هذه تفاصيل اعتقالي وتعذيبي من طرف الجيش الفرنسي

حوار مع فرحي محمود المدعو حمّة ابن القائد فرحي ساعي المدعو بابانا

* تفاصيل مثيرة عن العمل الثوري في الحدود الشرقية 

 

في هذا العدد من جريدة الوسط سنتضيف السيد فرحي محمود فرحي المدعو حمّة ابن القائد والمجاهد فرحي ساعي المدعو بابانا ساعي، والذي فتح قلبه لنا وحدثنا عن محطات في حياة والده وعن ملابسات اعتقاله من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية التي كانت تبحث عن والده. 

 

بداية هل يمكنك أن تعرفنا بوالدك المجاهد فرحي ساعي؟ 

 

والدي المجاهد ساعي فرحي المدعو “بابانا ساعي” من مواليد عام 1910م بدوار تازبنت دائرة بئر مقدم ولاية تبسة حاليا. أبوه هو علي بن ساعي، والدته هي السيدة فاطمة ساكتة. ساعي هو أكبر أبناء العائلة ذكورا وإناثا، وتتكون أسرته من المقدادي (استشهد خلال معركة جبل أم الكماكم الأولى يوم 23 جويلية 1955م)، الشريف، العيد، والزازية، يمينة، الكحلة، لدمية.    

لم يتلق والدي أي تعليم في حياته سواء في المدارس القرآنية والكتاتيب بسبب السياسة التعلمية الاستعمارية الفرنسية التي كانت تهدف إلى نشر الجهل والأمية بين الجزائريين حتى تسهل عملية السيطرة عليهم، في هذه الظروف نشأ ساعي فرحي في المنطقة التي ولد فيها وتربى على خصال أهلها من كرم وشجاعة وجود، حيت تربى في وسط بيت ميسور الحال مقارنة بأوضاع العائلات الأخرى فكان محل اهتمام والديه فقد كانت العائلة تعامله معاملة متميزة رغم أنه أكبر أبنائها ذكورا، وكان يهتم بمظهره أيما اهتمام، وكان محافظا على مظهره ومعتزا بتقاليده وإذا لاحظنا مختلف الصور التي خلفها الراحل فان احدها تظهره مرتديا لعمامة وان دل على شيء فإنما يدل على حرص الرجل على الاحتفاظ بمظهر الجزائري الأصيل والمفتخر بتقاليده وعاداته ويعتبر هذا تحديا صريحا للمحتل، الذي عمل ما بوسعه لأجل إبعاد الجزائريين عن كل ما يربطهم بعاداتهم وتقاليدهم. 

إضافة إلى ذلك كان جدي الحاج علي فرحي شخص ميسور الحال، يملك قطعة أرض كبيرة ملكها لابنه ساعي وأعطاه حرية التصرف فيها وقام ساعي ببيعها نظرا لانشغالاته الكثير ولم يجد الوقت الكافي للعناية بها، ومن بين خصال جدي الحاج علي أنه كان كريما محبا للخير وفعله، ويقدم المساعدة للراغبين في الحج بماله الخاص. أما جدتي فاطمة ساكتة فقد كانت امرأة ذات خصال حميدة مهتمة بشؤون بيتها، حريصة على الحفاظ على العادات والتقاليد، وأتذكر أن جدتي كان تحافظ على صلاتها رغم كبر سنها ومرضها خاصة وأنها كانت فاقدة للبصر. هذه الأسرة التي ولد فيها فرحي ساعي ساعدت كثيرا في صقل شخصيته وتكوينها تكوينا يتماشى وطبيعة المنطقة وسكانها وهذه الصفات ستظهر مع مرور الوقت.

هل أدى والدك المجاهد فرحي ساعي الخدمة العسكرية الاجبارية؟ 

حسب الوثائق التي تحصل عليها الأستاذ الدكتور حفظ الله بوبكر عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة العربي التبسي والتي نشرها ضمن كتابه: “التطورات العسكرية بمنطقة تبسة إبان الثورة التحريرية من خلال أرشيف ما وراء البحار الفرنسي” الصادر عن منشورات سوهام للنشر والتوزيع سنة 2017م، والذي أورد فيه معلومات شخصية مأخوذة من بطاقة أعدتها مصالح الاستعلامات الفرنسية حول المجاهد فرحي ساعي والتي تذكر بأن فرحي ساعي أدى الخدمة العسكرية الاجبارية في صفوف الجيش الاستعماري الفرنسي دفعة 1928م رقم 39 وتذكر التقارير الفرنسية بأنه كان جنديا ممتازا وأنهى الخدمة العسكرية سنة 1930م وخرج من صفوف الجيش الاستعماري الفرنسي رقم 40، وقد أصدرت السلطات الاستعمارية الفرنسية مذكرة توقيف ضده وضد أقاربه الذين التحقوا معه بالثورة وحسب التقارير الفرنسية فإنه خلال شهر أوت 1955م كان يقود أكثر من 200 مجاهد من جيش التحرير الوطني.

حديثنا عن أسراتكم؟

تزوج والدي بأربعة نساء هن: السيدة غالي تونس، والدتي السيدة مصباحي حفصية، السيدة فرحي هنية، السيدة فرحي تركية. وأنجب من زواجه خمسة أبناء وثلاث بنات هم: أحمد، محمود، مسعود، علي، أحمد (شقيقي سماه والدي على أسم شقيقنا الشهيد أحمد)، محبوبة، جبارة، خميسة. أما أنا فقد ولدت يوم 05 جانفي 1943م بتازبنت، ابن ساعي ومصباحي حفصية، واعتبر الابن الثاني لفرحي ساعي وولد قبلي شقيقي أحمد من مواليد سنة 1928م والذي استشهد خلال كمين فج القعقاع يوم 06 جوان 1955م.  

خلال سنة 1953م كان والدي يلتقي بعدد من التونسيين ينحدرون من فوسانة، وفريانة يقومون ببيع التين الشوكي في الجهة، وكان يسألهم دائما عن تطورات المقاومة التونسية والمعارك التي يخضوها الثوار التونسيين ضد الجيش الاستعماري الفرنسي ويستقي منهم المعلومات حولها، والدي كان يتحرك بتحركات غير عادية، ويتغيب عن المنزل بلا مبرر، لمدة تصل في أحيان كثيرة إلى غاية شهر، وعشرين يوم، ولم أجد إجابات كافية على تلك الغيابات، لكني لم أسأل والدي عن أسباب ذلك والدوافع التي تجربه عن التغيب. 

خلال ربيع سنة 1954م لم نشاهد والدي بداية من شهر مارس 1954م إلى غاية شهر جويلية 1954م، حيث توفى شقيقه الشريف فرحي في أوائل شهر جويلية 1954م. فقدم رفقة مجموعة مكونة من أربعة أشخاص لم نتعرف عليهم إلى البيت، وبقي لمدة أسبوعين ثم غادر بعد ذلك. كنت أخذ لهم الأكل والشرب وأتصل به دائما وكان يناديني عندما يحتاجني. 

في شهر سبتمبر قام شقيقي أحمد بحراثة وزراعة الأرض، وأشرف شقيقي أحمد على إلى ترحيلنا (الحميرات) بجهة الدخلة في أواخر شهر سبتمبر 1954م، حملنا معنا المونة والغرس والدقيق، وخلال عملية الرحيل أقمنا في الليلة الأولى في فم السد، وقضينا الليلة الثانية في رأس الذي يقع بالقرب منه واد المشرع والذي يتميز بوجود السمك فيه، في تلك الأمسية التي وصلنا خلالها إلى رأس العش شاهدنا قافلة مكونة من خمس شاحنات عسكرية فرنسية تمر بالجهة، قضينا الليلة في رأس العش، وفي الصباح غادرنا باتجاه الدخلة، فتصادف ذلك مع إطلاق الجيش الاستعماري الفرنسي لعملية تمشيط شملت محور واد المشرع وانطلقت من جبل أم الكماكم والجبل الأبيض، كان الجنود الفرنسيين يتواجدون بكثرة في المكان. 

وأقمنا قرب كاف يسمى كاف الغراب ويشقه واد عريض، أقمنا قربه ونصبنا الخيمة وحفرنا حفرة بعمق حوالي 60 سنتم لأجل تجميع المياه الصاعدة من الأرض بداخلها، بعد ذلك اختفى شقيقي أحمد ولم يظهر له أثر مثلما اختفى والدي الذي لم نشاهده طوال شهري أوت وسبتمبر، في أثناء ذلك انضمت إلينا بعض العائلات من عرش التكاكة (بوعون، بوقطف)، لكننا لم نكن نتعامل مع أفراد هذه العائلات، باستثناء عمتي الكحلة زوجة بوزيد بوقطوف الذي استشهد خلال سنة 1958م، كانت تأتي بصفة يومية. 

خلال شهر أكتوبر قدم والدي برفقة وبوزيان لخضر الذي شارك في الثورة التونسية، وكان يأتي أيضا برفقة حمّة بن عثمان فرحي وبوقرة الرشاشي والكبلوتي بوعون، مجموعة تضم 05 أفراد، عندما يأتون إلى المنزل كانوا يتناولون وجبات الغداء أو العشاء، في أحيان أخرى كان والدي يأتي مع فرحي حمّة بن عثمان وبوقرة الرشاشي والجيلاني السوفي، في أحد الأيام قدم إلينا بمفرده على الساعة التاسعة صباحا، وعلى الساعة الثانية عشر زوالا لحق به بوقرة الرشاشي وجيلاني السوفي، وكانوا يرتدون لباس يشبه لباس الدواير، يحلمون أسلحتهم ليلا وفي النهار يقومون بإخفائها عن الأنظار. 

كيف تم اعتقالك؟ 

 

 كنت برفقة والدي عندما قدم بوقرة الرشاشي أمرني والدي بالابتعاد عنهما، وشرع في الحديث مع بوقرة الرشاشي، لم أفهم الحديث الذي دار بينهما، بعد ذلك رجع وأخبرني بأن أبحث عن بوعون بوقطف وحملني رسالة شفوية إليه حتى أخبره بأنه يتوجب عليه اللحاق بالمجموعة في جبل أم الكماكم، وأخبرني بأن السلطات الاستعمارية الفرنسية ستأتي إلى الجهة ويحتمل أن تعتقلني أو تضربني حتى تتحصل على المكان الذي أتمركز فيه، وأوصاني بأن أنكر معرفتي بمكانه.  

في اليوم الموالي قدمت مجموعة عسكرية فرنسية تضم (مدرعة، شاحنة، وسيارة جيب)، توقفت القافلة في كاف الغراب الذي يبعد عن بيتنا بحوالي 200م، ونزل منها 15 جندي فرنسي، وبمجرد أن شاهدتهم قمت بالفرار، في تلك اللحظات بدأ الجنود الفرنسيون بالركض خلفي، ومروا على بيوت أولاد بوقطف، وبعد ذلك توقفت عن الركض خوفا من أن يقدم الجنود الفرنسيين على إطلاق النار تجاهي وقتلي، حيث وصلني عسكري وضربني بأخمص بندقيته، فسقطت أرضا من شدة الضربة التي تلقيتها، وقف شخص بجانب الجنود الفرنسيين وأخبرهم بأنني ابن ساعي فرحي، بعد ذلك ضربني أحد الجنود الفرنسيين وسألني بقوله: 

  • أين هو والدك ساعي؟ 
  • أجبته بقولي: لقد ذهب إلى دوار تازبنت. 

في تلك الأثناء أخذ جندي فرنسي أخر المنظار العسكري وأخذ يمشط المنطقة لكنه لم يجد أي شيء يثير الانتباه.

ثم توجهنا إلى بيتنا أين وجه الضابط الفرنسي سؤلا إلى جدتي حول المكان الذي يتواجد فيه ساعي فرحي، فأخبرته بأنه توجه إلى واد سوف. بعد ذلك قام الجنود الفرنسيين باعتقالي واقتادوني تجاه المركبات العسكرية، في أثناء ذلك كنت أشاهد النسوة والرجال والأطفال وهم يتفرجون على مشاهد اعتقالي من طرف الجنود الفرنسيين، وهذا ما زادني شجاعة وصبرا. 

قبل أن أركب على متن الشاحنة قام الجنود الفرنسيين بشد وثاقي جيدا، ورطبوا قدميا وبدوا في ضربي بواسطة سوط، ونزعوا بعد ذلك حذائي وأخذوا في ضربي على قدميا وهددوني بأن المدرعة ستقوم بدهسي، كانوا يبحثون عن موقع والدي، كل الضرب والتهديد الذي اتبعوه كان بهدف إخافتي، عذبوني وعندما أنتهى التعذيب أمروني بالنهوض من مكاني نهضت لكن لم أستطع ارتداء حذائي بسبب الألم الكبير الذي كنت أشعر به، بعد ذلك ركبت على متن الشاحنة العسكرية توجهنا سوكياس في أثناء سيرنا سمعت الضابط الفرنسي يتحدث باللغة العربية. 

لما وصلنا لجهة سوكياس بقينا هناك لمدة ساعة أو ساعتين ورجعنا لبئر العاتر، جئنا في طريق غبر معبدة لحقنا مع حلول المغرب لبئر العاتر، فوجدت الجنود الفرنسيين يلعبوا بالكرة الحديدية. في أثناء سيرنا من سوكياس إلى بئر العاتر كنت أرمي بصري باتجاه الجبال معتقدا بأن والدي سيأتي لفك أسري من عند الجنود الفرنسيين وسأتمكن من الفرار معه إن قدم. 

في بئر العاتر وجدت بناية وبجانبها “قيطون”، نزل الجنود الفرنسيين أما أنا فبقيت في الشاحنة وشاهدت دركي فرنسي يحمل دجاجات بين يديه، كنت أشاهده وأقراب تحركاته، وفي أثناء ذلك جالت في خاطري حكايات الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجه، حيث كنا نستمع لقصصه وحكاياته وكنت انتظر قدومه لمحاربة هؤلاء الكفار الذين اعتقلوني، 

كنت أشاهد ذلك الدركي الذي شاهدني وبعد ذلك قام بالالتفات خلفي وضربني على عيني بلكمة قوية تسببت في انتفاخ عيني تقبلت من شدة ضربته المؤلمة، وبعد ذلك قدم الجنود الفرنسيين وأنزلوني من الشاحنة وأدخلوني في “القيطون” الذي قضيت بداخله الليلة كاملة، وقدموا ليه وجبة عشاء مكونة من خليط معكرونة وسباقيتي، كليتها، وقضى الجنود الفرنسيين الليلة في الغناء. 

بعد ذلك خلدت للنوم، في الصباح طلع النهار قدم نحوي الجنود الفرنسيين وأركبوني على متن المدرعة من نوع Half-Tracks، وتوجهنا إلى عقلة أحمد حيث سمعت في الطريق حديث دار بين الجنود الفرنسيين سمعت منه مصطلح فريانة، توقفنا بقرب إحدى البيوت فسارع الكلاب نحونا فقام الضابط الفرنسي الذي اعتقلني بقتل أول كلب وصل، بعد لحظات شاهدت الجنود الفرنسيين يحملون بندقيتي صيد معهما ولم أفهم الكيفية التي تحصلوا من خلالها على تلك البنادق، بعد ذلك رجعنا إلى جبل فوّة نزل الجنود الفرنسيين لتناول وجبة الغداء، فقدموا لي قطعة خبز وعلبة سردين، قمت برمي علبة السردين لم أرد تناولها قلت في داخلي: “لن أكل طعام الكفار حتى لا أصبح مثلهم”. 

بعد ذلك قدم نحوي جندي فرنس وتحدث معي باللغة العربية قائلا ماذا تحتاج؟ 

أجبته إنني بحاجة إلى مياه الشرب، لقد أنهكني العطش. 

فأخبرني ذلك الجندي بأن الدلو الذي تحمله سيارة الجيب به مياه ويمكنني أن أشرب منه، لأروي عطشي. حملت دلو الماء وشربت منه، وبعد تحركنا من جديد إلى جهة بئر العاتر حيث وصلنا شعبة تقع بقرب من جبل، لم ننزل من السيارات، شاهدت بعض الجنود الفرنسيين يتوجهون إلى بيتين تقعان على حافة الجبل، كنت راكب في المدرعة التي وضع على ظهرها سلاح رشاش، كانت القافلة تضم 20 جندي ومعهم أفراد مدنيين تعرفت عليهم إثنان منهم كانوا يرافقان القافلة، عاد الجنود الفرنسيين بعد ذلك ولا أعلم ماذا حملوا من تلك البيوت، ثم متوجهين لمدينة تبسة سرنا على الطريق المؤدية للشريعة عندما وصلنا لجبل فوّة رحنا لبرج قايد تقع بالقرب من آثار رومانية عندما وصلنا أطفى الجنود الفرنسيين السيارات وأحضر لنا ساكن البيت القهوة مع البسكويت وقدموا لي قطعتين من البسكويت، ذهبت لقضاء حاجتي وإذا بشخص يمسكني من كتفي وتحدث معي: 

  • ماذا تفعل هنا؟ 

التفت ورائي وإذ بي أجد أن الشخص الذي سألني هو ضابط برتبة ملازم الأول، أجبته بقولي، ألم تشاهد بأنني أقضي حاجتي. لذلك قام بالتراجع إلى الخلف وانتظرني حتى أنهيت قضاء حاجتي، وثم رجعت وركبت على متن السيارة المدرعة، وانطلقت القافلة وخلال السير كان الجنود الفرنسيين يوجهون لي ركلات وضربات بين الحين والآخر. 

مع حلول وقت المغرب وصلنا إلى بحيرة الأرنب، يوجد بها طريق كنّا نسميه “زّعب” في الجهة المقابلة لدوار تازبنت كان سكان الجهة يسلكون خلال تنقلاتهم المختلفة، لما وصلنا إلى “زّعب” أمرني أحد الجنود بالنزول، نفذت ما أمرني به، نزلت وتوجهت مباشرة إلى سيارة الجيب وجدت على متنها الملازم الأول برفقة الشنبيط جفالي بورقعة وأحمد بن الفاتح، تحدثوا معي وأخبروني بأن في مقدورهم إطلاق سراحي حتى أتمكن من العودة إلى البيت، وأخبروني بأن شرطهم الوحيد هو أن أقوم بسرقة “حمار” وبأنهم سيأتون في اليوم الموالي إلى منزل عمي “المقدادي” لأخذ الحمار، أجبتهم بأنني لا أعرف السرقة ولم أتربى عليها، أعاد شرطهم في المرة المانية بقولهم: “عليك سرقة جحش صغير”، رفضت الانصياع لطلبهم وأخبرتهم بأنني لست لص حتى أقوم بسرقة ممتلكات غيري. 

بعد ذلك ركبت معهم في سيارة الجيب وأعطوا لي “بيضتان” مسلوقتان في الماء وكسرة، قمت بتناول الأكل، ثم توجهنا إلى مدينة تبسة التي وصلنها في الليل وتوقفنا في معسكر فرنسي يقع بقرب “دكان سعد شماك”، نزلت وتوجهت إلى غرفة لا يوجد بها أفرشة أو أغطية، أوصى الضابط الفرنسي بأنه يتوجب تسخير عون حراسة حتى يحرس غرفتي، فعين عون حراسة جزائري الأصل يدعى بوقرة، قام بعد ذلك بإحضار وجبة عشاء مكونة من صحن بيه “معكرونة” وأضاف إليها كثير من الماء، تناولت الأكل من شدة الجوع الذي شعرت به، بعد أن أتممت الأكل توجهت للنوم حملت كيس صغير وجعلته على شكل فراش، وحملت بعض الحطب ووضعته تحت رأسي، وخلدت للنوم بعد ذلك. 

في اليوم الموالي بدأت عملية التحقيق معي، خلال الصبيحة كان يأتي محقق لاستنطاقي، وفي الأمسية كذلك يتغير المحقق بمحقق ثاني، تمحور التحقيق حول المكان الذي يتواجد به والدي، كنت أخبرهم بأن والدي متواجد في واد سوف، حتى أؤكد الإجابة التي قالتها جدتي فاطمة للضابط الفرنسي خلال اليوم الأول، خلال التحقيق أخبرني المحققين بأنهم يبحثون عن والدي لاستراد مبلغ مالي يقدر بـ 2000 فرنك فرنسي قديم في ذمته وأخذه على شكل دين، ولم يخبروني بالأسباب الحقيقية لاعتقالي، وأنهم كان يبحثون عن والدي الذي كان مصنفا ضمن الأشخاص الخطيرين بالمنطقة، لكنني لم أخبر المحققين بأي معلومة، رغم محاولاتهم المتكررة معي، تذكرت كلام والدي الذي أخبرني بأنه يتوجب عليا المحافظة على أسراره وعدم البوح عن المكان الذي يتواجد فيه، ووجدت من العار أن أخبر الفرنسيين بمكانه لأن إفشاء الأسرار يعد عيبا وعار كبير عندنا.

تواصلت عملية الاستنطاق معي لعدة أيام، كنت خلالها أتوجه مع أحد أفراد الحراسة لأجل أن أجلب الحطب الذي استخدمه لتدفئة الغرفة ليلا حيث أقوم بوضعه في موقد على شكل “شميني”، في أحد الأيام خطرت ببالي فكرة الهرب من المعسكر الذي أتواجد فيه، كانت الفكرة تتمحور حول التوجه إلى المكان الذي يتواجد فيه الحطب واستغلال وقت المغرب للفرار باتجاه تازبنت، تسلقت الجدار المحيط بالمبنى، لكن شخصا كان يشاهد ما كنت أقوم به وعرف بأنني أنوي الهرب من المعسكر الفرنسي، فأرسل كلب حراسة وتمكن من إفشال المخطط الذي رسمته للفرار، أمر ذلك الشخص الكلب بالابتعاد عني فرجعت بعد ذلك إلى غرفتي. 

بعد مضي عدة أيام من هذه الحادثة قام الجنود الفرنسيين باعتقال شيخين من لقب فارس عرش الزرادمة يقطنان في ظهيرة بوجلال، وأحضروهم إلى الغرفة التي أقيم بها، وبدأوا في التحقيق معهما، وجهوا أسئلة لأحد الشيوخ وأخبروه بأن يقوم بتموين “الخارجين عن القانون” فأخبرهم بأنه أطعم مجموعة مكونة من 73 مجاهد بعدما بذبح لأفرادها ذبيحتين وأنه أرسل ابنه لجلب السلطات الاستعمارية الفرنسية من الشريعة لكنه لم يعد، فأنكروا كلامه وقالوا له بأنه يتستر على ابنه الذي التحق بمجموعة الخارجين عن القانون وهي التسمية التي كانت تطلقها السلطات الفرنسية على المجاهدين. 

خلال تلك الفترة اعدت على الاستقاظ خلال الليل، بعد تكرار عملية الاستنطاق التي كان يقوم بها المحققين الفرنسيين، سألني الشيوخ المعتقلان عن السبب الذي يدفعني للاستقاظ خلال الليل، فأخبرتهم بأن التحقيق الذي خضعت له خلال الأيام الماضية هو السبب في ذلك.

خضع الشيخان المعتقلان لعملية تعذيب شديدة، حيث قام الجنود الفرنسيين بنزع ملابسهما وإخراجهما إلى خارج الغرفة وتعذيبهما بواسطة المياه، وعرضوا عليهما صورا لأشخاص جزائريين قام الجنود الفرنسيين بذبحهم، وكان الهدف الذي يصبوا إليه الجنود الفرنسيين من اتباعهم هذا الاجراء إلى زرع الرعب في الشيخان، لدفعهما للاعتراف بما يعرفانه حول تحركات المجاهدين بالجهة، كنت أشاهد أيضا هذه الصور المرعبة والبشعة التي يحملها الجنود الفرنسيين. 

في أحد الأيام قدم الملازم الأول الفرنسي الذي اعتقلني برفقة القايد شاوش أحمد رشيد قائد دوار تازبنت وسألني هل تعرف هذا الشيخ؟ 

قلت له لا أعرفه لكنني أسمع باسمه. 

أخبرني القايد أحمد رشيد شاوش إن كنت أود العودة إلى جدتي فاطمة بجهة الدخلة، أو إلى بيت عمي المقدادي بتازبنت، قلت له أريد العودة إلى بيت عمي المقدادي بتازبنت، سألني عن أسباب ذلك وقال: لماذا تريد ترك أشقائك وهم صغار؟ 

أخبرته بأن الجنود الفرنسيين يقومون بضربي في الطريق وأن بإمكانهم قتلي بالطريق، لذلك سأعود إلى منزل عمي المقدادي بتازبنت لقربه من مدينة تبسة، بعد ذلك غادر القايد أحمد شاوش رشيد والضابط الفرنسي المكان، ولم يتحدثا معي. 

بعد أن غادر المكان أخبرني الحارس بوقرة بأنني سأغادر المعسكر الفرنسي وكان الحارس بوقرة هو الذي يجلب وجبة أكل مكونة “كسكس وحليب” في كل 48 ساعة فأكل معه في أثناء ذلك. 

في الصباح قدم الملازم الأول الفرنسي برفقة القايد وأمرني بالاستعداد، فقلت له لا أعرف الوضعية التي يتم من خلالها الاستعداد، فأراني الكيفية وأمرني بتطبيقها مثلما فعل، التفت بعد ذلك وجدت قارورة ماء فسألني إن كانت لي أو لا؟ فأخبرته بأنها لي، فأمرني بحملها مع علبة بسكويت، وخرجت بعد ذلك من الغرفة، عندما خرجت وجدت سيارة جيب تعود ملكيتها للقايد أحمد رشيد شاوش، فركبت معاه، وتوجهنا إلى تازبنت، في الطريق كان القايد يتوقف للحديث مع بعض الأشخاص الذين يخبرونه بمشاكلهم، وصلنا بعد ذلك إلى قنطرة التكاكة، فنزلت هناك فتوجهت إلى منزل ساكتة الصحراوي أحد أقارب جدتي، وكان الجو مغيم وباردا، ولما اقتربت من المنزل وجدت الطاهر بن عثمان فرحي الذي تزوج بعمتي الزازية، يقيم مع الصحراوي ساكتة، تناولت هناك وجبة الغداء ثم توجهت إلى بيوت أعمامي المقدادي والعيد، قضيت الليلة هناك مع ابن عمي الطاهر. 

في الصبيحة قررت التوجه إلى بيوت أخوالي الذين ينحدرون من عرش أولاد احميدة، والقاطنين بحجر أم ناب بالقرب من الشريعة، قضيت عدة أيام هناك، بعد أيام قدم عمي المقدادي وكان يركب بغلة، واستقبله أخوالي، فناداني وأخبرني أنه سيقوم بإرسالي في اليوم الموالي إلى الشريعة حتى أعود إلى جدتي وأشقائي، لم أثق في كلام عمي المقدادي وسألته إذا كان يود إعادتي إلى السلطات الفرنسية، فابتسم وقبلني وأخبرني بأنه سيعدني إلى جهة الدخلة. 

في اليوم الموالي استيقظت وتوجهت إلى الشريعة برفقة عمي المقدادي وخالي محمد بن سعيد وسلموني مبلغ مالي يقدر بـ 300 فرنك فرنسي قديم، واشتروا لي حذاء وقميص، وتوجهنا إلى مطعم ولد الخموري لأجل تناول وجبة الغداء، لما شرعنا في تناول الأكل انفجرت قنبلة بالشريعة، وحدثت فوضى جراء ذلك، وخرجنا متسائلين عن الأسباب التي أدت إلى وقوع هذا الانفجار. بعد ذلك التقيت مع مسعود بوعون من أجل العودة إلى أشقائي وجدتي، فتوجهنا إلى فم السد أين قضينا الليلة هناك، وتوجهنا في عشية اليوم الموالي إلى رأس العش على ظهر بعير، قضينا الليلة في رأس العش وأوقدنا النيران لأجل تدفئة أنفسنا، وكنّا نستمع إلى صوت خرير مياه واد المشرع وتزينه أصوات العصافير. 

في أثناء ذلك قدم الجيلاني بن عمير السوفي رفقة مجموعة من 05 مجاهدين، تحدث مع مسعود بوعون الذي أخبره عني، فسأله هل هذا هو ابن ساعي فرحي الذي اعتقله الجنود الفرنسيين، فأجابه بنعم. فقام مسعود بوعون بإعداد “كسرة الملالية”، فأخبرنا الجيلاني السوفي بأنهم قاموا بنزع سلاح أحد الخونة، وغادروا بعد ذلك، أما نحن فضينا ليلتنا في رأس العش في الصباح غادرنا رأس العش في الأمسية مسعود بقرب جبل أم الكماكم ومن هناك عدت إلى جدتي وأشقائي. 

في شهر فيفري 1955م قدم إلينا شقيقي أحمد فرحي برفقة فرحي حمّة بن عثمان وكان شقيقي أحمد يحمل على ظهره جهاز اتصال تمكن المجاهدون من غنمه على إثر كمين نصبه والدي مع مجموعة من المجاهدين في حليق الذيب. 

وفي شهر جوان 1955م رجعنا إلى تازبنت وانضم إلينا الطاهر بن عثمان فرحي، وفجأة قدمت إلى الدوار دبابتان فرنسيتان إحداهما قدمت إلى المنزل، قررت مع الطاهر بن عثمان فرحي الابتعاد عن المكان ومراقبة التطورات من بعيد، في أثناء ذلك تكلم أحد الجنود مع جدتي فاطمة وأخبرها بأن شقيقي أحد قد “استشهد” وأنه يتوجب علينا الحضور لاستلام جثمانه ودفنه بعد ذلك حيث استشهد شقيقي أحمد على إثر كمين فج القعقاع يوم 06 جوان 1955م، وفي يوم 08 جوان 1955م التحق الطاهر بن عثمان فرحي بصفوف جيش التحرير الوطني.   

كلمة أخيرة لقراء جريدة الوسط؟

في الأخير أشكركم على هاته الاستضافة التي سمحت لي باستعراض جوانب من تاريخ الثورة بجهة تبسة والحديث أيضا عن حياة والدي المجاهد المرحوم فرحي ساعي بن علي. 

حوار فرحاني طارق عزيز.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك