هذا حال كورونا في بلد تائه

أمام كثرة الجدل وقلة العمل

بقلم: احسن خلاص

كان القرار بتقديم العطلة الربيعية لأطوار التعليم، وهو القرار الأول والأخير الذي صدر عن رئاسة الجمهورية في مواجهة انتشار فيروس كورونا، بمثابة إشارة أولى دقت الناقوس لبدء حالة تأهب وطنية لمواجهة هذا الخطر الذي كان قد بدأ يسجل حالات مؤكدة وجادة تستدعي بسرعة وعيا مجتمعيا بضرورة احتوائه، لاسيما وأن الجزائريين لم يكونوا بمعزل إعلاميا عن تطور انتشار الفيروس في كافة أرجاء الأرض وما أحدثه من هلع وارتباك بشأن التصدي له وبقوا عالقين أمام الشاشات وما تنقله وسائل الإعلام وشبكات التواصل عن الإجراءات التي اتخذتها دول كبرى كانت، منذ أن سمعت بقدوم الفيروس من ووهان دون أن تعرف هويته وكيفية انتشاره وهجومه على الجسم، قد ألغت رحلات جوية وبرية وأغلقت الملاعب والقاعات وفضاءات البورصة وعلقت تظاهرات رياضة ذات حجم كبير دون أن تأبه بالخسائر المادية التي تترتب حتما عنها في بلدان ليبرالية رأسمالية يحسب كل شيء فيها بميزان العرض والطلب وبمعيار الربح والخسارة ضمن شعار آدم سميث “دعه يعمل دعه يمر”.

لقد قررت دول ليبرالية كبرى إذن أن تضحي بهذا المبدأ المقدس وأن لا تدع هذا الفيروس الفتاك يعمل بحرية ويمر عبر الحدود الأوروبية المفتوحة باسم الاتفاقات الدولية أو باسم القواعد الثابتة التي أرستها المنظمة العالمية للتجارة، إذ أنها بمقابل الامتثال لمثلها ومبادئها المقدسة اختارت الامتثال للقواعد البسيطة التي يفرضها الواقع وهي القواعد التي تنطلق من أن حفظ النفس البشرية أولى بالاهتمام من الحرص على الحفاظ على المثل والتعاليم الدينية والمعايير الاقتصادية الحيوية التي أرساها النظام الليبرالي نفسه، لاسيما وأن الفيروس قرر أن لا يستثني أحدا فمذهب كورونا يعلو على كل المذاهب فقد حقق المساواة بين الطبقات والطوائف وبين الحاكم والمحكوم مما جعل الدول تتدخل وتفرض قوتها وسيادتها وتسترجع نفوذها على الجميع ولو إلى حين أن تنتهي الحرب مع هذا الغازي الجديد.

حل كورونا بالجزائر فوجد فيها حراكا شعبيا يطمح إلى تغيير سياسي وقد فتح ورشة كبرى لبناء دولة قوية بسلطات شرعية وقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة والفعالية وحرص على أمن وسلامة مواطنيها وكرامتهم وحكومة مسؤولة أمام برلمان يمثل حقيقة الإرادة الشعبية ومقدرة خطورة تطور الأوضاع حق قدرها، وقادرة على أن تخاطب شعبها بلغة واضحة وشفافة وتتخذ القرارات الجريئة بسرعة وعقلانية باسم الشعب بعيدا عن الجدل الذي قد يثيره ضعفها السياسي والقطيعة مع المجتمع التي قد يترجمها اتخاذها أنصاف القرارات وهو ما يفسر دعوة الوزير الأول عبد العزيز جراد إلى جعل كورونا عامل توحيد الجزائريين من منطلق أن مسؤولية مواجهة هذا الوباء جماعية وليست منوطة بالسلطة وحدها.

غير أن الخطابات القليلة للحكومة لم ترق إلى طمأنة الجزائريين الذين خبروا في السنوات الأخيرة سلطة فقدت جميع أركان الثقة لدى المواطنين الذين لا يكفي أن يهدئ من روعهم القول بأن الدولة استوردت مواد طبية ومعدات من الإمارات أومن فرنسا وأنها وضعت جميع التدابير من أجل التحكم في المطارات وهيأت المستشفيات لمواجهة الطوارئ. وما يزيد من القلق لدى الرأي العام شعور المواطنين أنه بالرغم من هذه المجهودات في الخطاب الحكومي لا يبدو لدى الرأي العام الوطني أن الحكومة اكترثت بما يكفي أو ينبغي للخطر الداهم الذي اضطر الحراك إلى الدعوة إلى تعليق مسيراته الأسبوعية بالرغم من الجل القائم حول هذه الدعوة بين المرحبين والرافضين والداعين إلى إيجاد أساليب احتجاج بديلة وهو جدل طبيعي في فضاء نقاش ديمقراطي بامتياز.

وليس أدل على هذا الشرخ بين الحكومة والمواطنين من أن السلطة أوكلت أمر فتح المساجد للصلاة لوزارة الشؤون الدينية وفتح الأسواق لوزارة التجارة وفتح دور الشباب لوزارة الشباب والرياضة وغلق المطارات والموانئ لوزارة النقل وهلم جرا، وكأن مجال اختصاص رئاسة الجمهورية لا يتعدى مجرد غلق المؤسسات التعليمية التربوية والمهنية والجامعية والزوايا في الوقت الذي ينادي الأطباء وأهل الاختصاص إلى ضرورة اتخاذ أقصى التدابير أمام وباء جعل العالم كله يستغيث.

غير أن قرار وزارة الشؤون الدينية الذي استصدرته من لجنة للفتوى تحت وصايتها والقاضي بإقامة الصلوات لوقت قصير وتحديد وقت صلاة الجمعة بعشر دقائق وغلق المساجد بعد الصلاة ومنع الأطفال والمسنين من ارتيادها، قد أثار جدلا واسعا وتساؤلات عدة بعضها ديني يتعلق بجدوى الفتوى الدينية في مثل هذه الحالات أصلا إذ أن الاستشارة بالدرجة الأولى لأهل الاختصاص وبعضها سياسي يتعلق بمسؤولية رئيس الدولة في استشارة المجلس الإسلامي الأعلى حول جواز غلق المساجد لظروف طارئة وإصدار القرار من أعلى سلطة في الدولة يقضي بغلقها أو مواصلة فتحها، وبعضها اجتماعي ينطلق من أن أماكن العبادة بقدر ما هي فضاءات للتعبد فهي أماكن عامة يتردد إليها الناس ويحتكون فيما بينهم مما ييسر انتقال العدوى بسرعة فيجب الابتعاد عنها إلى حين انطلاقا من أن درأ المفاسد أولى من جلب المصالح كما تقول القاعدة الفقهية.

لقد وجدت السلطة نفسها في وضع مرتبك، لا أحد يمكنه تحمل المسؤولية كاملة فيتخذ القرارات بدل أنصاف الحلول وإلا كيف نفسر أن السلطة تباطأت في غلق المجال الجوي أمام الطائرات والسفن القادمة من أوروبا ولاسيما فرنسا، هذا التباطؤ الذي جر معه تساؤلات حول قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات الصارمة كما هو الحال في أغلب الدول.

لقد أعطى كورونا للجزائريين سلطة وشعبا درسا حول حدود القرارات والمسؤوليات إذ أن هيبة الدولة تكمن في قدرتها على حماية مواطنيها في الداخل ورعيتها في الخارج وفي قدرة مؤسساتها على اتخاذ أرشد القرارات وأشدها صرامة في الأوضاع الأشد تأزما أكثر مما تكمن في قدرتها على التحكم في الحريات الفردية والجماعية.

 

 

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك