نوفمبر التاريخ ونوفمبر السياسة

بين المرجعية والفرصة

بقلم احسن خلاص

شكل تاريخ الفاتح من نوفمبر وما حمله من رمزية مادة دسمة في النقاشات السياسية القائمة على الساحة منذ انطلاق الحراك الشعبي. وغالبا ما تحمل هذه الرمزية شحنة عاطفية انفعالية تنصرف بهذه النقاشات إلى مجال التخوين والاتهام بالردة عن مقومات الأمة الرئيسية. وبالرغم من أن تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية مليئ بالنصوص التوجيهية إلا أن بيان أول نوفمبر ظل يحتل المرتبة الأولى في قائمة المرجعيات المؤسسة للدولة وأضحى في الأيام الأخيرة حقلا للمزايدات بين الأطراف السياسية والتيارات الفكرية القائمة.

وازداد الاهتمام بأول نوفمبر و”بيانه المؤسس” بمناسبة التعديلات الدستورية إلى الحد الذي فكر صانع القرار أن يتخذ من هذا التاريخ مناسبة من مناسبات دعوة الشعب لممارسة سيادته عن طريق الاستفتاء على الوثيقة الأولى للبلاد. وحرص المؤسس الدستوري على إضافة مضامين جديدة تشير إلى أهمية تلك اللحظة المفصلية في تاريخ الجزائر الحديث إلى حد اعتبارها الرحم الذي ولدت منه الدولة والأمة الجزائرية.

لقد بدأ الاهتمام بإيلاء مكانة أسمى للثورة التحريرية ولبيان أول نوفمبر بالأخص في النصوص التأسيسية للدولة الجزائرية، في 1996، أي بعد مرور ما يقرب من سبع سنوات من التجربة التعددية التي كادت أن تنحرف إلى خيارات جديدة بين مطلب الدولة الإسلامية الذي كان يرمي إلى ربط مصير البلد بأجندات الإسلام السياسي الدولي ومطلب الدولة العلمانية المتطرفة التي تموقعت في الضفة المقابلة تماما وهي ربط مصير البلد بأجندات سياسية تغريبية.

لقد ارتأت السلطة الفعلية القائمة منذ إلغاء المسار الانتخابي عام 1992 أن أحسن موقع يمكن أن تجابه منه التيارات الهوياتية والإيديولوجية الزاحفة هو الرجوع إلى قوة هذه اللحظة التاريخية والاستنجاد برجال تلك اللحظة. فكان أول من لجأ إليه جنرالات 1992 القائد التاريخي حسين ايت احمد الذي رفض عرض قيادة البلد قبل الاستنجاد بقائد تاريخي آخر من مفجري ثورة أول نوفمبر وهو محمد بوضياف الذي شد عضده بالأمين العام لمنظمة المجاهدين وقائد الولاية الثانية التاريخية علي كافي رجال ثورة آخرين من أمثال تيجاني هدام ورضا مالك وعلي هارون.

غير أن التشدد في التمسك بالمرجعية النوفمبرية قد ظهر جليا في دستور عام 1996 وما تبعه من ترسانة قانونية بدءا بقانون الأحزاب وقانون الانتخابات فقد كان الحرص واضحا على أن تكون الإشارة إلى مرجعية “مبادئ أول نوفمبر” متضمنة في النصوص التأسيسية لجميع الأحزاب وأن يثبت كل مترشح للانتخابات طبيعة علاقته أو علاقة والديه بالثورة التحريرية وأن يثبت المترشح للرئاسيات مشاركته في الثورة التحريرية إذا كان مولودا قبل جويلية 1942 وعدم وجود صلة عدائية للثورة لوالديه إذا ولد بعد هذا التاريخ.

ومنذ انطلاق الحراك ظهرت النزعة النوفمبرية كسلاح مقاومة للنظام البوتفليقي من جانب وللتيار الديمقراطي العلماني من جانب آخر فقد رفعت النوفمبرية كشعار جنبا إلى جنب مع الباديسية لتقدم صورة تخرج اللحظة النوفمبرية التاريخية من دائرة الإجماع الوطني إلى دائرة تيار سياسي دخل في صراع مع تيار سياسي آخر ينظر إلى المرجعية التاريخية بمنظور مخالف.

ومن هنا لم يكن اختيار الفاتح من نوفمبر لإجراء الاستفتاء محل استحسان جميع الأطراف الساحة السياسية المنخرطة في مسعى المشاركة الإيجابية والسلبية ومنطلق المتحفظين عن هذا التاريخ أن الفاتح من نوفمبر لا يمكن أن يكون لحظة للتفرق والانقسام بل هو لحظة إجماع وطني بامتياز وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يرمى المقاطعون للاستفتاء بخيانة مبادئ أول نوفمبر فالاستفتاء في الدستور مجال للتعبير الحر عن مواقف المواطنين وتكريس للديمقراطية التي تبنى على الاختلاف والتعدد.

وباختيار الفاتح من نوفمبر يوما للاستفتاء الشعبي فقد اختارت السلطة أن تجعل منه حدثا تاريخيا يجعل المتخلفين عنه وكأنهم تخلفوا عن الوقفة النوفمبرية التاريخية التي ستنتقل بنوفمبر من البعد الثوري التحريري إلى بعد التغيير السياسي الذي هو رجع الصدى ل”الحراك الأصيل” في محاولة ربط رمزية بين تاريخ أول نوفمبر الذي يرمز إلى تلاحم الشعب مع جيش التحرير الوطني في معركة التحرير والاستقلال وبين تاريخ 22 فبراير الذي يرمز في نظر السلطة إلى تلاحم الشعب مع الجيش الوطني الشعبي من أجل التغيير السياسي ومحاربة الفساد.

هذه هي الرمزية التي يراد أن يجسدها اختيار أول نوفمبر عند السلطة وهي النظرة التي لا يشاطرها أنصار التيار الإسلامي والمحافظ الذين ينطلقون من أن بيان أول نوفمبر هو الذي وضع الجزائر الثورية على سكة البعد العربي الإسلامي وحدد بوضوح الهوية الجزائرية التي يرون أن الطبعة الدستورية الجديدة قد خالفت جوهر الرسالة النوفمبرية بالرغم من ورود المرجعية في ديباجة الدستور الجديد ومن هنا فإن اختيار تاريخ أول نوفمبر في نظر التيار المحافظ رسالة من السلطة ترمي إلى طمس هذه الرسالة والردة عنها من خلال ما تضمنه الدستور الجديد من مساس بالثوابت الوطنية في مجالات مختلفة تتعلق بحرية المعتقد والعبادة وإبعاد المدرسة عن التأثير السياسي والإيديولوجي.

ويبدو أن تاريخ أول نوفمبر، صار من حيث لم يحسب له، مثار اختلاف وتقسيم وجدل بينما ظل يراد له أن يكون اللحظة التاريخية الوحيدة التي يمكن أن يجتمع عليها الجزائريون كلهم دون استثناء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك