد بن يوسف القاطن ببلدية المزرعة ولاية تبسة، أين أجرينا معه حوارا شيقا حول الثورة التحريرية التي عايش أحداثها وتفاعل معها وناضل فيها وسخر جهوده لدفن الشهداء الذين سقطوا في معارك جيش التحرير الوطني بالمنطقة السادسة تبسة الولاية الأولى أوراس النمامشة. 

المناضل فرحاني محمد بن يوسف وباهية فرحاني من مواليد سنة 1937م، كنت أقطن في دوار فم السد التابع لقسمة للأولى من الناحية الثانية (بئر العاتر) من المنطقة السادسة تبسة، والتي كانت تضم إضافة إلى دوارنا: ثليجان عين الببوش، وادي هلال، أم خالد، رأس العش. ومع بداية الثورة التحريرية كنت أتفاعل مع مجرياتها وأشاهد جيش التحرير الوطني وهو يحقق الانتصارات تلوى الأخرى على غرار انتصارات أم الكماكم، الجرف، آرقو، وغيرها من الملاحم البطولية، ولم يتوانى أبناء الدوار في تقديم المساعدات للمجاهدين والتحق بعض أبناء الدوار بصفوف جيش التحرير الوطني مثل الطيب فرحاني، سعيد فرحاني، بلخير بن محمد فرحاني، الصادق فرحاني، الذين سقطوا شهداء إبان ثورة التحرير الوطني، وفرحاني عبد السلام بن صالح وغيرهم. 

لمحة عن دور عائلة فرحاني في تموين جيش التحرير الوطني:

نظرا للأهمية الاستراتيجية لدوار الفراحنة قامت قيادة جيش التحرير الوطني المناضل قوادرية علي بن محمد لخضر مسؤولا عن كافة سكان الدوار، حيث أسندت له رئاسة اللجنة الخماسية بالدوار، وتكفل هو الاخر بتوفير كافة المستلزمات الضرورية التي تطلبها قيادة جيش التحرير الوطني منه، وكنا نلقبه بمسؤول الجو، وقد سقط شهيدا على إثر وشاية، حيث اعتقل من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية، التي نقلته إلى منطقة الحميمة البيضاء، وأمرت أحد جنودها باطلاق النار عليه، فسقط بذلك شهيدا رحمه الله تعالى سنة 1958م. 

وقد عينت قيادة جيش التحرير الوطني كلا من: فرحاني الطيب بن أحمد والحاج عبد الله بن محمد وفرحاني علي بن أحمد، كمسؤولين عن جمع المؤونة بالدوار، وتوفير كافة الحاجيات الضرورية التي يطلبها جيش التحرير الوطني. وفي الدوار أيضا تقع مجموعة من مركز التموين يشرف عليه من: الحمزة حمزة بن رواق الذي استشهد سنة 1959م، وكلفت أيضا المناضل لخضر بن أحمد بإعداد مخبئ للتموين بكاف الديار بفم السد. وقام كل من المناضلان فرحاني الطاهر بن حمانة وقوادرية الوردي بن نصر بتحويل منزلهما إلى نقاط لإطعام مجاهدي جيش التحرير الوطني، أما أنا (فرحاني محمد بن يوسف) فقد كنت أتولى مهمة نقل الطعام الذي يتم إعداده في منازل الدوار نحو مراكز جيش التحرير الوطني، انطلاقا من هنشير زورة الصمع وصولا إلى ثنية علي، أين كان يستقبلني المجاهد عروة عبد المالك ليستلم الاكل والمؤونة وأديت هذه المهمة برفقة كل من: فرحاني محمد بن أحمد وفرحاني إبراهيم بن الصغير. 

أما عن النسوة اللواتي كنّا يقمن بإعداد الطعام للمجاهدين فأذكر: فرحاني حفصية بنت علي زوجة السيد محمد بن يوسف فرحاني، فرحاني حفصية بنت أحمد ليتيم زوجة إبراهيم بن بلقاسم، فرحاني معيوفة بنت عبد الله زوجة الحاج عبد الله بن محمد، فرحاني الوازنة بنت إبراهيم زوجة الطيب بن محمد، فرحاني نجمة بنت عبد الرحمان زوجة محمد بن بلخير، فرحاني زرفة بت بلقاسم زوجة محمد بن بلخير، فرحاني حدة بنت محمد بن عمار زوجة محمد بن أحمد، فرحاني عائشة بنت عمار زوجة أحمد بن حمانة، فرحاني فجرة بنت عبد الله زوجة الطاهر بن حمانة، قوادرية خديجة بنت محمد لخضر زوجة فرحاني الصادق بن حمانة، فرحاني معيوفة بنت محمد زوجة إبراهيم بن الصغير، فرحاني فطوم بنت الصغير بن عمار زوجة أحمد بن محمد، فرحاني عياشة بنت أحمد ليتيم زوجة صالح بن أحمد، فرحاني فطوم بنت حمانة زوجة إبراهيم بن أحمد، فرحاني فطوم بنت الصالح زوجة زروال بن أحمد.

إضافة إلى: فرحاني الدزاير بنت حمانة زوجة إبراهيم بن الصغير، فرحاني حفصية بنت الشابي زوجة محمد بن إبراهيم بن الصغير، فرحاني فوفو بنت إبراهيم زوجة محمد بن الشابي (كان مسؤولا)، قفاف هنية زوجة الشابي بن محمد الصغير بن يونس، بوزيدة الشيخة زوجة الشابي بن محمد الصغير بن يونس (نفس الشخص أعلاه)، فطوم قوادرية زوجة الحاج الوردي بن نصر، مبروكة المحمدية بن علي زوجة الحاج الوردي بن نصر (نفس الشخص أعلاه)، الوازنة بنت الصالح زوجة الزين بن حمانة، تومي باهية زوجة فرحاني يوسف بن عبد الله، فرحاني عائشة بنت يوسف زوجة يوسف بن أحمد، بريكة الزقاقية زوجة الحاج عبد الله بن محمد. قمرة المحمدية بن علي زوجة الحاج عبد الله بن محمد (نفس الشخص أعلاه)، حفصية البوسالمية زوجة الحاج الميداني بن عبد الله، فرحاني غزالة بننت الزمولي زوجة الحاج الميداني بن عبد الله (نفس الشخص أعلاه)، فرحاني غزالة محمد زوجة الطيب أحمد، فرحاني نجمة بنت إبراهيم زوجة محمد بن أحمد.

مشاركتي في عملية دفن شهداء معركة جبل تازربونت-قعور الكيفان 15 جوان 1957م: 

كان الوقت صيفا وكنت حينها أمارس مهنة الحصاد في حقل (طبة شعير) يمتلكه الحاج الطاهر من أولاد عطية ويقع في ناحية فم الذبان رفقة كل من علي بن لخضر فرحاني وبشير بن الطاهر (من فرقة أولاد أمحمد بن علي زرامة)، وعندما بدأ في عملية حصاد الشعير، تقدم نحونا بعض الجنود الفرنسيين الذين نزلوا من شاحنات عسكرية، وللتذكير فإن هؤلاء الجنود قدموا للمشاركة في عملية تمشيط عسكرية بحثا عن قوات جيش التحرير الوطني بعدما تحصلت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي على معلومات تفيد بدخول كتائب وفصائل جيش التحرير الوطني يقودها كل من القائد جدي مقداد والقائد فرحي الطاهر بن عثمان للمنطقة بعد اجتياز الحدود الجزائرية التونسية، وتمركزوا في ناحية بولثروث قرب ثليجان حيث قرر القائد جدي مقداد المكوث هناك، بينما فضل القائد فرحي الطاهر بن عثمان التحرك بسرعة نحو جبل تازربونت رفقة حوالي 300 مجاهد ليتجهوا نحو معاقل ومراكز جيش التحرير الوطني بجبل آرقو (المنطقة السادسة).

وفي هذه الأثناء كنا نشاهد الطائرات الفرنسية الكشافة وهي تقوم بالتحليق فوق الجبال القريبة منا وهي تبحث عن قوات جيش التحرير الوطني، وقد سخرت القيادة العسكرية الفرنسية إلى جانب هذه الطائرات عدد كبير من الجنود الفرنسيين الذين قدموا من مراكز: ثليجان، الشريعة، بئر العاتر، رأس العش، الجرف، خنشلة، وبعدما تقدم نحونا الجنود الفرنسيين وكان معهم أحد الحركى الذي رافقهم وقام بالمنادات علينا وتحدث معنا باللغة العربية وطرح علينا السؤال التالي: هل يوجد مجاهدين في هذا الجبل أم لا؟ فأجبناه بقولنا المجاهدين مكانش، ولما أنهى الحركي كلامه سألناه هل سنواصل عملية الحصاد أم لا؟ بقولنا نحصدوا ولباس؟ فأجابنا أحصدوا ولباس. 

وفجأة بدأت الطائرات الفرنسية في عملية قصف كثيف ومركز لجبل تازربونت، فأسرع الجنود الفرنسيين نحو الشاحنات التي كان في الأسفل، وتوجهوا بسرعة نحو الجبل، أما نحن فقد توقفنا عن العمل ووجهنا أبصارنا نحو الجبل منتظرين نتيجة القصف الفرنسي للجبل، وإلى غاية حلول الليل كنا نشاهد الطائرات ستة طائرات عمودية فرنسية كانت تقوم بنقل جثث قتلى الجيش الفرنسي الذين لقوا مصرعهم على أيدي مجاهدي جيش التحرير الوطني الذين أبلوا البلاء الحسن في هذه المعركة البطولية، لدرجة أن قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي كانت قد أعدت مستشفى ميداني قرب طاحونة الطاهر بن سماعل الحمزة بزورة الصمع قرب فم السد (بلدية ثليجان حاليا)، ونقلت في أول مرة ثلاثة جنود فرنسيين تقلى، ونقلوا إلى مدينة تبسة على متن طائرة عمودية أخرى، وقد سخرت إلى جانت خمسة طائرات عمودية في عملية نقل جثث الجنود القتلى إلى جانب نقل الجنود الفرنسين المصابين، وطوال ساعات المعركة كنا نشاهد التعزيزات العسكرية الفرنسية التي قدمت لمحاصرة الجبل، وبعد حلول الظلام حول القصف الفرنسي الليل إلى نهار، لتنتهي المعركة بعد ان استشهد عدد كبير من قوات جيش التحرير الوطني نتيجة للتطاير الشظايا وسقوط القنابل التي كانت ترميها الطائرات المقنبلة الفرنسية.

وبعد نهاية هذه المعركة قدم إلينا المناضل قوادرية علي بن محمد لخضر الذي كان يتولى مهمة مسؤول المسأهيل (رئيس اللجنة الخماسية بدوار فم السد) ومسؤول عن تحضير كافة المستلزمات التي يحتاجها جيش التحرير الوطني بمنطقة تبسة، وكان يشرف على المنطقة الممتدة من فم السد إلى غاية الجبل الأبيض، حيث يتولى احضار المؤونة بمختلف أنواع، وجمع الأسلحة الحربية، وأخبرنا أننا سنقوم يوم غد بالتنقل رفقة رجال دواوير الفراحنة (عائلة فرحاني) و(عائلة الحمزة) ورجال من دوار أولاد عمر، حتى نقوم بعملية دفن شهداء المعركة رحمهم  الله تعالى، وفي الوقت المحدد اجتمع حوالي 100 رجل من سكان الدواوير المعنية بهذه العملية وكان أغلب المشاركين فيها من عائلة فرحاني، ويعود هذا بالدرجة الأولى أنهم مثل الأغلبية في هذه المنطقة، ويعرفون تضاريسها وجغرافيتها جيدا. 

بدأنا السير انطلاقا نحو جبل تازربونت من هنشير زورة الصمع، وكلنا على أهبة الاستعداد لتلبية الدعوة التي وجهت لنا من قبل المناضل قوادرية علي، الذي قال لنا بالحرف الواحد ستشاركون في دفن اخوانكم، وأنتم على دراية بما حصل لهم في هذا الجبل، وقد كنت ضمن أفراد المجموعة الأولى والتي ضمت كلا من: فرحاني بخوش بن محمد بن عمار، فرحاني محمود المدعو الشاوش، فرحاني الطاهر بن محمود الشاوش، فرحاني الميزوني بن عبد الله، فرحاني محمد بن الطاهر، فرحاني أحمد بن الطاهر.

ولما وصلنا إلى الجبل اتجهنا إلى شعبة الكشريد، وبدأ في البحث عن الجثامين الطاهرة التي سقطت فداء للوطن، وتلبية للواجب المقدس، وأول شهيد وجدته هو الشهيد جفافلية علي بن الزين، الذي قمت بدفنه بملابسه لما تقتضيه ضرورة الموقف، وتطبيقا للحكم الشرعي القاضي بدفن الشهيد بملابسه وعلى الحالة التي وجد عليها، وفي المكان الذي سقط فيه، وبعدها، لنواصل المهمة وتفرقنا في أحناء الجبل، إلى وصلنا إلى إحدى المغارات الصغيرة (شقاقة) ووجدنا بقربها شهيدين، وتقدمنا نحوهما وإذا بصوت ينادي من داخل المغارة الصغيرة التي كات مغلقة بحجارة، فدنونا قربها ونزعنا الحجارة فكانت مفاجأة لنا حيث وجدنا مجاهدا حيا ويعاني من إصابات بليغة، فقمنا بإخراجه من المغارة وأخبرنا أنه جرح في أسفل الجبل وقد نزعت قطعة لحم كبيرة من لحم ظهره جراء الشظايا التي كانت تسقطها الطائرات الفرنسية، وقد حملاه المجاهدان إلى أن وصلا إلى المغارة فادخلاه فيها، وقما يدافعان عنه حتى سقطا شهيدين، وبعدها قام أحمد بن الطاهر بتوجه بسرعة نحو الدوار وأحضر حصان وحمل عليه المجاهد الجريح وتوجه به نحو منزل المناضل الشهيد الحمزة حمزة بن رواق إين قدم له علاج تقليدي في منزله، وقام هو الاخر بأخذه نحو ثليجان، وحول على جناح السرعة إلى تونس لمواصلة العلاج.

وبعد أن أنهينا مهمة نقل المجاهد الجريح واصلنا البحث في الأجزاء المتبقية من الجبل، فوصلنا إلى اعلى الجبل، فوجدنا جثمان الشهيد بوعون الكبلوتي والذي كنت أعرفه شديد المعرفة، ووجدنا جثمانه على حاله، وبقايا كثيرة للرصاص الذي أطلقه والشمة التي كان يتناولها خلال المعركة بقربه، وللتأريخ أذكر أن الاثار التي خلفها وراءه تدل على أنه دافع دافعا مستميتا وقتال قتلا عنيفا إلى أن سقط شهيدا، وسبحان الله الذي خلقني فقد وجدنا أن قبره مهيا له، فكان بالقرب من شقاقة صغيرة، كانت على مقاس جسده الطاهر، ووضعناه بداخله، وغطيناه ببعض أجذع شجرة العرعار ونبات الحلفاء وبعض الحجارة التي وضعت على الجثمان، ثم غادرنا المكان (لازلت إلى اليوم أتذكر القبر الذي دفن فيه الشهيد بوعون الكبلوتي). واصلنا المهمة ووصلنا إلى شعبة العرعار فوجدنا جثامين لسبعة عشر شهيدا (17)، بقرب بعضها البعض، فقمنا بدفنهم باستعمال نبات الحلفاء والحجارة.

وتوجهنا إلى قارة الشديدة فوجدنا جثمان لشهيد من أولاد حميدة وكان صغيرا في العمر داخل مغارة، وكان قد فصل جسده إلى نصفين، بعد أن قامت دبابة فرنسية برمي قذيفة مدفعية نحوه بعد استبسل في القتال، فسقط شهيدا وهو واقف، رحمه الله تعالى، فقام كل من الشاوش محمود فرحاني وفرحاني الميزوني بن عبد الله، وفرحاني محمد بالنزول إلى داخل المغارة لدفنه، بينما بقيت أنا بخوش بن محمد بن الطاهر في أعلى المغارة لنسلم لهم بعض أغصان العرعار لوضعها فوق الجثمان الطاهر. 

والحصيلة أننا قمنا بدفن 22 شهيد، من شهداء معركة (واجهة) جبل تازربونت قعور الكيفان، في ذلك اليوم. أما صالح بن إبراهيم فرحاني فقد وجد هو الاخر ثلاثة مجاهدين أحياء مصابين بجراح داخل إحدى المغارات، فقام برفعهم بالحبال منها، ثم نقلوا إلى الدوار وتم تحويلهم إلى تونس لتلقى العلاج الضروري. واذكر موقف أخر أننا قد تولينا مهمة دفن الشهيد علي بن علي الزرمومي لما سقط شهيدا في ربيع سنة 1956م، في المكان المسمى الدغوص (كاف الديار) أعلى قرية الفراحنة اليوم.

وفي الأخير أتوجه برسالة إلى جيل الاستقلال لأجل المحافظة على الجزائر لأنها أمانة الشهداء الذين قدموا الغالي والنفيس لأجل استرجاع السيادة الوطنية. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك