هذه ذكرياتي عن أم المعارك معركة الجرف الكبرى

المجاهد محمد حسن المدعو حمّة بن سلطان ل الوسط

* حقيقة القائد شيحاني بشير رحمه الله

* كمين فج المورد الذي قاده المدعو عمر البوقصي

 

حوار فرحاني طارق عزيز 

 

بمناسبة الذكرى الـ 65 لمعركة الجرف الخالدة، استفضنا في هذا اليوم وعبر صفحات جريدة الوسط المجاهد محمد حسن المدعو حمّة بن سلطان، وتجاذبنا أطراف الحديث معه حول المعركة وحيثياتها، المجاهد عمي حمّة فتح قلبه وغاص في الذاكرة واسترجع تفاصيل الملحمة التي كُتبت بدماء الشهداء والمجاهدين وسُطرت برصاص البنادق التي تكلمت في وسط جبل الجرف الذي خلد هذه الملحمة العظيمة عظمة جبال النمامشة. 

بداية من هو المجاهد محمد حسن؟ 

اسمي حسن محمد بن سلطان المدعو حمّة بن سلطان من مواليد 01 جويلية 1934م بمشتة البهانة بلدية السطح قنتيس دائرة العقلة ولاية تبسة. 

كيف التحقت بالثورة التحريرية؟ 

التحقت بالثورة التحريرية في يوم 01 مارس 1955م بواد العلق الذي يقع جنوب ولاية تبسة حاليا وأشرف القائد الشهيد لزهر شريط على تجنيدي رسميا في صفوف جيش التحرير الوطني. 

ما هي أهم العمليات القتالية التي شاركت بها قبل معركة الجرف؟ 

شاركت في كمين فج المورد الذي قاده عون عمر المدعو عمر البوقصي يوم 24 ماي 1955م والذي حققنا خلاله نتائج جد إيجابية، ثم معركة واد الجديدة الأولى يوم 28 ماي 1955م وشاركت كذلك في معركة أم الكماكم والتي كانت بحق نصرا مؤزرا على الوحدات العسكرية الفرنسية، والتي أثبتنا خلالها أننا نستطيع مواجهة الجيش الاستعماري الفرنسي في أي وقت ومكان نريد، وحتى لا أنسى فقد وقت المعركة خلال يوم عيد الأضحى المبارك. 

لماذا قرّر القائد شيحاني بشير عقد اجتماع رأس الطرفة؟ 

حقيقة القائد شيحاني بشير رحمه الله أراد من عقد اجتماع رأس الطرفة الرد المباشر على السياسة الاستعمارية الفرنسية التي كانت تنشر الأكاذيب والادعاءات الخاطئة بأن المجاهدين هم عبارة عن قطاع طرق وفلاقة وخارجون عن القانون مدعومين من جهات خارجية، وسوف يتم القضاء عليهم في أقرب وقت ممكن، لذلك وفور خروجنا من معركة أم الكماكم عقد اجتماعا موسعا في المنطقة الرابطة بين واد اهلال وواد مسحالة وذكر فيه بأنه عازم على عقد اجتماع موسع يحضره أفراد الشعب ليطلعوا على التطور والتنظيم الذي وصلت إليه الثورة التحريرية.

وبعد مشاورات عديدة وقع الاختيار على موقع رأس الطرفة الذي يقع بوسط جبل أرقو والذي احتضن الملتقى والاجتماع الذي أطلقت عليه قيادة جيش التحرير الوطني تسمية “الأبواب المفتوحة على الثورة”.

كيف تم اختيار موقع رأس الطرفة؟ 

دوار رأس الطرفة عبارة عن منطقة جبلية تقع بالقرب من واد اهلال، يكثر بها نمو شجرة الطرفة المعروفة لدى سكان المنطقة بتسمية “هممايث” وتقع في وسط سلسلة جبال اللمامشة. ويحدها من الجهة الشمالية: جبل أرڤو، بشطن، شعبة الڤرزي، شعبة الحصباية. ومن الجهة الجنوبية: البويبة، شعبة بغداش، توت حملة، التوتات، رأس المعرڤب، جبل الحنية، الجرف، وادي هلال، بوغميطة، غار جمّال، أم سريف، الوطية، مسحالة، موسى البهلول. أما من الجهة الشرقية فيحدها: جبل الظهر، جبل المزيرعة، شعبة حدة، شعبة بوطروس، الشعبة البيضاء، شعبة المظليّة، شعبة ذيل البغل. ومن الجهة الغربية فيحدها: بوخنيب، عين أم اللّفاع، السطح. 

بعد مشاورات مع القادة الميدانيين لجيش التحرير الوطني وبنصيحة مقدمة من طرف كل من: فرحي ساعي المدعو بابانا ساعي، لزهر شريط، عباد الزين، عون عمر المدعو عمر البوڤصي، اختارت القيادة العليا لجيش التحرير الوطني ممثلة في شخص القائد شيحاني بشير دوار راس الطرفة موقعا لعقد اجتماع مع سكان ناحية تبسة، لكونه يتوفر على شروط تسمح بتنظيم الأيام المفتوحة على الثورة أمام سكان ناحية تبسة، بهدف إلقاء خطاب سياسي وتوعوي من قبل القيادة العليا لجيش التحرير الوطني بعيدا عن المتابعات الأمنية لوحدات الجيش الاستعماري الفرنسي. 

ومن بين الشروط التي جعلت القيادة يقع اختيارها على الدوار وتحديده كموقع للاجتماع للأسباب العسكرية والأمنية التالية: توفر الدوار والمرتفعات المحيطة به على أشجار الطرفة بكثافة، وهي نبات استبسي طويل يوفر عامل حماية طبيعي من عمليات الاستطلاع الجوي التي يقوم بها سلاح الطيران الفرنسي للمنطقة بحثا عن أماكن تمركز وانتشار أفواج جيش التحرير الوطني، وكذلك الموقع الجغرافي للدوار فهو عبارة منطقة تقع في وسط الجهات التي سيتوافد منها أعيان المنطقة ورجال الأعراش والمشاتي والدواوير، من تبسة، وخنشلة، فالقادم إليها من الناحية الشمالية من ونزة، مرسط، بكارية، تبسة، والحمامات، تروبية، الشريعة، ڤريڤر، الضلعة، يدخل عبر دوار أم خالد والمزرعة، والقادم إليها من الشرق بئر العاتر، ونڤرين يدخل عبر فركان، ثم يتوجه إلى مراكز جيش التحرير الوطني بالجبل الأبيض ثم يعرج على وادي اهلال، والقادم إليها من الغرب من ڤنتيس، تبردڤة، وتماروت، يمر عبر جبل البغيلة، العڤلة، والسطح.

من الناحية الأمنية يقع في وسط مراكز ومعاقل جيش التحرير الوطني بالناحية، فنجد من الشمال الشرقي والغربي مراكز جبل الظهر وتازربونت، وجبل أرڤو «شڤاڤة اليهودي»، وجنوبا تقع مراكز جيش التحرير الوطني مقر الإدارة بالجرف وسط وادي اهلال الذي يقع على بعد 10 كلم وداموس الحجير بالجبل الأبيض، مما يسمح للمجاهدين خصوصا نحن المتواجدين ضمن أفواج الحماية والحراسة بضمان حماية القيادة والشعب معا وتأمين وحراسة الدوار.  

ماذا حدث قبل بداية الاجتماع؟ 

قبل بداية الاجتماع وصلت معلومات إلى القائد شيحاني بشير تفيد بأن القائد لحسن مرير محاصر بجبل تافرنت (ولاية خنشلة حاليا) لذلك قرّر أن يرسل القائد عمر البوقصي حتى يفك الحصار عنه، وقد اختار مجموعة مكونة من حوالي 30 مجاهد ليشاركوا في العملية، ومن بين الذين ذهبوا مع القائد عمر البوقصي أذكر المجاهد الفازع بن نجوع، وقبل الانطلاق في تنفيذ المهمة طلب القائد شيحاني بشير من عمر البوقصي أن يهاجم مقر الثكنة العسكرية الفرنسية المتواجدة بزوي، وأخبره كذلك أن يتوجه إلى واد الجديدة وأن يتمركز هناك بعد نهاية مهمته. 

ما هو انطباعك الشخصي عن مجريات الاجتماع؟ 

بعد اكتمال قدوم المدنيين المدعوين لحضور الاجتماع، كلفت دورية من المجاهدين للذهاب إلى مقر الإدارة بالجرف لإعلام القائد شيحاني بشير ومن معه بأن جميع التحضيرات اكتملت لبدء الاجتماع. فتنقلنا مع القيادة من الجرف إلى رأس الطرفة مع حلول المغرب. وعندما وصل القائد شيحاني بشير إلى مكان الاجتماع الذي عُقد في منزل المناضل «عبيدات صميدة بن عباس الزرمومي»، بدأ في إلقاء خطابه التاريخي الذي استمر لمدة أربعة ساعات استعمل فيه لغة امتلك بها قلوب الحاضرين وآثار فيهم مشاعر الوطنية والاعتزاز بالانتماء إلى هذه الأرض. 

لقد تألق خلاله بشكل لافت ومؤثر بعد اعتلائه للمنصة المتواضعة التي أعدت له وهو ما جعل الحاضرين يتعرفون على أهداف الثورة ونبل مقاصدها، وتميز خطابه بالسلاسة في الالقاء وايصال المعلومة وهو ما يعكس المستوى المرموق الذي كان يتمتع شيحاني بشير بصفته قائدا جامعا وملما بكل الأحداث الدائرة بقربه، فكان ينصح ويوجه ويشرح ويوضح في آن واحد، فينتقل من فكرة إلى فكرة ويقف عن أهم المحطات البارزة التي مر بها التاريخ الوطني مستعرضا مختلف مراحل المقاومة الوطنية من عهد الأمير عبد القادر إلى حوادث 08 ماي 1945م، ومن جهة أخرى وجد في الخطاب فرصة لتحليل الواقع الذي يعيشه الشعب الجزائري بسبب السياسية الاستعمارية الفرنسية، حاثا الجميع على بذل التضحيات بالنفس والنفيس وبالغالي والرخيص باعتبارها الحل الوحيد الذي يجب أن يبذل دون انقطاع حتى تشرق شمس الحرية، وتهب نسمات دافئة في أرض الوطن بعدما تنكسر قيود الاخطبوط الفرنسي، وأن هذا لا يتأتى إلا بالتجند ورص الصفوف وتعبئة الجهود والطاقات تحت لواء جيش التحرير الوطني. 

وعندما تتطرق إلى موضوع جيش التحرير الوطني وقف مطولا في خطابه، فقدم تعريفا له للحاضرين موضحا أن الأفواج الميدانية المنضوية تحت لواء جيش التحرير الوطني والتي تخوض المعركة ضد وحدات الجيش الاستعماري الفرنسي المنتشرة في كل شبر من أرض الجزائر، تهدف إلى تحقيق الاستقلال وطرد المستعمر الجاثم على صدور الجزائريين منذ عقود طويلة، فالمجاهدون يمثلون صفوة أبناء المجتمع الجزائريين الذين تحملوا مسؤولياتهم التاريخية ورفعوا راية الجهاد وحملوا السلاح ولبدوا نداء الوطن في مرحلة حاسمة وفارقة في تاريخ الجزائر.  

ولم يغفل كذلك مسألة الدعم الذي يقدمه الشعب لأفواج جيش التحرير الوطني، خصوصا وأن هذه النقطة أولاها أهمية بالغة وركز عليها، لكونها الشريان الضامن لاستمرارية الثورة التحريرية فخيام وبيوت الشعب كانت هي الثكنة التي نتزود منها بما نحتاجه من: إطعام، لباس، أخبار ومعلومات، راحة، لذلك طلب من الحاضرين تقديم ما يستطيعون تقديمه للأفواج التي تقصدهم ونشر هذه الفكرة لدى أقاربهم حتى تعم الفائدة ويستفيد الجميع منها، وعدم إنكار ذلك في حالة استجوابهم من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية بحجة أنهم قدموا الطعام لمجموعة مسلحة لم يتمكنوا من ردها. 

خلال اجتماع رأس الطرفة أصدر القائد شيحاني بشير مجموعة من القرارات التي تخص إعادة هيكلة وتنظيم نواحي الجهة الشرقية للمنطقة الأولى وتعيين قياداتها الميدانية، فكانت نواحي تبسة وخنشلة ومنطقة سوق أهراس محل تنفيذ هذه القرارات التنظيمية: فنظرا لأهمية ناحية تبسة وقربها من الحدود التونسية شرقا، فإنها كانت محل عانية من طرف القائد شيحاني بشير الذي قام بتعيين بشر ورتان المدعو سيدي حني قائدا ميدانيا للناحية، ثم قام بتعيين قادة القطاعات العسكرية في الناحية، التي أسندت لكل من: لزهر شريط الذي تولى قيادة قطاع الجبل الأبيض وبئر العاتر خلفا للزهر دعاس الذي كان مصابا منذ معركة جبل أم الكماكم، لذلك قرر شيحاني بشير إعفاءه من المهام التي كلف بها سابقا. وعين فرحي حمة بن عثمان لتولي قيادة قطاع تازبنت إلى غاية الونزة. مع تعين جيلالي بن عمر السوفي لقيادة قطاع نڤرين والجنوب التونسي. 

وبعد تنظيمه لناحية تبسة وقطاعاتها ومنطقة سوق أهراس، قام شيحاني بشير بتعيين التيجاني عثماني قائدا لناحية خنشلة، وعين كل من: علي كربادو كقائد لقطاع ششار، وشعبان لغرور قائد لقطاع الخروب وعين فكرون، أما منطقة سوق أهراس فبعد أن أصبحت تابعة للمنطقة الأولى، قام شيحاني بشير بتعيين ڤتال الوردي قائدا للمنطقة، وعين كل من: الزين عباد ولزهاري دريد، وعمر البوڤصي لمرافقته بأفواجهم إلى المنطقة، ثم أصدر قرارا أخر يقضي بـتعيين عمر عون المدعو البوڤصي: قائدا لقطاع سدراتة.

هل يمكنك أن تحدثنا عن أهم الترتيبات الأمنية التي قام بها القائد شيحاني بشير بعد نهاية اجتماع رأس الطرفة؟ 

بعد نهاية اجتماع رأس الطرفة قرّر القائد شيحاني بشير أن يوزع عددا من الأفواج في محيط مقر الإدارة المتواجد بجبل الجرف، لأجل تأمينه وتعطيل تحركات الوحدات العسكرية الفرنسية. وكلف القادة الآتية أسماءهم بالتوجه إلى الجهات التالية: 

  • كلف لزهر شريط والجيلاني بن عمر بالتوجه إلى الجبل الأبيض ثم بعد ذلك جبل أم الكاكم. 
  • كلف علي عفيف بالتوجه إلى جبل بوجلال وفوّة. 
  • كلف فارسي محمد بن عجرود بالتوجه إلى دوار أم خالد. 

كيف وقعت معركة مرتفعات فرطوطة؟ 

حقيقة هذا السؤال مهم فبعد أن وصل أفراد الفوج الذي يقوده فارسي محمد بن عجرود إلى دوار أم خالد لأجل تنفيذ المهمة التي كلفوا بها من طرف القائد فارسي محمد بن عجرود، أقاموا ليلة 21 سبتمبر 1955م في بيت المناضل بوعبيدة لخضر الذي كان مكلفا بالتموين على مستوى دوار أم خالد، وفي صبيحة يوم الخميس 22 سبتمبر 1955م  خاضوا معركة حامية الوطيس بمرتفعات فرطوطة مع وحدة عسكرية فرنسية قادمة من مركز الشريعة وقد أبلى أفراد الفوج الذي كنّا نسميهم بتسمية الصيادين بلاء حسن، وأثبتوا عن قدرات قتالية عالية، وأحدثوا خسائر كبيرة في وسط الجنود الفرنسيين، لكن استشهدوا بعد ذلك بسبب انتهاء الذخيرة الحية من عندهم، ولم ينجوا من أفراد الفوج سوى ثلاثة أفراد أدخلهم القائد الشهيد فارسي محمد بن عجرود في وسط مغارة صغيرة وأغلق عليهم بعد أن أصيبوا بجراح متفاوتة الخطورة، وحتى لا أنسى فقبل بداية المعركة كان القائد فارسي محمد بن عجرود قد ارسل المجاهد المكي بعلوج حتى يخبرا القيادة بأن أفراد الفوج محاصرين في مرتفعات فرطوطة  ويطلب منها أن ترسل له الدعم والمساندة اللازمتين. 

ما هي أهم الأحداث التي أعقب استشهاد أفراد فوج القائد فارسي محمد بن عجرود؟ 

فور سماع القيادة بخبر محاصرة أفراد فوج القائد فارسي محمد بن عجرود والذي نقله المجاهد جدي مقداد، رفع القائد شيحاني بشير من حالة الجاهزية في وسط المجاهدين المتواجدين بالجرف، وأمر قادة الأفواج بالتوجه إلى مرتفعات فرطوطة لأجل فك الحصار الذي تضربه القوات الفرنسية على فوج فارسي محمد بن عجرود، لكن ولما وصلت هذه الأفواج إلى جهة الظهر أخبرها المدنيون بأن المعركة انتهت، فعادت أدراجها إلى جبل الجرف، في تلك الاثناء اتشبك فوج القائد لزهر شريط مع وحدة عسكرية فرنسية في جبل أم الكماكم، وكان قد أرسل رسالة بواسطة عون اتصال يخبرا فيها القيادة بضرورة مغادرة جبل الجرف، لأن القوات الفرنسية قادمة بإعداد كبيرة نحو الجبل، وكان أيضا أفراد فوج القائد علي عفيف يخططون لشن هجومات عن مراكز عسكرية فرنسية في جهات عديدة بالشريعة، نقرين، فركان، الحمامات، ومقر الحاكم بتبسة الذي استطاع القائد علي عفيف اقتحامه متنكرا بعد اسقط طائرة حربية فرنسية وأسر قائدها، وكان يريد من هذه العملية الجريئة القضاء على حاكم تبسة. 

كيف تصرف القائد شيحاني بشير مع التطورات التي حصلت في الميدان؟ 

بعد سماعه بالمستجدات التي حصلت في الميدان وتشاروه مع القادة الذين كانوا في مقر الإدارة أصدر القائد شيحاني بشير قررا يقضي بالخروج من الجرف، وكلف القائد الزين عباد بالخروج قبل الجميع. 

ما هي المهمة التي كُلف بها فوج القائد عباد الزين؟ 

كُلف القائد الزين عباد رفقة أفراد فوجه بمهمة استطلاع الطريق المؤدي من جبل الجرف إلى غاية واد مسحالة، وتقدم قبلنا بعدّة كيلومترات، ولما وصل إلى جهة الركيزة بالجبل الأبيض اشتباك مع وحدة عسكرية فرنسية كان تمشط الجهة، لكنه استطاع الخروج والمرور، ولم يقع لأفراد فوجه أي مكروه خلال ذلك الاشتباك. 

كنّا نسير خلف فوج القائد الزين عباد وفور سماعنا لأصوات تبادل إطلاق النار، أصدر القائد شيحاني بشير قررا يقضي بالتوقف، فامتثلنا للأمر، وبعد ذلك قررا أن نعود إلى جبل الجرف. 

لماذا قرّر القائد شيحاني بشير العودة إلى مقر الإدارة بالجرف؟ 

بعد مشاورات مع القادة الميدانيين وعلى رأسهم المجاهد الوردي قتال وعباس لغرور قرّر القائد شيحاني بشير العودة إلى جبل الجرف للأسباب التالية: 

  • يعد الجرف كان من أهم النقاط الحصينة والاستراتيجية في المنطقة، فهو جبل منيع تتوفر فيه شروط المقاومة والدفاع. 
  • أن المجاهدين كانوا في قوة كبيرة، تمكنهم من مقومة ومواجهة القوات الفرنسية ليوم أو أكثر. 
  • اعتقد القائد شيحاني بشير بأن المعركة لن تزيد عن يوم واحد مثلما جرت العادة، إذ أن العدو حتى تلك الفترة كان يشتبك مع المجاهدين مهما كانت قوتهم لفترة قصيرة لا تزيد على يوم ثم ينحسب إلى مراكزه حتى وإن لم يقض على المجاهدين. 

 

أين يقع مقر الإدارة؟ 

يقع مقر إدارة «القيادة» جيش التحرير الوطني بناحية تبسة في كهوف بوسط جبل الجرف بمحاذات من واد اهلال الذي كان ينبع من تازبنت، ثم يمر بالشريعة، وفي كل مرة يأخذ تسمية المكان الذي يمر به: الحوض، أم خالد، المزرعة، شڤاڤة ليهودي، آرڤو، رأس الطرفة، حليڤ الذيب، الجرف، واد اهلال، مسحالة. ثم يجتاز الجبل الأبيض إلى غاية صحراء جارش. والمقر عبارة عن مركز كبير محصن طبيعيا يتوفر على المياه الصالحة للشرب التي تجري عبر عيون تخرج من الأرض، ونستخدمه لتخزين المواد الغذائية التي يحضرها الشعب من: مؤونة، أكل، دهان، عسل، تمر، دقيق، ولهذا لم نكن بحاجة إلى المؤونة ولم تتناقص علينا وتوجد به أيضا مغارة مخصصة لمقر الإدارة. وبالجبل تقع أيضا مشتة «الجرافة» والتي يمتهن سكانها مهنة الفلاحة وتمكنوا من تحويل الاراضي المحيطة بالجبل إلى جنة ساحرة، فزرعوا بساتين بها أنواع من الخضر وأشجار الفواكه المثمرة وحتى النخيل إضافة لتربيتهم للنحل المنتج للعسل. هذه الخصائص التي يتوفر عليها المركز جعلته مقرا لقيادة عمليات جيش التحرير الوطني ضد وحدات الجيش الاستعماري الفرنسي بتبسة. ولعقد الاجتماعات التنسيقية التي كان يشرف عليها القائد شيحاني بشير مع قادة القطاعات والأفواج الميدانية لإسداء التعليمات المتعلقة بالثورة ومعرفة كل التطورات العسكرية التي تشهدها الناحية. 

من هم القادة الذين حضروا معركة الجرف؟ 

شارك في المعركة عدة أفواج وعدد من القادة والمجاهدين الذين أذكر أسماءهم بعضهم ممن لازلت أتذكرها: القائد شيحاني بشير المدعو سي مسعود، عباس لغرور، عاجل عجول، فرحي ساعي المدعو بابانا ساعي، بشير ورتان المدعو سي حني أو بشير بولحية، الوردي ڤتال، شامي محمد، دعاس لزهر، بخوش امحمد بن السدراتي، الممرض بوبكر سالمي، بوصفصاف الحاج صالح الزيدي، الباهي شوشان، الشايب علي المعافي، بشير توايتية المدعو بشير العمري. ومن بين المجاهدين الذين شاركوا في المعركة أذكر: عبد الحميد زروالي، حمة حسن، الطيب مراح، علي مراح، فرحي حمة بن عثمان، فرحي حمة بن عثمان، وعلي بن أحمد مسعي، لسود مسعي، العيد بو ڤطف، لخضر جلاب، بعلوج امحمد، بوعبيدة نصّر، سديرة عبد العزيز، لزهاري عاشور، علي بولعراس، الربيعي بن عبيد، حافي خليفة، أيمن الجموعي، إبراهيم بوغرارة، ريماني صالح، ڤريد عبد المالك المدعو الجنة، بوساحة عون الله، تومي أحمد بن الهويدي، محمد لصنامي. محمد الوهراني وغيرهم.

حدثنا عن مجريات معركة الجرف؟ 

لابد أن نعرف أن معركة الجرف وقعت في الأيام التالية: اليوم الأول الجمعة 23 سبتمبر 1955م، والسبت 24 سبتمبر 1955م، والأحد 25 جويلية 1955م والذي خرجنا فيه من الجرف. 

حيث أنه في اليوم الأول وفي الصباح الباكر من يوم الجمعة 23 سبتمبر كانت الوحدات الفرنسية قد أكملت تطويق جبل الجرف، وتمركزت بالمرتفعات القريبة منه وكانت تتدفق بأعداد كبيرة على مواقع المجاهدين، ووصفها المجاهد لحبيب عباد الذي كان يراقب تحركاتها بالمنظار انطلاقا من واد مسحالة بأنها كانت تحتل قمم الجبال مثل الجراد عندما يحط على شجرة أو بستان. وعندما تأكد العدو من وجودنا بالجرف أخذ يدفع بطلائعه إلى ميدان المعركة، وشيئا فشيئا بدأت تتوسع رقعة المعركة إلى أن عمت الجرف كله، وقد اعتمد الفرنسيين على تفوقه العددي وأسلحته الحديثة في حين اعتمدنا على مواقعنا الحصينة في الميدان والشجاعة والبسالة في مواجهة العدو، وقد تميزت المعركة في اليوم الأول بأنها كانت عبارة عن مناوشات بيننا وبين القوات الفرنسية بحيث أن العدو يتقدم إلى المواقع التي نسيطر عليها فنتصدى له فيتقهقر إلى الوراء أمام ضرباتنا القوية. ثم يعيد الكرة من جديد بعد حين، أما الطيران فقد حام عدة مرات فوق الجبل لكنه لم يقصف مواقعنا في اليوم الأول، وفي هذا الصدد يقول المجاهد ڤواسمية الطاهر: «كنّا نتصدى لقوات العدو بتكثيف إطلاق النيران، إذ كانت بحوزتنا ثلاث قطع رشاشة جماعية من نوع فمبار و24/29 بالإضافة إلى البنادق الفردية وعندما يصاب العدو بسيل من الرصاص يتقهقر إلى الوراء ثم يعود من جديد فنتواجه بنفس الطريقة وهكذا إلى المساء».

بدأت المعركة في يومها الثاني الموافق لـيوم السبت 24 سبتمبر 1955م، بيننا وبين وحدات المشاة الفرنسية بعد بزوغ الفجر بعنف وضراوة أكبر مما كانت عليه في اليوم الأول، وقد حرصت خلالها قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي بأن تحيط جميع المواقع التي تمركزنا فيها منذ اليوم الأول، لهذا فقد دخلت في معركة اليوم الثاني كافة أفواج جيش التحرير الوطني، ودفعت قيادة الجيش الفرنسي بأعداد ضخمة من جنودها تفوق تلك الأعداد التي شاركت في اليوم الأول، وبازدياد الحجم العسكري المشارك احتدمت المعركة واشتدت وسيطرت على كل فريق الرغبة في كسر شوكة الفريق الاخر والنيل منه. 

أما في اليوم الثالث فقد تجددت المعركة في الصباح الباكر في يومها الثالث بضراوة وعنف أكبر من اليوم الثاني، وشارك في الهجوم علينا في هذا اليوم سلاح المدفعية والطيران والمدرعات ووحدات المشاة، فتصدينا لها بنفس العزيمة والإصرار فتمكنا من صد هجمات وحدات المشاة واسقاط طائرتين. وبعد الظهر دفعت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي بقوات إضافية إلى ميدان المعركة واستعمل ضدنا سلاحا جديدا تمثل في قنبلة مواقعنا بالقنابل الدخانية وذلك من أجل حماية جنوده خلال تقدمهم، فكان الضباط الفرنسيين وبمجرد أن يرمى بالقنابل الدخانية باتجاهنا يأمرون جنودهم ببدء التقدم وبما أن الدخان سرعان ما يتبدد قبل أن يصل الجنود الفرنسيين إلينا عندئذ يصبحون هدفا سهلا لنا. وقد خسر الجيش الفرنسي بتطبيقه هذه الخطة أعدادا كبيرة من جنوده، وعند حوالي الساعة الخامسة مساء نفذت ذخيرة الرشاشة عند المجاهدين وأحذ يؤثر ذلك في دفاع المجاهدين، وشعرت قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي بنقص الذخيرة عندنا فأخذت تكثف من هجوماتها على مواقعنا، وأمام تناقص قوة دفاعنا أمرت القيادة قادة الأفواج بالتجمع في مقر القيادة فأخذنا نتسرب من مواقعهم إلى مكان الإدارة. 

وفي ليلة اليوم استطعنا الخروج من الجرف، بعد تضحيات كبيرة، وتركنا القائد شيحاني بشير رفقة مجموعة من المجاهدين بداخل مغارة مقر الإدارة بجبل الإدارة وقد استطاعوا أن يخرجوا منها بعد تضحيات كبيرة وقد أنهكهم التعب والجوع والعطش. 

ما هي أهم النتائج التي أسفرت عنها المعركة؟ 

أسفرت المعركة عن استشهاد 75 شهيد، وإصابة حوالي 25 مجاهد بجراح متفاوتة الخطورة، وغنمانا عددا من قطع السلاح ومعدات حربية أخرى، واستطعنا حرق اليات عسكرية فرنسية وقتل عدد كبير من الجنود الفرنسيين. 

كلمة أخيرة لقراء يومية الوسط؟ 

أشكرا يومية الوسط على هذه الاستضافة، وعلى اهتمامها بتاريخ الثورة التحريرية، وأبارك من جهتي كل الجهود الرامية للمحافظة على تاريخ ثورتنا المجيدة. 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك